الحقوق محفوظة لأصحابها

عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهلاً بكم، ونعيش مع حلقة جديدة من الجنة في بيوتنا، ولكن بدايةً نحن في شهر رمضان، شهر القرب والإقبال على الله، ومثل رمضان مثل من يقوم بإيداع مبالغ كبيرة في البنك فيصبح لديه رصيد كبير، ونحن نملأ رصيدنا عند الله عزّ وجل حسنات وعبادة وقرب من الله، وقيام، ودعاء، وعمل صالح، فرمضان يعطينا رصيد سنة كاملة. ولابد من الحرص على إعلاء هذا الرصيد الذي سيُسحب منه كثيراً بعد انتهاء هذا الشهر، فاعبدوا، واجتهدوا وأكثروا من الحسنات، هذه مقدمة كان لابد منها.

حلقة اليوم استكمال لحلقة الأمس: كيف توجه أبناءك، وكنا قد تحدثنا عن أنه لدينا مبدأ وقاعدة للتآلف الأسري في توجيه الأبناء، ومبدأ تربوي خطير وهام اسمه الاحترام والتقدير. قبل الدخول في حلقة اليوم لابد أن نلخص ما جاء في حلقة الأمس، ونعيش مع مزيد من مبدأ الاحترام والتقدير.

نريد أن نعيد مبدأ التواصل والاحترام بيننا وبين أبنائنا، وقد ذكرنا أن هناك طرقاً لا نوافق عليها ولابد من تغييرها: التهديد أو السخرية، أو الأوامر، أو المقارنة بالغير، كلها طرق كنا قد اعتدنا عليها منذ فترة طويلة ولكن لم تأت بأية نتيجة فلابد أن تتغير. فاقترحنا عليكم مبدأ فعله النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو مبدأ الاحترام والتقدير، وليس معناه التدليل و الرضوخ لطلباتهم من شراء سيارة مثلاً، أو أي أمر آخر، وإنما المقصود هو الإصغاء لآرائهم، وإشراكهم ومشاورتهم في أية مسألة والأخذ بآرائهم، مبدأ "أن لا أعرض أبنائي) للإهانة أمام الآخرين.

قديماً في المدارس، كان الأب إذا أخطأ ابنه جاء إلى المدرسة وقام بضربه أمام أصحابه وأستاذه، والأب فعل ذلك من باب أنه يربي ابنه، هذا أسلوب خاطئ جداً، وأنت إن أردت توبيخ ابنك أو ضربه فليكن ذلك بمفرده وبعيداً عن أي أحد، ولقد حذر علماء النفس من هذا التصرف ولو كان طفلاً في الخامسة من عمره أو أكثر. لابد أن نغرس فيهم شعور احترامهم وتقديرهم، والنتيجة لا بد أن تكون محبة الأبناء لآبائهم واستجابتهم لهم.

سنعرض نماذج للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يمارس هذا الاحترام والتقدير، وكيف كان ينفذه عند الأخطاء، وما هي طرق التوجيه التي كان يتخذها؟ لكن لابد أن نعلم أن هذه الطرق ربما ليست كلها تتناسب مع ابنك، وأنت أدرى الناس بما يناسبه، ويختلف تطبيقها بين شخص وآخر.

1- جرب بنفسك:

من طرق التوجيه عند النبي صلى الله عليه وسلم طريق: جرب بنفسك. فالشاب في مرحلة المراهقة يريد أن يجرب أو يستكشف كل شيء حوله، وبالطبع الأب لابد أن يتدخل هنا بحكم خبرته وأن ينصح ابنه. ومتى تستخدم طريق جرب بنفسك؟ عندما يكون الضرر محسوباً وتحت السيطرة، فلنرى كيف استخدم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطريقة:يحكي أحد الشباب: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في معركة الطائف، وبعد محاصرة الطائف واستمرار الحصار لمدة زادت عن خمسة عشر يوماً دون أن يدخلوها، وأهل الطائف كانوا يرمون المسلمين بالنبال- وكانت المسافة التي يبتعد بها المسلمون عن الحصن كبيرة، فكانت النبال لا تقتل ولكن تجرح فقط - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني مرتحل غداً" فقام الشباب بحماستهم المعهودة يقولون: كيف نتركهم يارسول الله؟ كيف نغادر؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اغدوا على القتال غداً". فذهبوا اليوم التالي إلى القتال، فأصابهم النبال فعادوا بجروح، فنظر إليهم النبي وقال: "إني مرتحل غداً" قالوا: نعم يا رسول الله! يقولون: فسمعنا صوت ضحك النبي صلى الله عليه وسلم.

