الحقوق محفوظة لأصحابها

عمر عبد الكافيمحمد راتب النابلسيالعربي كشاطسعد الدين الهلالي
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور عمر :

أحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين ، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ، أحبتي في الله أحييكم جميعاً أينما كنتم في الأرض بتحية الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وهذه حلقة جديدة في برنامجنا كلمات مضيئة ، أضاء الله أيامكم بالإيمان به وبالاستقامة على طريقه ، وأن يحسن لنا ولكم خاتمة الأمور كلها ويجعل رب العباد بفضله ومنته وجوده خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاه .

الاستقامة هي الطريق الموصل إلى رب العباد سبحانه وتعالى :

الاستقامة كما استوضحنا من علمائنا الفضلاء في الحلقات السابقة هي الطريق الموصل إلى رب العباد سبحانه وتعالى ، بعيداً عن مرديات الهوى وبعيداً عن الترهات العقلية الذي يريد إنسان العصر أن يلف وأن يدور كما صنع آخرون من قبل لفوا وداروا فتعبوا وأتعبوا ، هؤلاء الذين حرّم الله عز وجل العمل والصيد يوم السبت فإذا بهم يلفون ويدورون وينصبون شباكهم يوم الجمعة ، وينامون في بيوتهم وحيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعاً ، فتقع في الشباك فيذهبون يوم الأحد ويأخذوها ويضحكون على أنفسهم وعلى من حولهم أننا ما اشتغلنا يوم السبت وما عملنا يوم السبت .

نحن لا نريد أن نكون مثل هؤلاء ، نحن نريد أن نقول سمعنا وأطعنا ، سمعنا كلاماً وأوامر ونواهي وأطعنا فعلاً واستقامة على طريق الله سبحانه وتعالى ، إن من ذاق طعم الاستقامة أقام نفسه على منهج الله سبحانه ورضي عن الله سبحانه ورضي عنه رب العباد ، رضي الله عنهم ورضوا عنه .

ترحيب حارٌ من الدكتور عمر بالأستاذين الكريمين :

أحبتي في الله دعوني أرحب معكم بالضيفين الكريمين والعالمين الجليلين الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي مرحباً بك دكتور راتب بارك الله بك .

الدكتور راتب :

بكم يا سيدي .

الدكتور عمر :

الدكتور عربي القشاط مرحباً بك في هذا المجلس .

الدكتور عربي :

شكراً لك دكتور عمر.

الدكتور عمر :

بارك الله فيكم ، تنيرونا وتشعرونا بالأنس ، فما بقي من الدنيا من شيء إلا مجالس الأحبة في الله ، تقبل الله منا منكم إن شاء الله ، دكتور راتب نحن حدثتنا جزاك الله خيراً عن بعض من خصائص الاستقامة ، ونحن نريد أن نقترب من الوصفات العملية المبسطة التي يستطيع المستمع والمشاهد الآن إذا سمع عالمه الجليل الدكتور راتب النابلسي أخذ منهجه ووجد سهولة ، كما يسر الله لك الكلام السهل والأمثلة الواقعية التي نحياها بسط لنا طريق الاستقامة حتى نستقيم خلفك .

خصائص الاستقامة :

الدكتور راتب :

أرجو الله أن أكون عند حسن ظنك وأنت أستاذنا ، الحقيقة أنكم في هذه المقدمة الرائعة أشرتم إلى إحدى أكبر خصائص الاستقامة حينما قلتم الاستقامة أقصر طريق إلى الله ، وقد أكدتها الآية الكريمة :

﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ (6)﴾

(سورة فصلت)

لا تسمى الاستقامة استقامة إلا إذا أوصلت إليه ، الاستقامة التي نتمناها هي السلوك الذي يفضي إلى الله عز وجل .

