الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1433

»

عمر صانع حضارة

»

09 - الانتماء (جيل منتم للفكرة)


عمرو خالد
معنى الحضارة

الغرض من سرد قصة عمر هو أن نتعلم كيف تُبني الحضارات. هل تعلم ما معني أن نبني حضارة؟ أن نبني حضارة يعني أن ننجح وأن نتفوق في شتي المجالات سواء أكانت صناعة أو زراعة أو صحة أو تعليم أو أخلاق أو غيرهم من المجالات الأخرى. لماذا خلق الله عز وحل آدم ولماذا خلقنا نحن؟ ألم يخلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض؟ وكيف يكون الانسان خليفة في الأرض؟ يكون الانسان خليفة في الأرض بتعميرها. وما هو تعمير الأرض؟ تعمير الأرض هو بناءها وهذا هو معني الحضارة.

ألا يحزننا أننا ولمدة مائتي عام لا نضيف لحضارة اليوم شيئا بينما العالم يضيف الجديد كل يوم؟! وقد يضيف العالم شيئا ما خطئا لا يعجبنا ولكننا لا نملك إلا السكوت وذلك لعدم مقدرتنا علي اضافة غيره. ألا نستحق وتستحق أمتنا أن يكون لها حضارة عظيمة؟! هيا بنا نبني حضارة عظيمة. ولكن ما هي شروط بناء حضارة؟

شروط بناء الحضارة

الشرط الأول لبناء الحضارة هو أن يكون البَنَّاء منتمي بقوه إلي هذه الحضارة المرجوة. ويعلمنا رمضان هذا الانتماء أمة واحدة .. يد واحدة .. روح واحدة. هل تشعر أنت بهذا الانتماء؟

تعلم عمر بن الخطاب الانتماء في لحظة صعبة وهي لحظة وفاة النبي صلي الله عليه وسلم. يعلم النبي صلي الله عليه وسلم ويعلم سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عمر الانتماء إلي الفكرة وليس إلي الأشخاص. هل أنت منتمي بقوة إلي الإسلام؟ هل أنت منتمي بقوة إلي الله عز وجل؟

الشرط الأول: الإنتماء

في الأيام الأخيرة للنبي صلي الله عليه وسلم مشاهد تعلمنا معني الانتماء. عندما حان الأجل وقبل ثلاثة عشر يوما من المنية، كان رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يقدر علي إقامة صلاة السنن وقوفاً، فقال له عمر "يا رسول الله تصلي جالساً " قال النبي صلي الله عليه وسلم: "من همي بالناس يا عمر" أي أنه قد حمل هم الأمة كثيرا مما أضعف صحته وفي هذا يعلمنا الرسول صلي الله عليه وسلم أن ننتمي للأمة فنحمل همومها وآمالها. انتمي أنت وانتموا جميعا إلي اقامة الحضارة وبناء الأمة.

وفي ظرف آخر يضاحك سيدنا عمر رضي الله عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم ويقول له: "شبت يا رسول الله" وذلك لأنه ظهر القليل من الشعر الأبيض في رأس رسول الله صلي الله عليه وسلم. فيقول له الرسول: "نعم يا عمر شيبتني هود" قال: "لما يا رسول الله؟" قال: "فيها آية شيبتني (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) (هود: 112)" الاستقامة هنا ليبس المقصود بها صلاة وصوم، فهم بالفعل يصلون ويصومون ولكن المقصود هو الاستقامة علي البناء والإصلاح في الأرض طوال العمر.

وفي الأسبوع الأخير للرسول صلي الله عليه وسلم يزور الرسول البقيع الزيارة الأخيرة ومعه مجموعة من أصحابه وينظر إلي جبل أحد ويقول "أحد جبل من جبال الجنة" ثم يقف أمام مثوى شهداء أحد ويقول لهم: "السلام عليكم يا شهداء أحد أنتم السابقون وأنا إن شاء الله بكم لاحق" ثم يبكي النبي صلي الله عليه وسلم ويقول "اشتقت إلي إخواني" فيتعجب عمر ويقول "أو لسنا اخوانك يا رسول الله؟!" قال "لا أنتم أصحابي أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بى ولم يروني" وفي هذا يكلمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم نحن، فرسول الله قد اشتاق لنا.