أيضاً استخدم النبي طريقة "جرب بنفسك" بشكل آخر: بينما نمر مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بغلام يسلخ شاه، ولكنه يجد صعوبة في ذلك، فهممنا أن ندخل ونقول للفتى كيفية ذلك، فأشار إلينا النبي ألا نفعل، يقولون: فظل يحاول حتى ظهرت عليه الحيرة، فقال النبي: "يا غلام دعني أريك كيف تسلخ الشاه، فأدخل النبي يده بين الجلد واللحم ينظر للغلام ويقول: "هكذا تفعل". فالنبي صلى عليه وسلم ترك الفتى يجرب بنفسه ثم أراه كيف يقوم بسلخ الشاه.

2- عالج الخطأ بنفسك ثم وَجّه:

بينما نحن جلوس في المسجد دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فاتجه إلى القبلة فوجد نخامة في القبلة إفرازات الأنف)_ لا ننسى أن الإسلام كان يعالج أناساً لم يكن استيعاب الذوقيات شيئاً كبيراً في حياتهم_ فقام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكلمنا يبحث عن عود خشب، فأخذ عود الخشب وذهب إلى القبلة، وظل يزيل النخامة بعود الخشب ونحن ننظر، ثم أخذها ووضعها في التراب وواراها في التراب، ولم يكلمنا حتى وضعنا رؤوسنا في الأرض، ثم قال لنا: "أيكم يأتيني بعطر"، فقام غلام منا مسرعاً إلى أهله _ يريد أن يكفر عن خطئه_ فأتاه بعطر، فظل النبي صلى الله عليه وسلم يضع العطر على المكان في القبلة، ويضعها بيده حتى رضي عن المكان _ وإلى يومنا هذا تطيب المساجد، والحجر الأسود، والكعبة بالعطور منذ تلك الحادثة. ثم التفت إلينا وقال لنا: "أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟ فلم نتكلم، ولم نرد، فأعاد السؤال: "أيكم يحب أن يُعرض الله عنه؟"، فلم نرد، فأعاد السؤال. قلنا: لا أحد يا رسول الله، قال: "فإن أحدكم إذا أقبل على الصلاة فإن الله يقبل عليه بينه وبين القبلة، فإذا أقبل أحدكم على صلاته فلا يبصق في قبلته، فقلنا: والله لا نفعلها بعد الآن يا رسول الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم اتبع أسلوب الشدة، ولكن بطريقة جعلتهم ينصتون إليه ويلومون أنفسهم.لماذا نعتقد أن أبناءنا أغبياء؟ وأساليبنا معهم: النصح، الاستهزاء، اللوم، العتاب، التهديد، الأوامر، التحقير والمقارنة. لماذا لا نتعلم من أسلوب النبي في معالجة الخطأ!

3- التوجيه بالمشاركة:

لا بد من إيجاد منطقة مشتركة بينك وبين ابنك.

عن عمر بن شريد عن أبيه (الحديث في صحيح مسلم): كنت شاباً أحفظ من الشعر الكثير يلهيني أحياناً، فلقيني الرسول في الطريق، وعُرف عني ذلك، فقال لي: "أتحب أن تركب خلفي"، فركبت خلف النبي، فقال لي: "أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن الصلت" _ اختار النبي شعر أمية بن الصلت لأن شعره كان جيداً، قلت: نعم يا رسول الله. فقال: "أنشدني بيتاً" فأنشدته بيتاً، فقال: "هيه" وكررها النبي، حتى أنشدت له مائة بيت. فقال لي النبي: كاد أمية ابن أبي الصلت أن يكون مسلماً، ثم قرأ عليّ: "َالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ" (الشعراء:224) "أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ" (الشعراء:225) "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..." (الشعراء:227) يقول ففهمت أنه يقول لي:اسمع ولكن تخير.

4- التوجيه باستغلال الموهبة:

هناك شباب يعرف عنهم المشاكسة والرذالة، ولكن هل حاولنا أن نبحث عن مواهبهم؟ وهذه المشاكسة أو الرذالة جاءت نتيجة طاقة لم يحسن توجيهها، وهذا حال أغلب شبابنا، وهي من الأسباب التي تجعلهم يرتكبون أخطاءً كبيرة نتيجة عدم التوجيه الصحيح في استغلال مواهبهم بالطريقة الصحيحة.

أمرالنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة سيدنا بلال أن يؤذن بالمسلمين من فوق الكعبة، وكان هناك شاب يدعى أبو محذورة – اسمه الحقيقي سلمة بن معير – ويبلغ من العمر ستة عشر عاماً، يمتلك صوتاً عذباً، فبدأ يسخر من سيدنا بلال، ويقوم بإضحاك الناس عليه، حتى ارتفعت أصوات الضحك هذه ووصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن. فعلم النبي بأبي محذورة، فقال: "ائتوني به" يقول: فذُهب بي إليه، وأنا أعلم أنني مقتول. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بلغني أنك حسن الصوت" فنظرت، فقال لي: "هل أعلمك الآذان" فقلت: نعم، فأخذني والناس تنظر، يؤذن وأنا أقلد..

