الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1431

»

صناعة العلماء

»

03 - مفهوم الحضارة


راغب السرجانيصلاح سلطان
مفهوم الحضارة قضية مختلف في تفسير معناها بين العلماء والفلاسفة حتى علماء الإسلام! فما هي الحضارة؟ وهل هي مفهوم مادي أم مفهوم فلسفي فكري؟، وما تعريف الحضارة في المنظور الإسلامي؟، هل يقتصر مفهوم الحضارة على العيش المترف؟!، نقف مع الدكتور راغب السرجاني والدكتور صلاح سلطان في هذه الحلقة الماتعة على معنى الحضارة ومفهومها

د. صلاح :

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين ، سيدنا محمد .. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، ثم أما بعد :

إخواني أخواتي .. أحبابنا في الله تعالى :

حيا الله هذه الحلقات التي نجتمع فيها معا ، ابتغاء وجه الله عز وجل ، تحت عنوان صناعة العلمـاء .

نريد بإذن الله تعالى أن نساهم معا ، وأن نضع أيدينا مع بعضنا في صناعة العلماء الربانيين الذين يعيدون لهذه الأمة مكانتها عند الله وعند الناس ، بإذن الله تعالى .

الحقيقة ، سعداء جدا بهذه المشاركة لله تعالى مع أخينا الحبيب الأستاذ الدكتور راغب السرجاني .

ونحن في الحقيقة ، طرحنا في الحلقات الماضية مفهوم الأمة الرائدة الشاهدة ، في إطار صناعة العلماء نحن نطرح هذا الأمر لنعلم ولنعرف ما هو المدى الذي نريد أن نصل إليه .

نحن لماذا نريد صناعة العلماء ؟ ليساهموا في بناء أمة شاهدة ، أمة رائدة على مستوى العالم كله في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى .

طرحنا هذا المفهوم الإنساني العالمي ، هذه الأمة لها خصائص محددة ، أولها أنها أمة التوحيد ثم أمة الوحدة ، ثم أمة الرسالة ثم الجانب الحضاري .

وإذا ذكرت الحضارة فإن الأستاذ الدكتور راغب السرجاني هو فارس هذا الميدان الآن ..

بفضل الله ومنته ، دائما أقول الحمد لله الذي جعل في الأمة مثلك ، ينهض بهذا العبء مع إخوانه في الله تعالى .

ما هو يا دكتور راغب مفهوم حضارة ؟ هل هو مفهوم مادي ؟ أن فلان إنسان يعيش في إطار مادي فهو متحضر ؟

أم هو مفهوم فلسفي وفكري ؟

في الإطار الإسلامي ، مفهوم الحضارة الإسلامية ، إذا أردنا أن نضع عليها أيدينا ، تلك التي سيساهم العلماء في بنائها بإذن الله تعالى .

د. راغب :

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

جزاكم الله كل خير على هذا التقديم المبالغ فيه ، وأسأل الله أن يتقبل مني ومن حضرتك ، وأن يجعلنا من جنود الإسلام الذين يغيرون العالم الإسلامي للأفضل ، والعالم كله .. إن شاء الله تعالى .

إذا تكلمنا عن الحضارة ، فالحضارة هي أمر مختلف عليه بشدة بين المفكرين والفلاسفة والمنظرين والعلماء ، حتى العلماء الإسلاميين ؛ لأن الكلمة مستحدثة ، لم تكن دارجة في القواميس القديمة ، إنما كان كل ما تعنيه الحضارة أن يعيش الإنسان في الحضر .

حتى ذكرت هكذا في لسان العرب ! أن الحضارة عكس البداوة ، البداوة : يعيش في البادية ، والحضارة : يعيش في المدن أو ما إلى ذلك .

حتى ابن خلدون ذكرها بهذا المعنى ، أن الحضارة هي البحث عما يترف الناس ، وابن خلدون طبعا له خبراته الكبيرة في بناء الأمم وسقوط الأمم ، وفي حركة التاريخ وعلم الاجتماع ، لا يخفى عليه المعنى الذي نذكره الآن ، لكن في زمانه كانت هذه الكلمة تعني هذه المعاني .

هذا الكلام مهم للناس الذين سيرجعون للأصول ، لكي لا يظنوا أن علماء المسلمين غفلوا عن الحضارة .