هل تلاحظون أن رسول الله صلي الله عليه وسلم يربط الأمة بعضها ببعض يربط حاضرها بماضيها وبمستقبلها فهاهو يزور الماضي بزيارته للبقيع ويتطلع إلي المستقبل باشتياقه لإخوانه بينما هو يعيش في الحاضر ويساير أصحابه.

ثم يعود الرسول صلي الله عليه وسلم من المدينة إلي مكة وتتنزل الآية الأخيرة من القرآن الكريم وهي (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (سورة البقرة :281) ومن الغريب أن هذه الآية نزلت في وسط آيات الاقتصاد فآية الدين وهي أطول آية في القران هي الآية التي تليها. وفي هذا اشارة إلي أن العبادة ليست صلاة وصوم فقط بل هي بناء حضارة تتوفر فيها عوامل النجاح ومنها عامل الاقتصاد.

ويشتد المرض على رسول الله صلي الله عليه وسلم ويجتمع الصحابة في المسجد قلقا على النبي ويسمع وهو في بيته ضوضائهم فيقول للسيدة عائشة: "من هم؟" فتقول "يخافون عليك يا رسول الله" فقال "احملوني إليهم" فصعد النبي المنبر وألقي آخر خطبه له وقال "أيها الناس، كأنكم تخافون علي؟ أيها الناس موعدى معكم ليس الدنيا، موعدى معكم عند الحوض، والله لكأنى أنظر اليه من مقامى هذا، أيها الناس والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم...." وهنا يسمع عُمر كلام رسول الله فيفهم أن الحضارة لا يجب أن تُبني على الترف والأبهة ولكن يجب أن تُبني على العلم والنجاح. و هنا يعلمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الانتماء للإسلام يكون ببناء حضارته ولا يكون بقراءة القرآن وكفي ولا بصلاة وكفي. ويكمل رسول الله صلي الله عليه وسلم فيقول (... أيها الناس إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقاء الله فاختار لقاء الله...) هنا فهم ابو بكر رضي الله عنه وعرف أن الرسول قد خُير بين الدنيا ولقاء ربه فاختار لقاء ربه فعلى صوت أبى بكر بالبكاء وقال فديتك بولدي، فديتك بنفسي، فديتك بأهلي. و قال رسول الله (... أيها الناس أبلغوا منى السلام كل من تبعنى إلى يوم القيامة ...) ها هو الرسول صلي الله عليه وسلم يرسل السلام إلي أزمنة متأخرة ستأتي من بعده في تاريخ حضارة الاسلام التي بدأها. وعليك منا السلام يا حبيبي يا رسول الله صلوات ربنا وسلامه عليك. ويوصى الرسول صلي الله عليه وسلم الناس ويقول "الله الله في الصلاة، الله الله فى النساء، الله الله في صلة الأرحام ..." وهنا يوصينا رسول الله بإقامة الصلاة وحسن معاملة النساء وصلة الرحم فها هو يؤكد علي بناء الحضارة علي الرحمة والإيمان.

ثم يقف رسول الله ويقول "... من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه، ألا ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليقتص منه، ومن كنت أخذت منه مالا فهذا مالي فليأخذ منه...." ثم دعي رسول الله عليه وسلم لأمته وقال " ... أواكم الله، نصركم الله، أعظكم الله، حفظكم الله ..."

أستحلفكم بالله أن تحافظوا على الحضارة التي وضع بذورها رسول الله صلي الله عليه وسلم، لا يكفي أن نصوم ونصلي فقط بل يجب علينا بناء حضارة الإسلام، كنت طبيبا أو مهندسا أو مزارعا فعليك أن تساهم في بناء حضارة الإسلام.