العلم و العمل مقاييس وردت في القرآن الكريم للترجيح بين الخلائق :

هناك نقطة دقيقة أتمنى أن تكون واضحة ، هناك مقاييس نستنبطها من حركة الحياة ، الناس مثلاً يكبرون الغني ، القوي ، الذكي ، إلى آخره ، هذه المقاييس للبشر وضعوها هم إما بدافع من فطرهم أو بدافع من مصالحهم ، ولكن لو تتبعنا آيات القرآن الكريم لوجدنا مقاييس وردت في القرآن الكريم الله عز وجل بها يرجح بين خلقه ، مثلاً مقياسان كبيران في القرآن الكريم العلم والعمل ، المقياس الأول :

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة )

﴿ و لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

أنا أقول دائماً بطولة المؤمن أن تأتي مقاييسه التي يعتمدها وفق مقاييس القرآن الكريم ، فإن لم تكن هذه المقاييس وفق القرآن الكريم وقع في ضلال كبير ، يجب أن تكون مقاييسي في تقييم أي شيء وفق القرآن الكريم ، فلذلك .

الدكتور عمر :

لأن هو يشرع من ذاته ، أو هو يشرع من هواه من عقله المحدود فلذلك مقاييسه ضالة .

القلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله :

الدكتور راتب :

من أجمل ما قرأت حول قوله تعالى :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

(سورة الشعراء)

ما القلب السليم ؟ القلب هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله ولا يشتهي شهوة لا ترضي الله ، ولا يحتكم إلا لشرع الله ، ولا يعبد إلا الله .

الدكتور عمر :

هذا قلب رباني .

الدكتور راتب :

هكذا وصف الله المؤمنين ، الآن المقياس الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة جداً صحيحة ، لكن أنا كنت أروي شطره الأول : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله . كنت أظن أن له تتمة ، وكفى به جهلاً أن يعصيه . راجعت البارحة الحديث في مراجع دقيقة وجدت له ثلاث روايات ، الرواية الأولى : وكفى به جهلاً أن يعجب بنفسه . وكفى به جهلاً أن يعجب بعلمه . وكفى به جهلاً أن يعجب بعمله .

معنى ذلك إن كانت النفس ليست على ما يرام ، أو كان العلم ليس وفق ما يرضي الله ، أو كان العمل ليس هادفاً إلى مرضاة الله عز وجل ، وهو على مخالفة لمنهج الله ، فهو ليس عالماً عند الله .

العالم عند الله من كان منهجه وفق منهج الخالق سبحانه :

أنا أضرب مثلاً لعله دقيق إنسان يحتل أعلى منصب ديني ، وأفتى بفتوى بخلاف ما يعلم لمصلحة يريدها لنفسه ، فهذا الإنسان هو عند الله ليس بعالم مع أنه قد يحمل أعلى شهادة ، لذلك لما قال الإمام الشافعي : " لأن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين " .

معه الحق فهو عند الناس عالم كبير ، يحمل أعلى شهادة ، له مؤلفات أما عند الله ليس بعالم ، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعجب بنفسه وليست على ما ينبغي أن يكون ، لذلك يقول سيدنا علي رضي الله عنه : الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء . وأدناه أن تحب على جور ، إنسان ليس على الحق لكن لك معه مصلحة أن تحبه .

الدكتور عمر :

لذلك سيدنا عمر كان يقول : اللهم لا تجعل لفاجر عليّ نعمة حتى لا أحبه . يميل الهوى هنا مع المصلحة هذه مصيبة .

القرآن الكريم هو المقياس الذي ينبغي أن نعتمده :

الدكتور راتب :

الشيء الدقيق يأتي إنسان بسيط جداً قد يكون حاجباً لكن يطيع الله عز وجل هو عند الله عالم ، فنحن نريد مقاييس القرآن .

الدكتور عمر :

ليس العلم كثرة الرواية إنما العلم الخير ، إذا ظهر على العبد علامات الخشية في قوله وعمله وفعله وتعامله مع الآخرين هذا عالم وإن كان أمياً .