لأننا عندما نصف الحضارة بمعناها الحقيقي ، برؤيتنا الآن ، سنفهم أن علماء المسلمين ، وقادة المسلمين ، والمجاهدين في تاريخ الإسلام ، والخلفاء ، والأمراء ,, عرفوا الحضارة على أفضل ما ينبغي أن تعرف . !

د. صلاح :

عرفوها ممارسة ، ثم التنظير عادة يأتي بعد الممارسة ، مثل أبيات الشعر ، الشاعر كان يقول أبياتا موزونة جدا ، ثم بعد ذلك يأتي الخليل بن أحمد الفراهيدي يضع علم العروض .

د. راغب :

من العلماء من ينظر للحضارة نظرة مادية ، على أنها البناء والعمارة وهي الصواريخ والكمبيوتر ، وهي وسائل العيش والترف والتقدم في الشوارع والاختراعات والابتكارات المختلفة ...

ينظرون للحضارة على هذا المقياس ، لدرجة أن بعض الناس في الدراسات الأمريكية تصف الحضارة ، أو البيت الحضاري الأكثر هو الذي يخرج مخلفات أكثر في صفيحة القمامة ..!

انظر لأي درجة المعنى يتدنى !

المجتمع المستهلك استهلاكا كبيرا فهو مجتمع حضاري ، أما المجتمعات البدائية فهي توفر بشدة ، لا تستهلك الكثير وليس عندها اختراعات كثيرة .

أما الآخر فعنده من حاجيات الاستعمال الواحد ( disposal ) أو

( single use) ، ثم يرميها في القمامة ، فيعتبر هذا نوع من أنواع الحضارة !

وهناك أناس آخرون ينظرون للإنسان ، وهذه نظرة راقية ، تنظر للإنسان على أنه عماد الحضارة ، فإذا تقدم الإنسان تقدمت الحضارة ، وإذا تخلف الإنسان تخلفت الحضارة ، ينظر إلى أخلاقيات الإنسان ، إلى روح الإنسان ، إلى بناء الإنسان ، إلى طبيعة سكون الإنسان مع الكون الذي يعيش فيه ، هذا معنى راق ٍ ، تكلم به المسلمون والغربيون أيضا .

بعض الكتاب الغربيين ذكروا مثل هذه الصفة ، مثل : غوستاف لوبون ، وغيره من المفكرين الذين ذكروا أن الأساس في الحضارة هو الإنسان .

أنا حقيقة لي تعريف خاص بمفهوم الحضارة ، ولي نظرية أحوال تخريجها في كتاب قريب ، اسمها نظرية الهرم الحضاري .

أصف بها معنى الحضارة بما يجمع كل هذه المعاني .

أنا أقول عن الحضارة ، وهذا ما نريد من العلماء في برنامجنا أن يعملوه ، أن لا يقف طموحه عند درجة واحدة من الهرم الذي سأذكره الآن .. إنما أن يتكامل في إنشاء هذا الهرم إلى أن يصل لمستوى يليق بالأمة الإسلامية ..

أقول أن المستوى الأدنى من الهرم هو التعامل مع البيئة ، التعامل مع مكونات الأرض التي نعيش عليها ، التعامل مع المواد الموجودة في باطن الأرض ، على سطح الأرض ..

التعامل مع الحيوان ، التعامل مع الشجر .. هذه البيئة التي حولي ، كيف أستغلها في معيشة أفضل .

{ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } .

فهذا جزء من ديني ، عندما أقول للغرب أنكم نظرتم للحضارة على أنها علم الجينات وعلم الفضاء وعلم الكمبيوتر .. لا أقول هذا تقليلا ، وإنما ألومهم على قصر الحضارة على هذا الموضوع ، مع أن هذا جزء لا يتجزأ من الحضارة .

من المؤكد أن الإنسان الذي اخترع الكمبيوتر هو إنسان حضاري ، كذلك الذي اخترع آلة الكتابة ، عباس بن فرناس عندما اخترع قلم الحبر كان تقدم حضاري كبير ..

قلم الحبر هذا اختراع إسلامي ، كان في زمانهم ، زمن عباس بن فرناس في الأندلس حركة علمية رائدة ، وكل الناس تنسخ كتبا ، وتؤلف ، ولا يوجد طباعة ، فموضوع الكتابة والنسخ باليد كان عمادا من أعمدة الحضارة في ذلك الوقت .

