الحقوق محفوظة لأصحابها

عائض القرني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه .

سلام الله عليكم ,ورحمته ,وبركاته .

في ليلة الخندق ,ليلة الأحزاب ,يوم تجمع الأعداء من الكفار ,والمنافقين ,واليهود ضد الرسول عليه الصلاة والسلام ,وطوقوا المدينة .

حفر صلى الله عليه وسلم خندق حول المدينة,ومرت ليلة مظلمة ,شاتيه ,مخيفة ,على الرسول صلى الله عليه وسلم ,وعلى أصحابه من المهاجرين ,والأنصار .

لأن تلك الليلة أرسل الله ريحا شديدة اقتلعت خيام المنافقين ,والكفار , وأعداء الملة ,الأحزاب .

وبينما في الجهة الثانية في الخندق من جهة المدينة ,كانت رياح باردة لم تكن شديدة .

والرسول صلى الله عليه وسلم أراد في هذه الليلة المظلمة ,أن يستطلع خبر القوم ,خبر الأعداء ,خبر الأحزاب .

وكل الناس ,يعني أكثر الصحابة جائع ,وخائف ,والليل ظلام دامس ,وقبلهم الموت يترصد لهم في كل مكان .

فقال صلى الله عليه وسلم :من يأتيني بخبر القوم ( يعني خبر الكفار ,الأحزاب يقول لأصحابه من منكم مستعد يذهب في هذه الليلة المظلمة المخيفة ,المرعبة يأتي بخبر القوم ,يعطينا خبر منهم ) .

فسكت الناس ,الأمر صعب ,والأمر خطير .

فقال : من يؤتين بخبر القوم .

فسكتوا .

فقال :من يؤتين بخبر القوم ,وله الجنة .

فقام حذيفة , (يقول الشرط من يذهب وله الجنة عند الله عز وجل ) .

فقام حذيفة أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادقين .

قال :يارسول الله ,لي الجنة إذا ذهبت .

قال :لك الجنة .

الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعد الناس بشيكات ,ولا بإمارة ,ولا بمنصب ,ولا قصور ,وفلل , عنده رسالة أعظم ,الجنة أعظم من كل ما يمر بك ,أو يدور في خيالك ,مساكين الذين يظنون أن الاستقرار في القصور ,وفي الأسهم ,وفي الجاه ,وفي المنصب ,,وفي الوظيفة ,مساكين هؤلاء ,هؤلاء أغبياء بالنسبة للنعيم العظيم الذي ينتظر المؤمنين عند الله عز وجل .

ولذلك تقول آسية امراءة فرعون : رب ابني لي عندك بيت في الجنة ,ونجيني من فرعون ,وعمله ,ونجني من قومي الظالمين .

ذهب حذيفة ,قال كنت أمشي مرة ,وأحبو مرة ,وأقع مرة في ظلام ,لا نور ,لا كهرباء ,لا شموع ,لا نجوم ,لا قمر يضيء .

حتى قفز من الخندق في جهة الأعداء,الآن دخل بين جيش الكفار في الظلام ,الآن دخل بين الموت ,والمعركة ,دخل بين الهول ,والكرب .

قال فجلست بينهم وإذا بأبي سفيان قائد المعركة طبعا,قائد الأحزاب ,وحوله نار موقدة ,وإذا هو يقول لا أمن أئيها الناس أن محمد يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل عينا (يعني يرسل جاسوسا ) في هذه الليلة ليأتيه بالخبر .

فكل واحد منهم يتفقد جاره .

قال حذيفة :فأنا بدأت بمن بجانبي حتى لا يبدأ هو بي .

قلت :من أنت .

قال :أنا فلان .

قلت :أسكت .

قلت للثاني :من أنت .

قال :أنا فلان .

قلت :أسكت .

حتى لا يبدأو هم ,ويسألونه .

فسكت القوم ,فإذا بالريح يرسلها الله عز وجل .

كما قال عز وجل: { رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } .

وإذا بالريح تقتلع الخيام ,تأتي بالقدور تطفئها ,يعني تسقط القدور من على النار ,وتهب بالحصباء ,وبالتراب ,وتضعه في أفواه ,وعيون المشركين .

فنادى المشركين الرحيل الرحيل ,يقولون لا بقاء لنا ,لا نستطيع أن نصبر أبدا ,

الله أرسل عليهم الريح زلزلهم سبحانه ,وقذف في قلوبهم الرعب .

فأرتحلوا,وعاد حذيفة بالخبر ,وعاد بالبشرة ,وأتى يحبو مرة ,ويقع مرة ,ويمشي مرة ,في الظلام رضي الله عنه ,لكن يريد الجنة ,يريد تلك الغنيمة الباردة .

فوصل الى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال فأتيت إليه صلى الله عليه وسلم وإذا هو يصلي ,يـــالله .

في شدة الجوع ,والخوف ,والكرب ,والحرب ,استقبل صلى الله عليه وسلم الصلاة ,وهو ينتفض من البرد ,وعليه صلى الله عليه وسلم غطاء ,وشملة ,فدخل حذيفة في طرف الشملة ,فلما صلى صلى الله عليه وسلم ,وانتهى .

,قال : ياحذيفة كذا .

قال : فأخبرته بالخبر ,وبشرته بالبشرة ,وأن الأحزاب قد انقلعوا ,وقد انقلبوا خائبين ,خاسرين ,فاشلين , مهزومين .

فاستبشر صلى الله عليه وسلم ,ودعا لحذيفة ,بالجنات ,بجنات النعيم .

وفي هذا كمال شفقته صلى الله عليه وسلم مع الأمة ,فانه استجر الخبر ليكون الناس على بينة ,وحسن القيادة منه صلى الله عليه وسلم ,حيث أرسل هذا العين في هذا الظلام ,حتى يدري ,ويعلم صلى الله عليه وسلم ماذا يدور في الخفاء .

وحسن استجابة الصحابة له صلى الله عليه وسلم ,وهمهم العالية ,في أنهم ما طلبوا إلا المنازل الرفيعة في جنات النعيم ,مثل جنة الفردوس ,يوم وعدهم بها عليه الصلاة والسلام ,ولم يطلبوا شيئا من حطام الدنيا .

ومنها تمام الشجاعة عندهم ,فانظر لحذيفة كيف استبسل في تلك الليلة ,وفي هذا الجوع ,والليلة الباردة ,والظلام الدامس ,واقتحم الخندق ,وخاطر بنفسه ,ودخل بين الكفار حتى أتى بخبرهم ,وعاد وهو ثابت الجأش ,قوي الإرادة ,وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ,ونال مطلوبة .

ومنها تمام عبوديته صلى الله عليه وسلم لربه ,فانه في هذا الكرب الشديد ,الذي تخار فيه القوة ,ومع الجوع ,ومع شدة البرد ,قام يتنفل ,ويصلي في الليل ,وهو أعبد العابدين لربه ,وأقرب الناس من الله جل في علاه .

فواجب على المسلم في وقت الكرب أن يكثر من الصلاة ,ويكثر من الذكر ,وإذا نزل به هم ,أو غم فزع إلى الصلاة ,والى الأذكار ,والى الأدعية ,وفوض أمره إلى الله , وتزود بالنوافل ,وحاول أن يكون قريب من ربه سبحانه ,وتعالى .

فانه كما في الحديث القدسي "ما تقرب الي عبدي بأحب مما أفترضت عليه ,ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ,فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ,وبصره الذي يبصر به " .

وفقنا الله ,وإياكم إلى مايحب ,ويرضى ,والى اللقاء .

http://www.alresalah.net/#textsdetail.jsp?pid=324&sec_id=4112