الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد راتب النابلسي
التفسير المطول - سورة الأعراف 007 - الدرس(22-60): تفسير الآية 54 ، تبارك الله أحسن الخالقين

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-07-27

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس سورة الأعراف ، ومع الآية الرابعة والخمسين ، وهي قوله تعالى :

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ

1 – لا خلاف بين ا لناس في ربوبيةِ الله :

أيها الإخوة الكرام ، في عالم الإيمان هناك ربوبية ، أي أن الله خلق وأمد ، خلقنا وأمدنا بكل ما نحتاج ، هذا مفهوم الألوهية ، ولكن حينما يكلفنا أن نعبده هذا مقام الألوهية مقام الربوبية شيء ، ومقام الألوهية شيء آخر ، لا أحد في الأرض ينكر مقام الربوبية ، والدليل :

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾

( سورة لقمان الآية : 25 )

كافر ، مؤمن ، وثني ، عبّاد الأوثان ، يقرّون أن الله خلق السماوات والأرض ، وهم يعترفون بأنهم ما يعبدون الأصنام إلا ليقربوهم إلى الله زلفى ، فحول مقام الربوبية لا خلاف ، لأن أصل مقام الربوبية ، العطاء ، فهو خلقني ، ومنحنا نعمة الإيجاد ، ومنحنا نعمة الإيجاد ، ومنحنا نعمة الإمداد ، هذا أصل مقام الربوبية ، فلا أحد في الأرض إلا ويعترف أن له رباً خلقه ، وأمده ، لكن حينما أمره ألا يكذب ، ألا يسرق ، ألا يقتل ، هنا الخلاف ، مقام الإلوهية يقتضي افعل ولا تفعل ، يقتضي الطاعة ، والإنسان يميل إلى أن يعيش من دون قيد أو شرط :

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً﴾

( سورة الرعد الآية : 43 )

إنكار الرسالة ، إنكار المنهج ، إنكار الأمر ، إنكار النهي هو موضوع الخلاف ، مقام الربوبية لا خلاف فيه بين كل البشر ، لكن مقام الإلوهية ، مقام الأمر ، والنهي والرسالات ، والحرام ، والحلال ، والوعد ، والوعيد ، هنا المشكلة .

أيها الإخوة ، من البديهيات أن أحداً في الكون لم يدعِ أنه خلق السماوات والأرض ، لكن مناهج الأرض تتناقض مع مناهج السماء .

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

( سورة المؤمنون )

إنسان يعبد شمساً ، أو قمراً ، أو حجراً ، أو مدراً ، أو بقراً ، أو موجاً ، فالعبادات لأنه التدين حاجة فطرية ، السبب ، أن الإنسان خلق ضعيفاً يحتاج إلى حجة قوية يحتمي بها تدعمه ، يلجا إليها ، يستعين بها ، تطمئنه ، حتى الذين اتبعوا الديانات الأرضية الوثنية هم يلبّون حاجة عندهم فطرية ، وهي الحاجة إلى قوي .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء )

خلق ضعيفاً ، إذاً : هو بحاجة إلى قوي ، لذلك لم يدّعِ أحد أنه خلق السماوات والأرض ، ولكن أعداداً لا تحصى ادّعت أنها مشرعة ، والإنسان إذا شرع أولاً فإنّ عِلْمه قاصر ، فإن كان موضوعياً تجلب نفسه لذاتها الخير ، وتبعد عنها المحاسبة ، فالإنسان ليس مشرعًا .

فلذلك أيها الإخوة ، كأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾

نفسه للتقريب :

تقول الأم لابنها : يا بني ، لا تتأخر عن الساعة التاسعة ، فإنّ أباك يغضب أشد الغضب إذا تأخرت ، أليس ينفق عليك ؟ أليس يؤويك ؟ أليس يكرمك ؟.

2 – العلاقة بين الربوبية والألوهية :

هنا ربط بين مقام الربوبية ومقام الألوهية ، ينبغي أن تطيع الذي خلقك ، الذي منحك نعمة الإيجاد ، الذي منحك نعمة الإمداد ، الذي منحك نعمة الهدى والرشاد ، ينبغي أن تطيعه .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

( سورة البقرة الآية : 21 )

عندنا مقام الربوبية لا خلاف فيه ، مقام الإلوهية هنا الخلاف متعلق بالضبط والتكليف ، وافعل ولا تفعل ، والأمر ، والنهي ، والحلال ، والحرام ، والوعد ، والوعيد .