فكان أحدهم ليكتب يحتاج أن يبل القلم بالحبر كل حين ثم يكتب ، ثم يبله مرة أخرى ويعود ويكتب به ...

فاختراع قلم في داخله الحبر يسرّع عملية الكتابة فيضاعف الإنتاجية ، هذا اختراع حضاري ضخم جدا ، هو يعتبر اختراعا مادي لكنه إضافة حضارية ضخمة .

مثل الكمبيوتر، يمكن أن يعمل عشرات آلاف العمليات الحسابية ، كنت سآخذ فيها أعمارا ، فيتم العملية في لحظة ، ما شاء الله ! وفـّر علي ّ الوقت والجهد وأعطاني دقة في الأداء .

السيارة التي نقلتني من بلد لبلد في ساعتين وكنا نأخذ فيها شهرين ، الحمد لله رب العالمين . هذا اختراع أضاف للعالم أعمارا وأعمارا .. هذا اختراع مفيد ، إذا هذا جزء من الحضارة ..

هذا ما أسميه الجزء الأدنى من الهرم ..

هناك أعلى منه ، الجزء الثاني الأوسط ، وهو جزء التعامل مع الإنسان ..

هل أنا أحسن التعامل مع الناس حولي أو لا أحسن ؟؟

أنا لا أعيش في الأرض وحدي ، بل أعيش مع أطياف مختلفة من البشر وسأظل أعيش معهم حتى أموت ..

والإنسان مخلوق اجتماعي بطبيعته ، فيجب أن أتعايش مع هؤلاء الناس ..

هل أنا أتعايش معهم بأسلوب حضاري أم أسلوب همجي ؟؟

يجب أن أتعامل مع الناس الذين أنتمي إليهم بأسلوب حضاري ، كذلك الناس الذين لا أنتمي إليهم ، يجب أن أتعامل معهم بأسلوب حضاري .

أنا أتعايش مع المسلمين ومع غير المسلمين ، أتعايش مع أبي وأمي وأولادي وجيراني ، أتعايش مع الذين لا أعرفهم أصلا ولا يمتون لي بصلة ، هناك معينة تربط بيني وبينهم .

د. صلاح :

الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول : " وأشهدك أن الناس كلهم إخوة ".

د. راغب :

هذا هو المعنى للحضارة الذي نتحدث عنه ، أننا عندنا نظرة واسعة للإنسانية وحسن التعامل مع كل البشر .

فأنا لو استوفيت هذا الجزء أكون استوفيت جزءا كبيرا من الحضارة وهو أرقى من الجزء السابق ولا يلغيه .الجزء الثاني موجود وهذا موجود لكنه أرقى .

ثم يأتي في قمة الهرم معرفة الإنسان بربه عز وجل ..

هذه قمة الحضارة .

لأني لا أفهم أن يكون إنسان مخترع وصانع ، ويحسن التعامل مع أبيه وأمه ، ثم لا يحسن التعامل مع خالقه ..!

ثم لا يعرف ربه ، ثم يسجد لشجر أو حجر من دون الله عز وجل ، أو يشرك به شيئا ، مما نراه من آفات العالم في عبادة رب العالمين سبحانه وتعالى ..

كلما أحسنت علاقتك بالله عز وجل صرت حضاريا بشكل أكبر ..

أنا إذا استوفيت هذه العلاقات الثلاثية ، هذه الجوانب الثلاثة،أنا إنسان حضاري بمعنى الكلمة ..

ولم يتحقق هذا ولن يتحقق إلا لأمة الإسلام ..

لأنها الأمة الوحيدة التي تعبد لبنا عز وجل حق العبادة ..

عندنا الكثير من يشاركنا في الجزئية السفلى من الهرم ، ومنهم من يشاركنا في الجزئية الوسطى ، هناك أناس حضاريون جدا في التعامل مع الإنسان .

لكن نقطة أخرى ، يمكن أن أكون حضاريا في جزء من الهرم ، ومتخلفا في جزء آخر من نفس الهرم ونفس الدرجة ، ماذا يعني هذا ؟

أن أحسن التعامل مع عشيرتي ، كما نرى في أوروبا وأمريكا وغيرها ، انتظام ، ونظافة ، ابتسامات وعلاقات ودية ، انتخابات دون تزوير ، ..