الدكتور راتب :

الآن الله عز وجل حينما قال :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ (39)﴾

(سورة الأحزاب)

يعني هذا الداعية أليس له صفات كثيرة ؟ إنه صادق وأمين وهو يصلي ويصوم لماذا أغفلها القرآن الكريم كلها ؟ أغفلها كلها لأن هناك صفات مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً ، ما معنى ذلك ؟ أنا قد أقول هذه الطائرة كبيرة ، والباخرة كبيرة ، هذه الطائرة غالية الثمن وهذا البيت غالي الثمن ، أما حينما أصف الطائرة بأنها تطير فإذا ألغيت هذه الصفة ألغيت الطائرة ، الله عز وجل أراد أن يبلغنا أن هذا الذي يدعو إلى الله إذا خشي غير الله فسكت عن الحق وخشي غير الله فنطق بالباطل ، سكت عن الحق إرضاءً له ونطق بالباطل تقرباً إليه سقطت دعوته وانتهت ، فلذلك أنا أريد أن أؤكد أن مقياس القرآن الكريم هو المقياس الذي ينبغي أن نعتمده .

الدكتور عمر :

مقياس القرآن بالاستقامة ، نحن الآن نريد أن نؤكد أنه لا مقاييس إلا ما وضعها رب العباد .

التطبيق و الإخلاص و العمل الصادق مقاييس الاستقامة على أمر الله :

الدكتور راتب :

﴿ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾

(سورة يس)

حينما نهدف من الدعوة مكسباً مادياً أو غنىً ، جرحت مكانتنا ، هذا مقياس :

﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا (21)﴾

(سورة يس)

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (18)﴾

(سورة آل عمران)

الذي يشهد لك كمال الله هذا مقياس ثانٍ ، أنا حينما ذكر الله بعض أوصاف القرآن الكريم :

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا (124)﴾

(سورة البقرة)

التطبيق ، الإخلاص ، العمل الصادق .

الإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً :

لذلك الله عز وجل حينما قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

( سورة فصلت الآية : 20 )

استقاموا لازمت آمنوا ، فالإيمان بالاستقامة لا قيمة له لأن إبليس مؤمن حينما قال :

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية : 82 )

﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

الإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً ولا جدوى منه ، بدليل لو أن الشمس ساطعة وإنسان معه مرض جلدي بحاجة إلى أشعة الشمس قبع في غرفة قميئة رطبة ، وقال يا لها من شمس ساطعة مهما تحدثت عنها هذا الكلام حقيقي لأن الشمس ساطعة أنتما أضفت شيئاً أما حينما تتعرض لها ويشفى جسمك منها .

العمل الصالح أساس لقاء الله عز وجل :

من هنا قال الله عز وجل :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ (6)﴾

( سورة فصلت)

كأن الله أراد من هذه الآية أن يلخص القرآن الكريم كله

﴿يوحى إلي﴾

﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)﴾

( سورة الكهف)

لا بد من عمل ، أنا عندما أقرأ القرآن الكريم هناك مقاييس مثلاً :

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 185 )

﴿ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 185 )

أحياناً إنسان يشتري أرضاً يتضاعف سعرها مئتي ضعف يظن أنه قد فاز ، الفوز في طاعة الله ، سيدنا علي رضي الله عنه يقول : يا بني ما خير بعده النار بخير وما شر بعده الجنة بشر ، وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية . فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حينما زوى عنه الدنيا ؟ لقد أكرمه .

الدنيا ليست مقياساً للمقارنة بين البشر المقياس طاعة الله عز وجل :

لذلك الدنيا عرض حاضر ، الدنيا قاسم مشترك ، الله أعطى المال لمن يحب ولمن لا يحب ، إذاً ليس مقياساً ، أعطى الملك لمن يحب ولمن لا يحب إذاً ليست مقياساً ، فالمقياس أن أكون على طاعة الله وأن تأتي مقاييسي وفق منهج الله عز وجل ، هذا مقياس سماوي .