في اللحظات الأخيرة للنبي صلي الله عليه وسلم يضع النبي رأسه في صدر زوجه عائشة.. ما هذا؟! أهذه هي اللحظة الأخيرة في حياة النبي صلي الله عليه وسلم؟! رأس النبي في صدر زوجه عائشة! ألا يموت النبي وهو يقرأ القرآن أو وهو ساجد! ما أجمل هذا الدين وما أعظم انسانيته! وما أعظم تقديره واحترامه للمرأة! وبينما النبي صلي الله عليه وسلم يضع رأسه في صدر عائشة يرفع يده ويقول "بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى" فتقول السيدة عائشة أنها عرفت أنه يُخَير ولابد أن ملك الموت في البيت. يقول ملك الموت "يا رسول الله، إن الله أرسلني أُخَيرك بين الدنيا وبين لقاء الله ولم أخير بشر من قبلك" ويرفع يده ويقول "بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى" وتثقل رأسه في صدر السيدة عائشة رضي الله عنها فتقول أنها عرفت أنه مات فوضعت رأسه علي الفراش ثم خرجت من نفس الباب الذي كان يخرج منه النبي إلي المسلمين في المسجد وقالت بصوت عال "مات رسول الله، مات رسول الله" فانفجر المسجد في البكاء.

يقول عمر بن الخطاب "فخرجت أبحث عن مكان أصرخ فيه وحدي" لقد كان عُمر محبا لرسول الله ومنتميا له لدرجة أنه لم يستطع أن يصدق أن الرسول قد مات بالرغم من أن موت البشر هو أمر طبيعي. فما كان منه إلا أن أخذ سيفه ورفعه وقال مخاطبا المسلمين في المسجد "من قال أنه قد مات قطعت رأسه، إنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسي للقاء ربه وسيعود وسيقتل المنافقين وسيقتل من قال أنه قد مات"

بينما عُمر لم يستطع تصديق موت الرسول صلي الله عليه وسلم كان أبي بكر أهدأ الناس ودخل علي النبي وحضن النبي وتأكد أنه قد مات وقبل جبينه وقال له "ما أطيبك حيا وما أطيبك ميتا" ويخرج أبو بكر إلي المسجد ويقول لعمر "اسكت يا عمر" قال عمر "لا"، فقال أبو بكر ""اسكت يا عمر، أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت" في هذه الكلمات البسيطة كان أبو بكر يقول لعمر وللمسلمين هل تحبون النبي، فكلنا نحب النبي، ولكن هناك حب آخر وانتماء آخر وهو حب الإسلام والانتماء إليه وحب حضارة النبي التي وضع بذورها والتي يجب أن يكتمل بناؤها.

ثم تلا أبو بكر هذه الآية (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) ويقول عمر واصفا حاله لما سمع اللآية "فكأني أسمعها لأول مرة، فعرفت أنه قد مات" وفي هذه اللحظات الحرجة توجه انتماء عمر بن الخطاب من انتماء إلي شخص رسول الله إلي انتماء الالتزام باستكمال ما قد بدأه الرسول صلي الله عليه وسلم. والآن فالتحدي لكم فالرسول قد مات هل ستكملون بناء حضارته أم لا؟ عمر بن الحطاب بكي النبي وبكي الوحيولكن عندما علم أن حضارة الإسلام لابد وأن تُستكمل قرر بناء حضارة. انتموا إلي الإسلام وانتموا إلي القرآن وأنتم تقرءونه في رمضان انتماءا يجعلكم تتعلقون به وتتابعوا قراءته بعد رمضان.