ما شاء الله .. كل شيء يسير داخل البلد على أحسن وجه ، ثم تطبيق نظم مختلفة كليا ومعايير مختلفة كلية مع غيرها من البشر ، حضاري ّ في بلده ومتخلف في الجانب الآخر .

عندما تأتي طائرة وتلقي قنبلة على ملجأ أيتام في أفغانستان ، هذه طائرة مختلفة ، مهما كانت الطائرة نفسها حضارية ، وصناعة متقدمة جدا ، لكن الفعل متخلف .

وعندما تأتي طائرة تلقي قنبلة صنعت في أعلى درجات التصنيع ، نووية ذرية ، على هيروشيما أو ناجازاكي ، وتقتل 70-80 ألف في لحظة .. هذا فعل متخلف بربري همجي يعود بنا لعصور لم تعرف الحضارة مطلقا ، التصنيع نفسه كان حضاريا ، لكن كيف استخدمتها ؟

هذه التقنية والتكنولوجيا ، أين الأخلاقيات التي تضبط هذه الحضارة ؟؟

أنا حقيقة ليس عندي مثال في كل مراحل التاريخ يجمع هذه المحاور الثلاثة إلا أمة الإسلام !!

لذلك أمة الإسلام كما ذكرنا هي النموذج ، عرفت كيف تعبد ربها ، كيف تتعامل مع الإنسان بكل شرائحه ، في داخل المجتمع وخارج المجتمع الواحد .

الكـَندي الذي يعيش في مستويات رفاهية عالية جدا ولا يعرف أمه ولا أباه ، منذ عمر 16 – 17 سنة يترك البيت ، يموت أبوه وأمه جالسين في البيت من العزلة والوحدة وليس هناك من يرعاهم ، وأولادهم موجودون ! هذه صورة من صور التخلف .

العالم الذي نريده هو العالم الذي يستطيع أن يحقق المنظومة المتكاملة هذه ، وهذا ليس شرطا على عالم واحد أن يقوم به ، نحن الأمة الإسلامية أمة متكاملة ، وهذا الأمر من نتاج الوحدة – التي أشرنا لها سابقا- عندنا من يقوم بهذا الدور في القاعدة الأدنى ، ومن يقوم بهذا الدور في القاعدة الأعلى ، وكلنا يعبد ربنا عز وجل بالمفهوم الذي يرسخه علماء الشريعة وعلماء العقيدة في الأمة الإسلامية .

نحن متكاملون ، نـُخرج هذه الصورة ونقدمها لكل الناس بأننا أمة حضارية .

د. صلاح :

الإمام الفخر الرازي له تعريف للعبادة يستهويني دائما ، ربما هناك تعريف جيد للإمام ابن تيمية ، هناك تعريفات عديدة .. أما الإمام الفخر الرازي يقول : العبادة : هي غاية الخضوع لأمر الله وغاية الشفقة على خلق الله .

د. راغب :

أخذ الجزأين الأول والثاني من الهرم ..

د. صلاح :

ثم الجزء الثالث ، إذا هو فعلا عنده الخضوع لأمر الله ، وربنا استعمرنا في الأرض – كما قلنا في الحلقة الماضية - : مع الأرض عمارة ، ومع الشعب رعاية ، ومع القانون والنظام طاعة ما لم يخالف شرع الله ، ومع السلطة القائمة على تنفيذ القانون ورعاية الشعب – إذا هي التزمت أولا مع هذه المعايير الثلاثة برعاية الشعب وعمارة الأرض في الإطار الشرعي – فيكون هناك معاونة مع هذه السلطة .

أشعر حقيقة أننا لا بد أن نتحمل مسؤوليتنا كأناس ننتمي للعلم ، ونخرج أجيالا من العلماء لا يكون هم أحدهم فقط تحويل ( العشـّة ) التي يعيش فيها لـ(شقة )، والشقة لـ(فيلا ) ، والفيلا التي على الجبل لفيلا على شاطئ البحر ، ثم منتجع سياحي .!.. كل هذا وأنا أدور حول نفسي ثم انقلب لقبر ضيق جدا ، يمكن أن يكون حفرة من نار .. وانتهت القصة .

