الحقوق محفوظة لأصحابها

عائض القرني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته .

معنا تابع بل من سادات التابعين سعيد ابن المسيب رضي الله عنه وأرضاه عالم المدينة , وسيد التابعين .

وهو الذي أخذ أكثر العلم من أبي هريرة روايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وحتى قال أهل العلم أنه تزوج ابنت أبي هريرة فكان حافظاً رضي الله عنه , وكان عابداً , وكان زاهداً , وكان طوالاً بالخير , طوالاً بالحق .

سعيد ابن المسيب كان يمكث بالمسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفجر إلى صلاة الظهر مستقبلاً القبلة عليه ثياب بيضاء يقول بعض الناس كأنه ملك جالس يسبّح , ويذكر الله , ويتفكر .

حتى أنه رأى مرة بعد صلاة الظهر شباب يصلون ويقومون ويسلمون , ويصلون ويسلمون , قال له رجل : يا أبا محمد يعني سعيد ان المسيب , انظر العبادة .

قال : العبادة ليست هكذا , العبادة هي التفكر في أمر الله والكف عن محارم الله .

يقول ليست يعني أفضل من غيرها , لأن الصلاة طبعاً كلما صليت وسجدت لله رفعك الله بها درجة , لكن أفضل منها التدبر , تدبر الشريعة , تدبر الكتاب والسنة , التفكر في آيات الله عز وجل .

والانكفاف عن المحارم يعني ترك المحرمات .

هاذ فقه سعيد .

سعيد ابن المسيب يقول لأبنته وهو في سكرات الموت وهي تبكي عليه : ابكي أو لا تبكي والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة .

ستين سنة يقول ما يؤذن المؤذن , ما أذن من ستين سنة خمس صلوات إلا وسعيد ان المسيب في المسجد .

حتى ذهبت إحدى عينيه من كثر البكاء من خشية الله , قالوا أصحابه : لو خرجت إلى العقيق , العقيق هو وادي قريب إلى المدينة فيه خضرة وماء حتى يعود لك بصرك .

قال : كيف أخرج إلى العقيق وأترك تكبيرة الإحرام وهي خيرٌ من الدنيا وما فيها , وأترك صلاة واحدة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بألف صلاة ! .

يعني حمامة المسجد يؤذن المؤذن وهو في المسجد , ينتظر الصلاة , يتأخر بعد الصلاة , يجلس من الفجر إلى صلاة الظهر , مرةً يتنفل , مرةً يعتكف , مرةً يقرأ , مرةً يبكي , مرةً يعلم الناس , مرةً يدعو , مرةً يسبّح .

سعيد ابن المسيب آية , علامة فارقة في تاريخ الإسلام في الجانب العلمي , حتى عدوه من سادات التابعين الثلاثة وهم : الحسن البصري , وسعيد ابن المسيب , و أويس القرني .

سعيد ابن المسيب كان في شمم قوالاً بالحق , قوال بالمعروف , ويقول الكلمة الفاصلة في المسائل .

حتى أنه مرة عندها ابنة , ابنته فاضلة عابدة قيل أن اسمها فاطمة , حافظة لكتاب الله , من أجمل النساء على الإطلاق .

سمع بها الوليد ابن عبد الملك الخليفة الأموي فأرسل إلى سعيد ابن المسيب يخطبها لابنه , وهو خليفة المسلمين يحكم اثنان وعشرين دولة .

فسعيد ان المسيب قال لما أتته الرسالة , قال : سبحان الله ما حال ابنتي إذا ذهب بها بين الجواري , وبين العيدان , وبين الدنان , وفي القصور .

يعني سوف يذهب العلم ,هي حافظة لكتاب الله , حافظة للحديث , وفي بيت فقير لكنه عالم للمسلمين , وفي صلاح , وفي قيام ليل , وتصوم .

يقول في هذا الحين أزوجها ابن ولي عهد المسلمين , هو عهد المسلمين ابن خليفة المسلمين ! .

فرفض واعتذر من ذلك .

بعض الروايات تقول أن عبد الملك يريدها لولده الوليد , هذا فيما قالوا يريدها للوليد ولي العهد .

فكتب واعتذر , فلما اعتذر غضبوا عليه واحتالوا وطلبوه في فتوى , ثم جلدوه في الشمس رضي الله عنه وأرضاه , هذا من الابتلاء رفعه الله سبحانه وتعالى .

حتى أنه في أثناء ما كان يجلد كان يسأله قتادة ابن دعامس السدوسي عند الحديث والسياط تقع على سعيد ابن المسيب فكان يفتيه بالأحاديث .

فقالوا لقتادة : كيف تسأله وهو يجلد .

قال : خفت أن يقتل ويذهب علمٌ كثير , فأنا كنت أسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقتل , وكان يفتيه في هذه الساعة , وفي الشمس وهو يجلد بالخيزران .

ومع ذلك يسأله قتادة العالم الثاني تلميذه وسعيد ان المسيب يفتيه , ويعلمه الأحاديث , وهو في حرارة الشمس والعصا تقع على ظهره رضي الله عنه وأرضاه , وهو مظلومٌ , مجلود في سبيل الله وفي التضحية لرفع لا اله إلا الله .

وهذه الفتاة فاطمة بعد أن اعتذر من ولي العهد أتى رجل فقير في المسجد يدرس عند سعيد ابن المسيب كان صالحاً , قائماً , قانتاً , عابداً .

قال سعيد ابن المسيب : أليس عندك أهل ؟ .

قال : لا ليس عندي كيف لا أستطيع ليس عندي مهر ولا شيء .

قال : ولا تستطيع أن تجمع شيء ؟ .

قال : لا .

قال : اذهب وابحث عن شيء .

فأتى بدرهمين , قال : والله ما عندي إلا هذين الدرهمين .

قال : فأزوجك ابنتي فاطمة بدرهمين , درهمين .

قال : جزاك الله خيراً .

فعقد العقد وأخذ الدرهمين وذهب بزوجته هذا طالب العلم قال فوجدتها من أفقه , وأعلم , وأجمل الناس على الإطلاق .

هذا سعيد ابن المسيب رضي الله عنه يضرب بسيرته أجمل , وأحسن , وأرقى العبر .

حتى انه كان ملازم للسنة , وكان يعني يكره المخالفة وينكر .

جاءه رجل قبل صلاة الفجر عامي بعد أن أذن الفجر صلى ركعتين , ثم ركعتين , السنة ركعتين ثم تنتظر الصلاة فصلى هذا العامي ركعتين وركعتين .

قال سعيد ابن المسيب : لا تزد على الركعتين , السنة قبل الفجر ركعتين .

قال العالمي : والله لا يعذبني الله لأنني أصلي , انظر إلى الجهل والمعارضة للسنة .

قال سعيد ابن المسيب : أعرف أن الله لا يعذبك لأنك تصلي , لكن يعذبك الله لأنك خالفت السنة .

السنة هي التي رفعت سعيد ان المسيب وأمثاله إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

جمعنا الله بهم في الفردوس الأعلى , و إلى اللقاء .

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته .

http://www.alresalah.net/#textsdetail.jsp?pid=324&sec_id=4397