الآن الآية الكريمة في البقرة :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

يعني ينبغي أن تطيع الذي منحك نعمة الإيجاد ، فلذلك قبول التكاليف يتناسب مع فضل الله عليك ، من هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تطيعها ؟ إنها الجهة التي منحتك الوجود ، منحتك السمع والبصر ، منحتك الشعور ، منحتك العقل ، منحتك الزوجة والأولاد ، منحتك مباهج الدنيا .

قبل هذه الآيات فصل الله كثيراً في خلق الإنسان ، الآن يفصل الله في خلق السماوات والأرض ، الظرف الذي يوجد فيه الإنسان ، تصور إنسانا تزوج ، اشترى بيتا ، وأثّث البيت ، وهيأ كل ما يحتاج فيه ، فهذا البيت بغرفة ، بغرفة النوم ، بغرفة الاستقبال ، بغرفة الجلوس ، بمرافقه ، هذا ظرف وجود الزوجين .

فالله عز وجل في آيات سابقة فسر في خلق الإنسان ، والآن يفصّل في خلق الأكوان .

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

لذلك :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾

1 – معنى السماء :

السماء ؛ كل ما علاك فهو سماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، لكن الذي يلفت النظر أن الله ذكر السماء بالجمع ، والأرض مفردا ، لكن في آية يقول :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾

( سورة الطلاق الآية : 12 )

وجمع أرض أراضين ، ولكن كلمة أراضين ثقيلة على اللسان ، فجاءت السماوات جمعاً ، وجاءت الأرض فرداً ، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك سماوات لا تعد ولا تحصى ، لأن كلمة سبع سماوات السبع في اللغة لا تعني الكم تعني التكثير ، والأراضين لا الكم تعني التكثير .

2 – سقوط نظرية التطور لداروين :

الآن الإنسان لرعونته ، وجهله تصور بداية العالم ، فقال أناس : الكائنات الحية بدأت بمخلوق وحيد الخلية ، هذا المخلوق تطور ، وتطور ، وتطور ، من البر إلى البحر ، ثم إلى البر ، ثم أصبح قرداً ، ثم أصبح إنساناً ، هذه نظرية داروين ، وكل جهة تتصور بداية العالم ، لكن الله عز وجل ينفي كل هذه التصورات فقال :

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة الكهف الآية : 51 )

للتقريب : اشترى أحدهم محلا بأحد أسواق دمشق ، بعدما اشتراه بعشرين سنة تزوج ، وأنجب ولدا ، وكبر الولد ، وجالس الابن مع أبيه في سهرة ، قال : أنا اشتريت محلا في زماني فرضاً بخمسة آلاف ليرة ، قال له ابنه : غلط يا أبي ، أنت أخذته بعشرة ، نظر إليه وقال له : أنت كنت معي وقتها ؟ أنت كنت ؟

﴿ مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الكهف الآية : 51 )

هذا التنطع ، هذه الرعونة في الفهم .

كتعليق : لا تفاجؤون به أنني أيقنت أخيراً بنظرية داروين ، لكنها معكوسة ، كان إنسان فأصبح قرداً ، يعني مسخ الإنسان قرداً مسخ قرداً وخنزيراً ، القرد يعبد شهوة البطن ، والخنزير يعبد شهوة الفرج ، إذا شهوة البطن استغرقت الإنسان فهو قرد ، وإذا شهوة الفرج استغرقت الإنسان فهو خنزير .

لذلك حينما ورد في بعض الآيات أن هؤلاء مسخوا قردة وخنازير أنا أتصور أنهم بقوا على شكل البشر ، لكن عبدوا شهواتهم من دون الله ، يؤكد هذا المعنى قول النبي الكريم :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ))

[ رواه البخاري وابن ماجه]

تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرج .

خلقُ البشرية بدأ بآدم عليه السلام :

أيها الإخوة ، إذاً : يجب أن تلقى عن الله شرح بداية الخلق ، من سيدنا آدم بدأت البشرية بنبي عظيم .

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ ، وَلَا فَخْرَ ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي ... ))

[ أخرجه الترمذي]

البشرية بدأت بنبي كريم ، وأم كريمة ، آدم وحواء .

صدقوا أيها الإخوة ، أن نظرية داروين ساقطة كلياً ، ليس عند المسلمين ، بل عند أنصار هذه النظرية ، لأن داروين نفسه تنبأ أنها غير صحيحة ، قال : إن لم يثبت العلم غير ذلك فإنها باطلة ، والعلم نقض كل ما جاء به داروين ، أما العجب العجيب فهو تمسك العالم كله بهذه النظرية ، لا لأنها صحيحة ، لكن لأنها مريحة ، ما مِ، إله ، ولا مسؤولية ، ولا وعد ، ولا في وعيد .

أقص عليكم هذه القصة : يريد إنسان أن يشتري مركبة ، ولم يشترِ ، وإنسان يريد أن يشتري فاشترى ، نحن أمام اثنين ، واحد اشترى ، والثاني لم يشترِ ، سَرَت إشاعة أن هناك تخفيضًا في الرسوم 50 % الذي لم يشترِ يصدق هذه الإشاعة من دون دليل ، من دون تحقيق من دون بحث ، ومن دون درس ، لأن هذه الإشاعة مريحة له ، والذي اشترى ، وتورط يكذب هذه الإشاعة ، من دون بحث ، ومن دون دليل ، ومن دون درس ، لأن تكذيبها مريح له .

فالإنسان أحياناً بعقله الباطن يعتقد بأشياء غير صحيحة ، لأنها مريحة ، ويرفض أشياء صحيحة لأنها متعبة ، ومكلفة ، وسوف يحاسب عليها .

لذلك يجب أن نأخذ عن الله بداية الخلق .

﴿ مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾

إذاً أيها الإخوة ، طرأ على هذا الكون بقواه ونواميسه ، الكون أولاً ، والإنسان ثانياً ، الله خلق الأرض ، وهيأها لخليفته في الأرض .

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

( سورة البقرة الآية : 30 )

معنى : خَلَقَ

ما معنى خلق ؟ خلق ؛ يعني خلق مخلوقاً كان معدوماً .

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

( سورة الإنسان )

خلق مخلوقاً كان معدوماً ، وبرأه على غير مثال سابق ، هذا هو الخلق ، فإذا قلنا : الله خالق السماوات والأرض ، أي كان الله ولم يكن معه شيء ، خلق السماوات والأرض بعد أن كان الكون معدوماً وبرأه ، وصوره على غير مثال سابق ، أما الإنسان فقد سمح الله لذاته العلية ، وهو الخالق أن يوازن ذاته العلية مع صفة للمخلوق أن يتصف بها ، قال :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾

( سورة المؤمنين )

تسمية الإنسان خالقا مجازاً :

الذي يصنع هذا الكأس من رمل له وسائل ، له معامل ، الله عز وجل سمح للإنسان إذا صنع شيئاً لم يكن من قبل ، أن يسميه خالقاً ، وسمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته ، فقال :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

الكُلية بحجم البيضة ، فيها طريق طوله 100 كم ، يمر الدم به في اليوم خمس مرات بلا صوت ، بلا نفقة ، بلا إزعاج ، بلا تعطيل ، أما الكُلية التي صنعها الإنسان بحجم نصف الطاولة ، يجب أن تستلقي على السرير ستة ساعات في الأسبوع ثلاث مرات ، حتى تصفي هذه الكلية الصناعية دم الإنسان ، شتان بين كلية طبيعية ، فيها عشر احتياطات لحاجة الإنسان وبين كلية صناعية ، شتان بين العين ، الذي فيها بالميل متر مربع مئة مليون مستقبل ضوئي بينما في أعلى آلة تصوير احترافية رقمية في عشرة آلاف ، الله سمح لنا أن نوازن بين صنعته وصنعة البشر ، حينما قال :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

أيها الإخوة ، وردة طبيعية ، ووردة صناعية ، المسافة كبيرة جداً ، لا يوازن بينهما ، وردة طبيعية ، ووردة صناعية ، امرأة في أحسن تقويم ، وإنسان امرأة في محل لبيع الألبسة ، هل توازن هذه بتلك ؟ هذه كائن مخلوق ، له فكر ، له إحساس ، له مشاعر ، في حياة ، في إشراق ، وتلك جماد ، حينما قال الله عز وجل :

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

أي سمح لذاته العلية أن يطلق على صنعة الإنسان أنه خالق .