استطاع عمر بن الخطاب أن يجدد انتماءه في لحظات وذلك بعد سماع كلمات أبي بكر فاستيقظ بداخله مارد كبير وهو مارد بناء حضارة وذلك هو ما يرضي رسول الله صلي الله عليه وسلم. إياكم أن تتخيلوا أن ما يرضي رسول الله هو أن تقرأ القرآن في رمضان وتصلي وتبكي بينما أمتك ضائعة بلا حضارة بل هي تابعة لحضارة لا تليق ولا تتجانس مع قيم الإسلام. كان عمر بن الخطاب منتميا إلي رسول الله من خلال بناء وإقامة حضارته ومنتميا إلي القرآن من خلال تطبيقه لأنه هو المحرك لبناء الحضارة.

ويبدأ عمر بن الخطاب انتماءه بلم شمل المسلمين يعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم. علم عمر بن الخطاب أن الأنصار تجمعوا بمفردهم لاختيار خليفة الرسول صلي الله عليه وسلم. كان تجمعهم بمفردهم مؤداه أنهم هم أصحاب البلد ومن ثم هم الأحق بالخلافة. ولكن عمر يري أن الأمر يجب أن يكون شراكة بين الجميع فيذهب مسرعا إلي أبي بكر وأبو عبيدة بن الجراح ويذهب بهم إلي سقيفة بني ساعدة -بيت سعد بن عبادة سيد الأوس- الذي اجتمعت فيه الأنصار لاختيار الخليفة. ويقف أبو بكر ويقول "يا معشر الأنصار كنتم أول من آمن فلا تكونوا أول من بدل" فقالوا "نحن أصحاب الحق ونحن الذي آوينا المهاجرين ونحن الذين نصرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم" فيرد أبو بكر وعمر بكلمة هي الحاسمة "إن العرب لا تقبل الآن إلا قريش" –وذلك لأنهم علي وشك بناء حضارة تجمع الجزيرة كلها وليس المدينة فقط - فيقول خباب بن المنذر وهو من الأنصار "منا أمير ومنكم أمير" فيقول عمر "إن هذا الأمر لا يستقيم" - وذلك لأنه لا تقوم حضارة بدون قيادة موحدة – فيخرج شخصا من الأنصار لا نعرف الآن اسمه ولكنه كان منتميا إلي الاسلام قبل أن يكون ينتميا إلي قبيلته وقال "يا معشر الأنصار صدق أبو بكر وعمر لا تسمع العرب إلا لقريش أطيعوهم" فيقول أبو بكر بلينه الجميل "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"

ولكن لا يزال السؤال من القائد؟ يقول أبو بكر: "قم يا عمر، قم يا أبو عبيدة، اختاروا (أي جمهورالمسلمبن الحاضر) منهم من تبايعونهم" ولأن الحضور كانوا ممن ينتمون إلي الإسلام وحضارته وليس إلي الأشخاص قال عمر "لا يا أبا بكر، امدد يدك أبايعك" وهنا يتردد أبا بكر فيقول له عمر "أنت والله أنت والله" – أي أنت أهل لها- فيقول له أبو بكر "أنت أقوي مني يا عمر" فيقول له عمر "وأنت أفضل مني، وقوتي إلي فضلك قوتين" ما أجمل هذا التجرد! هل تستطيعون أن تتجردوا مثل هذا التجرد وأن تنتموا إلي الإسلام بحق مثل انتماء عمر؟! يا جماعة نريد أن نبني حضارة نريد أن ننجح في شتي محالات الحياة من زراعة واقتصاد وتعليم وغيرها. آن الأوان أن يستفيد العالم منا. الحضارة ليست صلاة وصوم فقط بل بناء وتشييد وتجديد وإبداع وابتكار. ما أجملك يا عمر! ما أعظم تجردك يا عمر! ويقول عمر لأبي بكر " امدد يدك با ابي بكر أبايعك، أنت أقدر عليها مني، أنت صاحب رسول الله في الغار" ويقف ويقول بقوة "ليتني شعرة في صدر أبي بكر" ما أعظم هذه الشخصية! أتمني أن أراك يا عمر، أتمني أن أراك في قوتك وفي تجردك وفي انتمائك وفرحك الله بهذا العمل الذي نقوم به وبمن سيقلدك ويقرر أن يكون عمريا وصانع حضارة مثلك.

