الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1433

»

عمر صانع حضارة

»

02 - اتحرك


عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أهلاً بكم وبرنامج عُمر صانع حضارة، نبدأ بحديث جميل جداً للنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول (إن الجنة لتتزين من السنة إلى السنة في شهر رمضان، فإذا جاء رمضان نادت الجنة: يارب اجعل لي في هذا الشهر من عبادك سكاناً). فيا ترى من سيكتب إسمه هذا العام من أهل الجنة؟ لذا يا جماعة أرجو الهمة في العبادة من ختمٍ للقرآن وصلاة تراويح بالمسجد ودعاء لله -عز وجل- وبر لآبائنا وصدقات كثيرة، فهذا ما سيجعل قصرك في الجنة يكتب بإسمك هذا الشهر، لقد تعودنا أن الجنة وقصورها في رمضان تأتي عن طريق الصلاة والصيام، ولكن هذا لا يكفي فنحن نريد أن نتعلم شيئاً جديداً هذا العام، الصلاة والصوم بالإضافة إلى بناء الحضارة، وبرنامجنا يدور حول هذا المعنى، بناء الحضارة سيكون عن طريق تخصصاتكم أو أولادكم أو عن طريق هواياتكم ستشاركون ببناء هذه الحضارة. سنتكلم عن صفات الإنسان الذي سيصنع الحضارة سأعطيك في كل حلقة صفة من صفات عمر، حتى تقلد سيدنا عمر بهذه الصفة، فلست هنا لكي أحكي قصة ولكن لأتفق معك كي نبني الحضارة، وكيف نعبد الله تعالى ببناء هذه الحضارة.

ما هي أول صفات عمر بن الخطاب "صانع الحضارة"..؟

أول صفة هي " الحركة " إن الأمم التي تقف مكانها وتعتمد على غيرها وتنتظر من يقول لها ماذا تفعل من غير الممكن أن تصنع الحضارة، لكن الأمة المكونة منك ومني ومنها ومن سائق الباص وغيره الذين يقولون أنهم سيتحركون وخاصة الشباب والبنات، هذه الأمة هي من تصنع الحضارة، شباب وبنات يتحركون أي يتعلمون لغة جديدة أو يثقلون هوايتهم بالتدريب أو أن يأخذوا كورس جديد أو بأن يسافروا ويتعلموا بالخارج أو أن يعملوا بالصيف، فهذا النوع من الأشخاص هو من يبني الحضارة، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هو تحديداً هذه الشخصية ففي فترة شبابه تعلم أشياء كثيرة، هذه هي حلقة اليوم وأنا أهديها إلى كل شاب، إن طابور البطالة طويل فهناك ملايين من الناس بهذا الطابور ومن سيقف بمكانه سيدهسه الزمن، ومن سيتحرك سينجح بحياته العملية وسيبني لبلادنا حضارة عريقة، كانت أول صفة بعمر بن الخطاب منذ أن كان شاباً ابن السابعة عشر والثامنة عشر هي الحركة، وقد ابتدأ عمر في البداية كراعي للإبل ثم سافر ليهتم بتجارة وسط قافلة، فكان كلما تحرك اكتسب خبرة معينة، لذلك مطلوب من كل من يسمعني اليوم أن يقول لنفسه "وأنا أيضاً سأقلدك يا عمر وسأثقل نفسي". يقول النبي –صلى الله عليه وسلم- عن عمر بن الخطاب (فلم أرى عبقرياً يفني فريه...) فلم ينعت الرسول –صلى الله عليه وسلم- أحداً بالعبقري غير سيدنا عمر بن الخطاب.

عندما كان عمر بن الخطاب يبلغ الثامنة عشر من عمره، بعثه أبوه مع إبل الخطاب ليرعى الإبل، إعمل واتعب وأنت صغير وتعلم حرفة بهذه الدنيا، لقد كان عمر بن الخطاب يأخذ صباحاً إبل أبوه الخطاب وينزل بهم ويعمل بيديه فيمسح على الجمال وينظفهم ويعالج الإبل ثم يأخذهم إلى أماكن المياه إن عمر بن الخطاب العظيم فاتح البلاد كانت هذه بدايته كان يعمل بجد ليل نهار، ويهتم بصغار الإبل ثم ينزل ليحتطب ويقطع الحطب والخشب ويأخذه على جمله وينزل إلى مكة ويوصل الحطب لخالاته الأربعة كبار السن في قيظ صيف مكة، وعندما تعرض عليه خالته الطعام يرفض لكثرة العمل وراءه، وتقول له خالته أنها ستكلم والده حتى يخفف عنه العمل قليلاً، فيقول لها: (لا والله لا أدع بخفة الظهر ولكن أدعو بقوة الظهر) أي أنه لا يدعو الله ليخفف حمله ولكن يدعوه ليقوي ظهره، وعندما أتاه اخوه زيد بن الخطاب يسأله عما يفعله بهذه الصحراء قال: (الصحراء أصفى للذهن وأجلى للبصر وأقوى للنفس أتفكّر)، فيقول له: (فيما تتفكر؟)، فيقول سيدنا عمر: ( أتفكر في الحق والباطل في هذه الحياة)، أهذا معقول يا عمر؟! أتتفكر في الحق والباطل منذ صغر سنك؟ فيسأله زيد: (فماذا تفعل مع هذه الجمال؟) قال: (أعرفهم واحداً واحداً، أعرف بكل واحد منهم مزاجه وأخلاقه وماذا يجلبه وماذا يحفزه، فمن تعلم سياسة هؤلاء تعلم سياسة البشر) أي من يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء الجمال يعرف كيف يتعامل مع البشر، وكأن عمر يدرب نفسه، فيسأله زيد بن الخطاب: (فماذا تفعل في المساء في هذه الصحراء) قال: (أتعلم القراءة والكتابة، فأكتب بكلتا يدي) على فكرة كان عمر أيمن وأيسر، (وأحفظ الشعر ثم أكتبه كي لا أنساه) لهذا كان عمر فصيح اللسان.