الفرق بين خلق الله ونسبة الخلق للعبد :

لكن الفرق بينهما : أن الله جل جلاله خلق شيئاً كان معدوماً ، خلق كل شيء من لا شيء ، وعلى غير مثال سابق ، الإنسان خلق شيئاً من كل شيء ، وعلى مثال سابق ، هذا الفرق ، الله عز وجل خلق كل شيء من لا شيء ، وعلى غير مثال سابق ، بينما الإنسان إذا سميناه مجازاً خالق صنع شيئاً من كل شيء ، وعلى مثال سابق ، فالغواصة تقليد للسمكة ، والطائرة تقليد للطير ، والذي اخترع العجلة تقليد لشجرة تنحدر في واد ، ما من شيء اخترعه الإنسان إلا وهو على مثال سابق ، حتى لو تخيل الإنسان مخلوقات بالمريخ تصور كالإنسان ، مع تعديلات طفيفة ، ما في عند الإنسان شيء إلا يبني عليه من شيء آخر .

إذاً : الله عز وجل يخلق كل شيء من لا شيء ، وعلى غير مثال سابق ، والإنسان يصنع شيئاً من كل شيء ، ووفق مثال سابق .

حينما صنع الإنسان هذا الكأس ما كان بإمكانه أن يصنع كأسا ذكرا وكأسا أنثى ، وبعد فترة يأتينا مليون كأس من هذين الكأسين ، الكأس كما هو يبقى مئة سنة كما هو ، أما الله عز وجل فجعل الذكر والأنثى .

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾

( سورة الذاريات الآية : 49 )

تصور أنه الله عز وجل خلق كميات كبيرة جداً من الفواكه ، والثمار ، والمحاصيل ، والبشر أكلوها وانتهوا ، وماتوا ، من صمم نظام البذور ؟ تأكل تينة كم بذرة فيها ؟ فيها ملايين ، وكل بذرة شجرة ، تأكل خيارة ، كم بذرة ؟ فيها كل بذرة شجرة ، نظام البذور نظام التلقيح ، نظام الزوجية ، دقق ، الفرق بين إنسان صنع كأسا ، والله عز وجل خلق إنسان ذكرا ، وخلقه أنثى ، وأودع في قلب الرجل حب المرأة ، وأودع في قلب المرأة حب الرجل ، وصار بينهما زواج وإنجاب .

فلذلك لو ذهبت تفكر في صنعة الله الواحد الديان ، وبين صنعة الإنسان تجد فروقاً تفوق حد الخيال .

أيها الإخوة ،

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾

السماء كل ما علاك فهو سماء .

أحياناً ينظر الإنسان إلى الكرة الأرضية ، يجد أستراليا هنا ، فإذا سافرت إلى أستراليا ، ترى السماء تحت ؟ انظر إلى الكرة الأرضية مجسمة تجد أستراليا هنا ، الاتجاه نحو الأسفل ، أنا سافرت لأستراليا السماء نحو الأعلى ، ما هي السماء ؟ العلماء قالوا : كل ما علاك فهو سماء ، السماء الجهة المناقضة لمركز الأرض ، وكل ما كان مركز باتجاه الأرض فهو أرض ، الأرض ما كان باتجاه مركز الأرض ، والسماء ما كان مناقضاً لمركز الأرض .