وبايع عمر أبا بكر وبايعه من وراءه المسلمين. من الملاحظ أن عمر استخدم طريقة علمية في التأثير علي المسلمين اسمها "العقل الجمعي" وهي أنه عندما تكون الجماهير في تردد من أمرها فهي عادة ما تتبع أول شخص يقدر علي اتخاذ قرار. أنقذتنا يا عمر بحسمك في أمر الخلافة. أنقذت حضارة الإسلام. أري أن النبي قد فرح بك يا عمر. يا تري كيف كان سيصبح حالنا إذا لم يتفقوا؟!

وأخذ عمر أبا بكر من يده وصعد به علي المنبر وقال "أيها الناس كنت قد قلت لكم بالأمس أنه من قال أنه قتل قطعت رأسه وقد أخطئت وقد أفقت إلي نفسي إنما يرضي رسول الله أن تعبد الأرض من الشرق إلي الغرب وأن تعلم الخير من الشرق إلي الغرب. أيها الناس هذا أبو بكر رفيق النبي في الغار ومن صلي بكم عندما مرض النبي صلي الله عليه وسلم وقد بايعته وقد بايعناه في ثقيفة بني ساعدة قوموا فبايعوا أبا بكر" أنقذتنا يا عمر ما أجمل انتمائك الجميل الذي لم يجعلك أن تختار القيادة لنفسك. يا ناس تعلموا التجرد والانتماء مثل عمر بن الخطاب.

هناك أناس لا يجيدون إلا أن يكونوا الرجل الثاني وآخرون لا يجيدون إلا أن يكونوا الرجل الأول. عمر بطبيعته وخلقته من الصنف الذي لا يجيد إلا أن يكون الرجل الأول، ولكن عمر المخلص يقبل أن يكون الرجل الثاني وأن يتكامل معه بل ويقول "ليتني شعرة في صدر أبي بكر" ما هذا التواضع من عمر! ويقول عمر إنما يخلط شدته بلين أبي بكر لتتكاملا لصناعة دولة وصناعة حضارة. أجاد عمر أن يكون الرجل الثاني فكرمه الله بعدله وجعله قائد لعشر سنوات. يقول النبي صلي الله عليه وسلم "رأيت أني قد نزعت دلوا من بئر ثم جاء أبو بكر الصديق فأخذ بدلو أو دلوين ثم فأخذ نزعا ضعيفا ثم جاء عمر فاستسقي وأخذ ذنوبا كثيرا فلم أري عبقريا يفري فريه مثله" وفهم أبو بكر الرؤيا فالرسول صلي الله عليه وسلم بذر بذور حضارة الاسلام ثم يأتي هو من بعده لفترة قصيرة ثم يأتي عمر لفترة أطول يُكمل ما بدأه النبي لما استخرج الحضارة والخير من البئر فهو الذي سيسقي للناس. ما هذه الرؤيا الجميلة ! وما هذا التواضع يا أبا بكر! وما هذا العظمة يا عمر! هل من الممكن أن نري جيلا في أمتنا يتكامل مثل هذه التكامل؟ هل من الممكن أن نري حكاما ومساعدين يتكاملون؟ هل من الممكن أن نري رئيس عمل وموظفيه يتكاملون؟

هل من الممكن أن نرى باحثين يتكاملون؟ إن الحضارات تبنى بتكامل الرجال مع بعضهم البعض فالتكامل هو شرط من شروط تكامل الحضارات.

قام بتحريرها: قافلة التفريغ والإعداد بدار الترجمة

Daraltarjama.com©جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كأنت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخرى فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

للاستعلام:management*daraltarjama.com