تحركوا يا شباب لتستخرجوا الجوهرة التي بداخلكم.. إن الله عادل يا شباب فكل إنسان بداخله كنز وهو عبارة عن موهبة تجلب له الكثير في الدنيا من النقود وترفع قدره بين الناس، ولكن للأسف هناك من يموت ولم يعرف مكان الكنز بداخله، لقد كنت أعمل محاسباً حتى سن السابعة والعشرين مع كرهي للحسابات والأرقام، وكانت موهبتي في التعامل مع البشر ولم أكتشفها إلا لأنني كنت أتحرك منذ الثانوية أي منذ ان كان عمري 16 عاماَ، عمر عندما كان عمره ثمانية عشر عاماً كان معه خمسة أشياء، مهنتين أوحرفتين ومعه القراءة والكتابة وكل أشعار العرب ومصارع، ماذا ستفعل أنت الآن، ماذا ستحاول أن تجيد في الأيام القادمة أو الصيف القادم؟ إتعبوا على أنفسكم يا شباب ويا بنات لكي يفتح الله عليكم، ففي الحركة بركة.

كان هناك مكان يسمى دار الندوة وكان يشبه مجلس الشعب أو الشورى، وكان يتجمع فيه سادة قريش ليتم به الاتفاقيات، ويبرم به الصلح وتتم به عقود الشراكة وتوضع به سياسة قريش للفترة القادمة، وكان يجتمع بهذا المكان سادة قريش من أمثال الوليد من المغيرة والعاص والد عمرو بن العاص ووالد خالد بن الوليد وأبو جهل وأبو سفيان، فلا يحلم شاب أن يدخل ليجلس بالداخل أو يقترب حتى من هذا المكان، كان يبلغ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-الآن أربعة وعشرون عاماً، ويفكر والده الخطاب الذي كان يحضر هذه اللقاءات بقرار أن يمثل عمر بن الخطاب بني عدي في دار الندوة، ولكن لسيدنا عمر أخ أكبر هو زيد ولكن عمر ذو خبرة أكثر بسبب كثرة احتكاكه وحركته فيقرر الخطاب أن يحضر عمر ابن الأربعة وعشرون عامأ هذه الإجتماعات بدلاً من أبيه، هل عرفتم الآن لم كان عمر لا يخاف منهم أو يهاب بطشهم؟ ولم كان عمر شخصية قوية فيما بعد؟ فقوته جاءت من حركته واحتكاكه ثم جلوسه معهم فزال عنه الخوف والهيبة منهم، في حين كان خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل يجلسون يتحدثون بالخارج ويلعبون، ويفكرون أن عمر بن الخطاب هو من يجلس بالداخل ليتحدث في حين نجلس نحن بالخارج، وكان عمر بن الخطاب يحضر القرارات المهمة بدار الندوة، فأحس كبار المجلس بأهميته، ففكروا لماذا لا نبعث عمر ليكون سفيراً لنا أو وزيراً للخارجية مثال عندما يكون هناك نزاع بين القبائل فيحكم به عمر، وهكذا أصبح عمر سفيراً لقريش عندما كان عمره أربع وعشرون عاماً، أتريد أن تكون مثله ابني نفسك لتكون أثقل في الميزان أتريد أن يكون لك صفاتاً عمرية مثله تحرك وإبذل مجهوداً واقترب ممن لديهم الكفاءة.

أصبح عمر اليوم أثقل قيمة وسافر بعدة أماكن ولهذا كان عمر بن الخطاب يعرف حدود البلاد جيداً ويفهم جغرافية البلاد بشكل كبير، فقد سافر ليحكّم بين قريش والغساسنة على حدود الشام، وسافر لبني شيبان على حدود العراق، لهذا عندما توضع أمامه الخرائط وتتحرك الجيوش سيكون على دراية بأماكن كثيرة وطباع الشعوب بها لأنه قابل هذه الشعوب قبلاً وحكم بينهم فهو سفير قريش، هذا هو درس اليوم يا شباب فالحركة والاحتكاك الكثير تثقل الشخصية وتجعلها ناجحة.