أيها الإخوة ، قال بعض العلماء : في كل مجرة مليون مجموعة شمسية ، المجموعة الشمسية التي نحن فيها قطرها الأطول الأكبر 13 ساعة ، بين الأرض والشمس 8 دقائق ، بين الأرض والقمر ثانية واحدة ، ونجوم بُعدها عنا مليار سنة ضوئية ، المجموعة الشمسية كلها 13 ساعة ، عرضها ثلاث ساعات ، الأرض والقمر ثانية ضوئية الأرض ، والشمس 8 دقائق ، أما المجموعة الشمسية فكلها على درب التبانة نقطة ، فكل مجرة فيها مليون مجموعة شمسية ، وبكل مجموعة شمسية فيها أرض ، كوكب منطفئ ، يتلقى نوره من كوكب ملتهب .

لو أن العلوم في المستقبل كشفت أن هناك كائنات حية على كواكب أخرى شيء طبيعي جداً ، لأن الله سبحانه وتعالى قال :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

( سورة الشورى الآية : 29 )

إذاً كل ما علاك فهو سماء ، وكل ما أقَلّك فهو أرض .

فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

هل تصدقون أيها الإخوة أن كلمة يوم وردت في القرآن الكريم 365 مرة ، بعدد أيام العام ، وهذا من الإحكام الحسابي ، وعندنا آية في القرآن الكريم تفصيلية لخلق السماوات والأرض ، وعندنا سبع آيات إجمالية ، الآيات التي وردت فيها أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثماني آيات ، لكن واحدة من هذه الآيات فيها تفصيل :

﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

( سور فصلت )

بحسب الآية 8 أيام ، يومين بأربعة ، بيومين ، لكن في بحث طويل أن هناك يومين مشتركين ، بين خلق السماوات وخلق الأرض ، فهذا التفصيل ينتهي إلى ستة أيام أيضاً .

لذلك أيها الإخوة ، خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ، وخلق السماوات في يومين ، وفي الأخير خلق السماوات والأرض في يومين ، فاليومان مشتركان في الآيتين ، إذاً : أربعة باثنين ستة .

هناك تعليقات وخواطر إيمانية : أن اليوم هو الدور ، لأن الشمس خلقت بعد خلق السماوات والأرض ، الشمس في دورة الأرض حول الشمس يتحدد الليل والنهار ، والفصول الأربعة ، في دورة الأرض حول نفسها ليل ونهار ، وفي دورتها حول الشمس الفصول الأربعة ، كأن الفصول أحد أسباب أقوات الأرض ، تبدل الفصول من شتاء ماطر ، إلى ربيع مزهر ، إلى صيف تنضج به المحاصيل ، إلى خريف تسقط به الأوراق ، وكأن اليومين الليل والنهار ، وعندنا اليوم هو الدور ، الليل والنهار ، والفصول الأربعة ، أو أن الله خلق الأرض في أطوار ، وفي أدوار ، وفي مراحل لحكمة باللغةٍ بالغة .

الآن أيها الإخوة ،

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

ستة أيام ، أنت لما تريد أن تصنع لبنا رائبا ، تسكب الحليب المغلي في أوعية ، تضع في كل وعاء شيئًا من اللبن ، وانتهى الأمر ، بعد عشر ساعات ينقلب هذا الحليب لبناً رائباً :

﴿ سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

( سورة النحل )

العملية تمت بوقت قصير ، أما نضج وتحول الحليب إلى لبن تم بوقت طويل ، فمعنى ذلك الله عز وجل :

﴿ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

( سورة يس )

أما نظام السببية والغائية فيحتاج إلى وقت ، الله عز وجل

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

وانتهى كل شيء ، لكن لو أن إنسانا أراد أن يشيد بناء ، والأموال كلها جاهزة ، هل يقدر إنسان بثانية يصنع بناء ؟ لا يقدر ، هناك مدة الحفر ، ومدة صب الإسمنت ، ومدة جفاف الإسمنت ، طبيعة خلق الدنيا فيها أسباب ، وفيها أزمنة ، لذلك اعتبر الزمن البعد الرابع للأشياء ، للتقريب :

في صنعة المخلوق لابد من عامل الزمن :