والإنسان يمكن أن يكون والعياذ بالله ، بدل أن كان يشرب الماء البارد تحول لماء من غسلين ، وبدل أن كان الثوب يكوى بالبخار ..{ فالذين كفروا لهم ثياب قطعت من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم..}.. هذا انقلاب كامل

الجانب الإنساني الذي ذكرته ، أذكر ونحن في سلطنة عمان ، كانت تعمل معنا دكتورة أمريكية أخذت عطلة (إجازة )، ثم قطعتها ..

في نفس الأسبوع أخ لنا توفي والده هنا في مصر ، حدثت هذه المفارقة في أسبوع واحد .

هذه الأستاذة مرض والدها مرضا شديدا وكانت تريد الخروج في العطلة لكن عندما علمت أن والدها مرض ، ألغت عطلتها ، لأنها تريد أن تستمتع بعطلتها مع صديقها الـ(Boyfriend ) !!

فإن ذهبت ووالدها مريض ستنشغل به نوعا ما ، فقطعت عطلتها وقالت أذهب بعد أن يموت أو ينتهي الموضوع !

في حين أن ذاك الأستاذ حين توفي والده ، فورا ً نزل ليقف مع والدته وأخواته في العزاء ويؤدي دوره الاجتماعي .

لأكون منصفا ، المجتمع الأمريكي ليس كله بهذا الشكل ، ونحن عشنا فترة في المجتمع الأمريكي ، لكن هذه ظاهرة ، لدرجة أن امرأة تعلن أنها تريد ( family for rent ) أسرة للإيجار !!

لا أحد يأتي يزورها في عيد (الكريسمس) عيد الميلاد – ميلاد المسيح - ، أو في عيد ميلادها الخاص ، فتشعر بالوحشة والوحدة لأن أولادها كلهم لا يسألون عنها ولا أحفادها ، فتقول أريد أسرة للإيجار ، فقط يأتون يقولون لي: ( mami .. you are my mum ) .. هكذا خداع ، ويأخذون ألف دولار في الساعة !

د. راغب :

أحيانا يبحثون عن أسر من حيوانات !

لا تتخيل علاقة الأسرة الغربية بالكلب أو القطة التي عندها ، فهي أقوى من علاقتها بأبنائها ، أنا زرت كندا ، وفي أول زيارة لي لكندا لاحظت أن الشعب كله تقريبا يمشي ومعه كلاب أو قطط في الشوارع بشكل طاغ ٍ ! وقالوا لنا أن هذه أكثر دولة عندها كلاب وقطط ، لأن الكلاب والقطط لا تتركهم عندما يكبرون ، في حين يتركهم أبناؤهم عندما يكبرون !

لدرجة أنه كان يحدثني أخ سوري ّ ، يقول : أن أتخيل يا دكتور لو نزل كندا مخلوق من كوكب ثان ٍ سيظن أنه في كندا يعيش الكلاب والقطط ويخدمها الإنسان ! لأنها متواجدة بكثرة ومرفهة جدا ..

د. صلاح :

هناك أم تعرضت لحادث ، فمات ابنها ومات الكلب ، فكانت تبكي بحرقة ، وخرجت في التلفاز في أمريكا، فسألوها لماذا هذا البكاء الشديد ؟ قالت : أنا أبكي على الكلب !!

الولد يمكن أن يعوض من أي رجل ، أما الكلب من سلالة لا يمكن تعويضها ، فكانت تبكي الكلب أكثر من فلذة كبدها !

هذا الانتكاس الذي أصاب الإنسان ، الله عز وجل خلق الإنسان ليعبد الله ، ثم هو سيد لهذا الكون وسخر له هذا الكون ، فأنا في صداقة مع هذا الكون ل،ني عابد وهو عابد .. وجمعهم ربنا عز وجل في سورة الحج ، : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) } .

إذن أنا اشترك مع هذا الكون بأننا جميعا عبـّاد لله عز وجل .

لكن عندي درجة ، أنني سيد هذا الكون ، { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } .. هذا التسخير لي ..

" عبدي خلقتك لي وخلقت كل شيء لك ، فلا تنشغل بما خلقته لك عمّا خلقتك له " ~ ~

فالأصل في الإنسان أن يظل سيدا للكون ، ولا يكون عبدا للكلب أو عبدا للقطة ، أو للدرهم والدينار .. " تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد القطيفة ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتخش ."

فيظل سيدا ً وعمرا ً لهذا الكون ، حتى إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها " ..