بدأ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بالفعل يسافر ويخرج لأول مرة من جزيرة العرب وينطلق ليتعرف على حضارات أخرى سيحتك بها وينتصر عليها فيما بعد ويوجهها، عمر الآن عنده ثلاثة وعشرون عاماً وكان قد بدأ العمل بالتجارة، وكان قد خرج في قافلة كبيرة لتجار قريش وهو معهم إلى الشام، وأنا أصور ها هنا من قلب بلاد الشام من الأردن، وكان قائد القافلة أبو سفيان سيد قريش وكان عمره بأوائل الخمسينات والقافلة تزخم بتجار قريش أحدهم يبيع بخوراً والآخر يبيع عوداً والثالث عاجاً والآخر أبانوس، وبدأ عمر بن الخطاب مزيداً من الاحتكاك، وكان لدى عمر ذاكرة كبيرة وكأنه يحفظ جغرافية مكان سيعود إليه بعد سنين ليوجه الجيوش به ويفتحه، اليوم عمر بالشام بصفته تاجر بأقمشة الحرير، حتى وقتنا هذا ليست التجارة بأقمشة الحرير سهلة لأن تاجر الحرير لابد أن يكون دقيقاً وجيداً بهذا المجال، وقد حدث أن جاءه رجل روماني وطلب منه تجميع صنف بعينه يبحث عنه على أن يعطيه التاجر الروماني سعر معين بحيث يمتنع التجار بقريش عن بيع هذا الصنف لأي أحد آخر، أي يريد أن يحتكر هذا الصنف له، فرفض عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- فأخبره التاجر أن بذلك سيحصل على ربح سريع وسيغادر عائداً إلى بلاده بأسرع وقت، فيرد عليه عمر بن الخطاب فيقول: (لا أخون أصحابي ولا أخون أهل بلدك)، فقال له الرجل: ما علاقتك بأهل الشام؟ فقال عمر: (الظلم ظلم لاأرضاه لنفسي ولا أرضاه لغيري ليس له وطن ولا مكان) وهذا موقف يبين أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- لا يخون وأنه في عمر الثلاثة وعشرون عاماً كان يكره الظلم كل الظلم، إنني في الشام الآن أتنقل من مكان للآخر بحسب مسيرة عمر بن الخطاب أين يتحرك وأين ذهب في البداية راعي إبل، تعلم القراءة والكتابة والمصارعة واحتك بقريش ثم تحرك فقدم إلى الشام وتعلم وباع واشترى ويحتك بكبراء قريش، شخصية تزن أكثر فأكثر وبعد ثلاثون عاماً من الآن عندما أصبح عمره ثلاثة وخمسين سنة وبسبب الحركة والاحتكاك المستمر سيعود ثانية إلى الشام، ولكن في هذا الوقت كل الشام ستكون بإنتظاره، في هذا الوقت سيكون عمر بن الخطاب أمير المؤمنين قد أتى لاستلام مفاتيح المسجد الأقصى.

أنا أقف الآن عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هل اشتقت إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- هل تريد أن تراه؟ هل يا ترى سيفرح بك؟ هل سيحتضنك ويرفع يدك ويقول هذا من أمتي؟ هل يا ترى النبي –صلى الله عليه وسلم- راضٍ عنك؟ عندما كان الصحابة يرون أحد التابعين يعمل الكثير من الأشياء العظيمة لبناء الإسلام والحضارة كانوا يقولون لو رأى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هذا لفرح به، فهل يا ترى لو رآك النبي –صلى الله عليه وسلم- سيفرح بك؟ تحرك لكي يكون لك قيمة، يقول النبي –صلى الله عليه وسلم- (لقد رأيتني وضعت في كفة ووضعت الأمة في كفة فوزنت بالأمة ونجحت بالأمة، ثم وضع أبو بكر في كفة والأمة في كفة فرجح أبو بكر، ثم وضع عمر في كفة ووضعت الأمة في كفة فرجح عمر) فيا ترى كم ستزن أنت؟ قد يزن أحدهم ألفاً وآخر مئة وآخر عشرة وآخر لا يزن إلا نفسه وهناك أنصاف وأرباع وأصفار، فكم ييا ترى ستزن؟ هل سيفرح بك النبي –صلى الله عليه وسلم- عندما تأتي المدينة وهل سيشير إليك يوم القيامة ويقول أنه راضٍ عنك؟ تحرك حتى تثقل قيمتك بالدنيا وتقيم الحضارة ويفرح بك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كانت هذه أول صفة، غداً إن شاء الله سنرى عمر وهو يقاوم الإسلام حتى يستسلم له، سنرى عمر عندما وقف أمام النبي يمنعه من الدعوة ثم نراه وهو يقف أمام الرسول –صلى الله عليه وسلم- يقول (أشهد أنك رسول الله).

قام بتحريرها: قافلة التفريغ والإعداد بدار الترجمة

Daraltarjama.com©جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كأنت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخرى فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

للاستعلام:management*daraltarjama.com