سأل أحدهم : كم يحتاج البناء إلى عامل ؟ قال له: مئة عامل ، متى ينتهي ؟ بعد ستة أشهر ، نأتي بمئتين ، معناها ثلاث أشهر ، نأتي بأربعمئة ، معناها شهر ونصفق ، نأتي بثمانمئة معناها عشرين يوما ، نأتي بألف وستمئة معناها عشرة أيام ، نأتي بثلاثة آلاف وستمئة معناها خمسة أيام ، هل معقول أن تمشي بهذه السلسلة ؟ مستحيل ، لا بد من وقت لحفر الأرض ، لا بد من وقت لصب الإسمنت ، لا بد من وثقت لجفاف الإسمنت ، في صنعة الإنسان لا بد من الوقت ، وقت المعالجة ، أما عند الواحد الديان فإنه

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

فالله عز وجل خلق الأرض على نواميس ، وجعل لكل شيء وقتا ، فلكل شيء زمن نضج ، أنت مضطر إلى كمية للمحاصيل ، هل هناك الآن طريقة بعد ساعة تقطف فيها الثمار ؟ لا ، بل لا بد من خمسة أشهر حتى ينبت الحب ، فتصميم الله للأرض والخلق كل شيء له زمن .

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

إذاً : لما يقول الله :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

فليس معنى ذلك أن معالجة الله للخلق كالإنسان ، لا ، الله :

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

خلق ، لكنه جعل أنظمة تحتاج إلى وقت ، الفكرة دقيقة جداً ، عند الله ليس هناك معالجة ،

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

إنسان وضع كمية لبن بأوعية الحليب ، فقط ، أما نظام البكتريا ، ونظام التخمر يحتاج إلى عشر ساعات حتى ينقلب هذا الحليب إلى لبن ، فإذا قلنا :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

ليس معنى ذلك أن الله يعالج خلقه كما يعالج الإنسان صنعته ، لا .

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

( سورة الشورى الآية : 11 )

وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، الدليل أن الله عز وجل قال :

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾

( سورة ق )

ما مسنا من تعب ، الله ما عنده معالجة ،

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

أما الإنسان لو أراد أن يصل إلى حَلَب يحتاج خمس ساعات ، بالطائرة ساعة ، لا بد في وقت ، الوقت هو البعد الرابع للأشياء ، لكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا ، فجعل لكل شيء قدرًا ، ولكل شيء وقتا ، ولكل شيء فترة ، فيا أيها الإنسان لا تستعجل .

ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

معنى استوى على العرش أي تم كل شيء ، الإمام مالك سئل : ما الاستواء ؟ قال : " الاستواء معلوم ، و الكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة " .

نحن غير مسموح لنا أبداً أن نتفكر في الله .

(( تفكروا في مخلوقات الله ، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

[ أخرجه برموز السيوطي ، أبو الشيخ عن ابن عباس ]

مسموح لنا أن نتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله عز وجل .

لذلك الآيات القليلة جداً المتعلقة بذات الله أكمل موقف منها أن تفوض معناها إلى الله .

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

( سورة الفتح الآية : 10 )

أنا يا رب أفوضك بمعنى أن يدك فوق أيديهم .

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ﴾

( سورة الفجر الآية : 22 )

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

( سورة الرحمن )

أيها الإخوة ، الآيات القليلة التي تتحدث عن ذات الله أكمل موقف في تفسيرها التفويض ، وقد يليه التأويل ، يد الله قدرته ،

﴿ وَجَاء رَبُّكَ ﴾

جاء أمره .

﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

( سورة الحج )

أي عليم بكل شيء ، أما التجسيد فعقيدة فاسدة ، والتعطيل عقيدة فاسدة ، أربع كلمات ، تفويض وتأويل مقبولان ، أما التجسيد والتعطيل فمرفوضان .

﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾

المعنى المألوف ،

﴿ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ ﴾

العرش سرير الملك ، أما العرش الذي أراده الله في هذه الآية الله أعلم به ، لعله الكون بأكمله ، كان الله ولم يكن معه شيء ، فخلق الخلق ، لعل العرش تمام التمكن ، تمام كل شيء ، لذلك جاء خلق السماوات والأرض في ستة أيام ليعلمنا الله الصبر .

مرة هارون الرشيد رأى سحابة فقال : " اذهبِي أين ما شئت فإنه يأتني خراجك " .