فما هي رؤيتك يا دكتور راغب ، لو أردنا إيصال رسالة للآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات ، ووزارات التربية والثقافة ..

كيف نقدم هذا المفهوم الحضاري ؟ لأن المفهوم المادي ّ هو الطاغي ، بينما المفهوم الإنساني والمفهوم الإيماني اختفى ؟

أنت تضيف المفهوم المادي في أسفل الهرم ثم هناك مفهوم إنساني ومفهوم إيماني ، فهناك الآن ثلاثة مفاهيم ، من التي نقول يجب على العلماء أن يساهموا فيها ..

د. راغب :

الجميل في الشكل الهندسي الذي ذكرتنا به ، الهرم ، مما دفعني لاختياره أن هناك بـُعدا آخر في الهرم ، أن القاعدة بيرة ، والوسط اقل ، والقمة قليل جدا ً.

قليل جدا من يعبد الله عز وجل حق العبادة ، وأكثر من يتعامل مع البشر تعاملات سوية ، وأكثر وأكثر من ينتج ويتعامل مع المادة ، فقمة الحضارة ، أن تصل لأعلى مستوى ، وهؤلاء قليل ..

من يصل لمعرفة كيف يعبد ربه عز وجل ، وكيف يتعامل مع الناس ، ويحسن استغلال البيئة ، ويحسن استعمار الأرض وإخراج ما بها من ثروات .. هذا قليل القليل ..

أما عموم الناس ، تفهم الحضارة كما ذكرت في البعد المادي ، وشكل الهرم يثبت هذا الأمر ..

بـُعد آخر في الهرم جميل ، أنني للصعود لقمة الهرم احتاج جهدا ، ولأنزل فذاك سهل !

لكي أصعد قمة الهرم ، وأفهم هذا المفهوم الراقي جدا ً ، وأعبد ربنا عز وجل حق العبادة ، لو عبدت ربنا حق العبادة ، فكل ما تحته سينضبط ، لأن ربنا هو الذي أمرني بالإحسان للإنسان ، والإحسان للأب والأم والأولاد والجيران ومن أعرف ومن لا أعرف ، وهو من أمرني باستعمار الأرض ، فلو وصلت للقمة أكون قد أتممت كل شيء.

د. صلاح :

لو أخذنا هذا المفهوم ، ونظرنا للحضارة الرأسمالية ، ونموذج آخر للحضارة الشيوعية .

الحضارة الشيوعية ، كان ( ماوت ستونغ ) في الصين وهو رائد من روّاد التجديد وإحياء الحضارة في الصين ، لكن مع هذا كان يعبد البقر ، وكان يقول : أن أجمل ساعة في يومه هي الساعة التي يجلس فيها في الصباح يحتسي بول البقر !

فنجان من بول البقر ! يشربه على أنه البقر المقدس وقد دخل جسمه ..

د. راغب :

وغاندي كان يعبد الغنمة – المعزة – التي كانت معه !!

د. صلاح :

صحيح ، فالجانب الآخر للحضارة المادية الرأسمالية التي قامت على فلسفة الحرية المطلقة ، التي تبناها ( آدم سميث ) في الرأسمالية القديمة ، ثم ( كِنز ) في الرأسمالية الحديثة ..

( مالتوس ) وهو تلميذ ( كِنز ) يقول : كيف يُتصَور أن نعطي إنسانا لا ينتج سنبلة من القمح رغيفا من الخبز لم ينتجه !

هو نظر للإنسان على أنه ماكنة ، نزل بالإنسان للقاعدة في الأسفل ، وألغى الجانب الإنساني .

أنا أبي الذي تعب عليّ طوال السنين وربّاني ثم صار بحكم السن ، أو بحكم حادث ، مقعدا ً ، أليس من حقه إنسانيا وإسلاميا أن أرعاه ؟؟

وأمي .. { حملته أمه كرها ووضعته كرها } .. فأين الجانب الإنساني ؟؟

وتاريخيا لم تعط ِ الحضارة الأمريكية أو الرأسمالية في أوروبا وأمريكا الإنسان الفقير حقه ، إلا خوفا ً من تسرب الفكر الشيوعي ّ الذي ينادي أن ( البوليتاريا ) – المساكين – يجب أن يأخذوا حقوقهم ..