يقول :أردد خلفه فيبتسم في وجهي أكثر، وظل يمسح على قلبي وعلى ناصيتي، يقول: فامتلأ قلبي إيماناً ويقيناً أنه رسول الله، فلما انتهيت قال: "تعلمت الآذان ؟" قلت نعم، قال لي: "أنت مؤذن أهل مكة".

راوي هذه القصة أبو محذورة نفسه عندما أصبح في الأربعين من عمره، وكان مؤذن مكة منذ تلك الحادثة، يبكي ويقول: جعلني مؤذناً لأهل مكة وأنا كنت أستهزيء ببلال، وإلى اليوم أنا مؤذن أهل مكة بما فعله معي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لو اتبعنا أساليب النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن تحدث نهضة على يد شباب هذه الأمة.

5- التوجيه بالتحفيز والمدح:

شاب دخل المسجد، يقول: دخلت المسجد فأحدثت جلبة، والمصلون في ركوعهم، أراد أن يلحق الصلاة قبل أن تفوته، فأحدث جلبة في المسجد، وعند الانتهاء من الصلاة، قال له النبي: "زادك الله حرصاً ولا تُعِد".

التوجيه بالتحفيز بالمدح: هناك حديث للنبي صلى الله عليه وسلم "احثوا في وجه المداحين التراب" ونحن قد فهمنا هذا الحديث خطأ، المقصود هنا بالمداحين المنافقين، لكن أن تحفز ابنك، والنبي قام بتحفيز أصحابه "خير رجالتنا سلمة بن الأكوع"، "أمين هذه الأمة عبيدة بن الجراح"، "لو سلك عمر بن الخطاب طريقاً لسلك الشيطان طريقاً آخر".

التحفيز برفع بالروح المعنوية، عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يصلى قيام الليل، وحدث أن ترك ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحثه على قيام الليل، فيقول: "نعم العبد عبد الله بن عمر لو كان يقوم الليل"، فكان عبد الله بن عمر منذ ذلك اليوم لا يترك قيام الليل.

6- فتْح الحوار:

فتْح الموضوع للمناقشة: فالنبي صلى الله عليه وسلم تعلم هذا الأمر من جده سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما قال لابنه: "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى" (الصافات:102).

جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة، وقال: يا رسول الله، أريدك أن ترخص لي في الزنا، فهم الصحابة أن يفتكوا به، فقال النبي دعوه، فقال له: "أترضاه لأمك؟ قال لا، أترضاه لخالتك؟ قال: لا، أترضاه لعمتك؟ قال: لا، أترضاه لأختك؟ قال: لا. قال "كذلك الناس لا يرضون لأولادهم وخالاتهم وعماتهم وأمهاتهم مالا ترضاه أنت لأهلك".

هذه ست طرق من أصل خمس عشرة طريقة للنبي صلى الله عليه وسلم في توجيه الأبناء، يجمعها محور واحد: الاحترام والتقدير. فتكون النتيجة أن يعلو صوتي على أصوات الفساد والانحراف وأصحاب السوء،لأن صوتي سيعطيك النغمة التي تريد سماعها، أنت تريد أن تكون محترماً، ونحن قد ذكرنا أن الأب هو الصديق، واليوم نضيف علي ذلك أن الاحترام والتقدير مبدءان لا غنى عنهما للآباء في التعامل مع أولادهم. إذا أردنا أن نملك قلوب أبنائنا، وأن نجنبهم الوقوع في الخطأ، لابد أن نركز على حلقة الأب الصديق، وهي من أهم الحلقات، ونضيف عليها ما نحن بصدده اليوم توجيههم بالاحترام والتقدير.

فيا آباء وأمهات لنتوب، ونعقد النية على التوبة، وأن نوجه أبناءنا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون هذا على خطى الحبيب في الجانب الاجتماعي، كذلك دعوة لبناتنا وشبابنا: ساعدوا أباءكم وأمهاتكم على احترامكم وتقديركم، وبصداقتك لوالدك ستبدأ صفحة جديدة، وتجعلون أباءكم وأمهاتكم يحترمونكم عندما تبادرون باتخاذ هذه الخطوة، وهي التقرب منهم، صاحب والدك يحترمك. فدعوتي للأب: احترم ابنك، وللشباب: صاحب والدك.. تقرب منه، افتح له قلبك، شاوره، خذ برأيه، حتى يعلم أن خبرته لم تذهب سدى، فسيحترمك، وسيغير من أسلوبه معك، وبفطرته ستكون كبيراً في عينيه.

المصدر: http://www.amrkhaled.net/articles/articles2733.html