وأنا أقول : أي إنسان شرد عن الله سوف تعود إلى الدين عاجلاً أو آجلاً ، فلا تكن عجولا ، استخدم أسلوب النفَس الطويل ، الله عز وجل علمنا درساً لا ينسى ، أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام لا عن عجز ، ولا عن تعب ، ولا عن لغوب ، ولكن ليعلمنا أن لكل شيء قدر .

يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ

أيها الإخوة ،

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾

الإنسان مكلف أن يعبده ، مكلف بالعمل ، العمل حركة ، والحركة تحتاج إلى جهد ، وبذل الجهد يحتاج إلى راحة ، لذلك الله خلق الليل والنهار ، جعل النهار معاشاً ، وقت حركة وعمل وكسب ، وجعل الليل لباساً ، وقت راحة واسترخاء ، ولكن البشر عكسوا الآية ، جعلوا النهار للنوم ، والليل للعمل ، هذه من مفارقات الحياة .

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾

ما مِن شكل يتداخل فيه الليل والنهار إلا الكرة ، لو كانت مكعبا الضوء يأتي فجأة ، أي شكل هندسي حروف ، الضوء يأتي فجأة ، والظلام يأتي فجأة إلا الكرة ، الكرة تدور أمام منبع ضوئي ، ففي منطقة بالكرة فيها تداخل الليل والنهار ، الآن نحن في ليل ، وفي النهار نهار ، لكن بين الفجر وطلوع الشمس منطقة تداخل ، وبين المغرب والعشاء منطقة تداخل ، هذا معنى :

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾

الليل للراحة ، والنهار للعمل ، ثم إنّ النهار يتناسب مع طاقة الإنسان ، لو كان النهار سنة ، والليل سنة ، تعمل وتنام ، تعمل وتنام ، كل واحد يعمل بوقت ، لا أحد ينام ، أما :

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾

( سورة النبأ )

والآية الكريمة :

﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

( سورة القصص )

والليل والنهار في قوله تعالى :

﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾

دليل على كروية الأرض .

﴿ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ

ليس السببُ خالقًا للنتيجة :

خلق ، لكن أمر الخلق بيد الله ، جعل لكل نتيجة سبب ، ولكن الله في أية لحظة من قدرته أن يعطل الأسباب ، أن يخلق نتائج بلا أسباب ، أو أن توجد الأسباب ولا نتائج .

يمكن أن يأتي السيد المسيح من دون أب ، ألغي السبب ، ويمكن أن يكون شابان زوج وزوجة في ريعان الشباب ولا ينجبان ، شاب وشابة لا ينجبان ، ونبي كريم يأتي من دون أب ، معنى ؛

﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

إياك أن تتوهم أن السبب خالق النتيجة ، السبب يأتي قبل النتيجة ، بأي لحظة الله يعطل الأسباب ، وأن يخلق نتائج بلا أسباب ، فالأمر بيد الله عز وجل .

﴿ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {54} ﴾

تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

والله عز وجل سمح لذاته العلية أن يوازنها مع مخلوقاته ، قال :

﴿ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

وقال :

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾

( سورة الأنعام )

الآية إذاً :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

الطائرة بيعت من دولة إلى دولة ، الدولة التي اشترت الطائرة تستخدمها كما تشاء ، تقصف ، تهدم بها منازل ، تشن غارات ، الشركة الصانعة انتهت مسؤوليتها ، هذا في عالم الأرض ، أما الله عز وجل فأيّ شيء خلقه بيده .

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

( سورة الزمر )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

أمام الشبكية لكل نتيجة سبب ، لكن في الحقيقة السبب لا يخلق النتيجة ، ولكن يأتي قبلها ، لأن الله في أية لحظة يعطل السبب ، ألقي إبراهيم عليه السلام في النار ، النار تُحرق ، والله تعالى عطّلها .

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً ﴾

لو ما قال :

﴿ وَسَلَاماً﴾

( سورة الأنبياء الآية : 69 )

لمات من البرد ، لو ما قال :

﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

( سورة الأنبياء )

لانتهى مفعول النار إلى الأبد

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

خاتمة :

في الأخير :

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

بلا تعب ،

﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

تبارك عطاءه ، وتبارك خيره ، وتبارك فضله .

والحمد لله رب العالمين

http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=1892&id=97&sid=101&ssid=253&sssid=254