د. راغب :

رأينا الحضارة الأمريكية والأوروبية تلقي أطنان القمح وأطنان التفاح والبيض في المحيط ، حتى لا يقل سعره في السوق !

انظر مدى التفحش والتوحش ، لا يريد لمكسبه أن يقل فيقلل البضاعة عن طريق إلقائها في المحيط ، ولا يعطي هذا الكم الكبير للشعوب الفقيرة ، لأن هذا قد يقلل من السعر وقد يخسر بذلك !

فهو ليس عنده مانع أن يضحي بالبضاعة مقابل ألا يخسر ، انظر مدى

الإجرام و التوحش الذي يأتي في داخل الإنسان ليحقق نوعا من الربح !

د. صلاح :

عندما ترى في هذا الإطار اللاإنساني الحضارة الموجودة الحالية ، في القرن الحادي والعشرين ، دخل إليه الإنسان في إطار ما يسمى الحضارة ، وأنا أقول هي حضارة تحمل في طياتها الكثير من الحقارة ..

أن هناك مليار إنسان جائع ! مقابل ما يرمى هذا .. هناك مليار جائع ، سدس العالم جائع بالفعل ..

هناك حوالي 700 ألف إنسان لا يجدون مأوى لهم ! .. { إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) } طه .

أساسيات الحياة التي نزلت مع سيدنا آدم ، أساسيات تكريم الإنسان ، عندما نأتي في الإسلام ونجد حق الشفة.. ماذا يعني حق الشفة ؟

عندما يتكلم علماء الأمة أن الفرد لا يجوز أن تبقى شفته دون أن تبل بالماء وتأخذ الغذاء !

الإنسان عندما لا يأكل كثيرا تبيَض شفته ثم تتشقق .. ففي الإسلام هناك عند الفقهاء ، ليس فقط حق التعلم و حق التدين و حق التحرك ... هناك حق الشفة !

والشفة ليس فقط للإنسان بل كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما يروي الإمام أبو عبيدة في كتاب الأموال ، عندما علم أن أحد الصحابة أراد أن يمنع الماء من أن يمر من أرضه لأرض جاره ، قال : لو لم أجد طريقا يمر عليه الماء لزرع أخيك إلا على بطنك لفعلت !

الأرض يجب أن تبل بالماء وتأخذ حفها ، فالمفهوم الحضاري المتكامل ، الهرمي هذا ، الذي فعلا نريد من علمائنا أن يبنوه وأن يصححوا الحضارة الموجودة .. نحن لا يمكن أن نبدأ بهدم ما هو موجود لنبدأ ..

( start from scratch ) اهدم ثم ابني !

نحن جئنا لنصحح هذا الانعكاس في السلم الحضاري ,الحضارة تصعد في جانب وتنفلت في ناحية أخرى ..

د. راغب:

وهذا دور أمة ، أنا أعلم أنه من الصعب على إنسان واحد أن يحقق كل هذه الأشياء ..

لذلك نحن نقول أننا أمة متكاملة ، عندنا العالم الذي يتخصص في العقيدة ويحسن الكلام والحجة والبيان والإيضاح ، ويمكن أن يكلم غير المسلمين ويشرح بالتي هي أحسن ، ويوضح كيف يعبد الناس ربهم عز وجل ..

وعندنا في نفس الوقت التعاملات الإنسانية ، والفقيه في هذه التعاملات والأساليب الحضارية في التعامل مع بني الإنسان ، وقضية العلم المادي بكل تفرعاته ، الطبية والهندسية .. وغيرها .

د. صلاح :

حقيقة ، هذا المثلث الهرمي المتميز الذي طرحه أخونا الكريم د. راغب السرجاني ، لكي تكون هذه مهمة العلماء الربانيين الذين نرجو أن نساهم في صناعتهم ..

((هذه كانت حلقة أعتقد أنها متميزة بهذا الطرح ، أدعو الله سبحانه وتعالى أن نستطيع أن نصنع هذا في المستقبل القريب .. بإذن الله تعالى ..

ونلتقي في الحلقة القادمة لنتحدث حول : هل نحن كمسلمين قادرون على صنع هذا أم لا ؟؟ وهل الحضارة الموجودة الآن قادرة أن تفعل هذا ؟ وهل نحن مؤهلون لفعل ذلك ؟؟ ))

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..