الدكتور عمر :

بارك الله أكرمك الله ، ولذلك دكتور راتب كره العلماء كلمات ثلاث أنا ولي وعندي ، أنا قالها إبليس ، قال أنا خير منه كانت النتيجة طرد من رحمة الله ، وفرعون قال لي : أليس لي ملك مصر ، عندي قالها قارون : إنما أوتيت على علم عندي ، فخسفنا به وبداره الأرض ، وكلنا أي سواء إبليس أو فرعون ، التي هي الفرعونية الطاغية والقارونية الكانزة والشيطانية المردية ، نحن نكرر أنا لي وأنا عندي وأنا ، لما يجلس إنسان في مجلس يكرر أنا أنا عدة مرات فاعلم أنه مريض ، نحن مصابون بها كعرب أنا .

الدكتور راتب :

تضخم الذات .

الدكتور عمر :

ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطامــاً تخر له الجبارة ساجديـنا

* * *

فما بالك إذا وصل إلى الثانوية العامة هو رضيع وسجدوا له ، لما يكبر يذهب إلى أين ؟

الدكتور راتب :

نصف العالم أخطر إنسان لا هو عالم ينتفع بعلمه ولا هو جاهل يتعلم .

الغاية من وجود الإنسان عبادة الله عز وجل :

الدكتور عمر :

دكتور عربي بعد هذه الأطروحة الجميلة والمقدمة التي فيها من الرقائق الجميلة كعادة الدكتور راتب ، يعني الكنيسة في العصور الوسطى كانت لها بعض الحقائق وبعض الأباطيل ، لا ننكر كانوا يؤمنون أن الله موجود في بعث ، الغاية من وجود الإنسان هو عبادة الله عز وجل ، هذا جزء الحقيقة وبعد هذا قضية ادعاء العصمة للبشر أن هذا لا يخطئ هذه مصيبة كبيرة مما اخترعته العقول البشرية ، حجْبها على العقل ، اتهام أي إنسان يخالف الكنيسة ، معاداة العلم ، وأصدروا قرارات بالقتل على ثلاثة من كبار العلماء حتى غاليلو لما ادعى أنه ارتد عن أفكاره وهو يموت قال بلغوا عني أن الأرض كروية وكررها ، بعض الأذناب أو كما تقول الزعانف والطابور الخامس يتكلمون من طراز العلمانيين الذي يعيشون من بني جلدتنا عن مقت النص الديني ، هل سبقهم الآخر بها ؟ هل هذا تمّ ببعد عن خط الاستقامة أو إنكار الاستقامة ، أو لأنه لا يريد أن يكلف نفسه فوق ما يريد لأن الاستقامة قد تكلفه ، تكلفه انضباطاً ، تكلفه تنازلاً عن أمور معينة ، تكلفه أن يتساوى مع الآخر ، ما محور الارتكاز في محور القضية التي طرحتها ؟

من ربح الدنيا كلها وخسر نفسه خسر كل شيء :

الدكتور عربي :

الذي تفضلتم به دكتور عمر يعود بنا إلى مكامن الداء ، ومكمن الداء عند الإنسان عقله ، العقل بمثابة السلم ، العقل يصعد السلم درجة فدرجة إلى أن يصل إلى المستوى الذي يرغب الوصول إليه ، وإذا اختل الإنسان فإنه لا يصعد درجات السلم وإنما يحمل السلم على كتفه ، هذه المشكلة ، السلم وسيلة للصعود فإذا جنّ إنسان عافاكم الله جميعاً وعافى المستمعين فإنه بدل أن يستخدم السلم ليكتشف ما كان خافياً عنه فإنه يحمله وهذا ينطبق عليه صورة سوزيف الذي كان يحمل صخرة ويصعد بها ويتكرر ، هذا شأن الذي نسي الله ، العقوبة فأنساهم أنفسهم ، وكيف ينسى الإنسان نفسه ؟ لا ينسى نفسه ، ينسى نفسه بتدسيتها ، يدسيها يخنق مؤهلاتها ، وقد خاب من دساها ، والله أكرم الناس بالوحي لكي يساعدهم على تزكية نفوسهم ، فإذا ما ترك الوحي البشر فإنهم سيدفعون الثمن غالياً ، الآن لا ننكر المكاسب المادية ، والسيد المسيح عليه السلام يقول : من ربح الدنيا كلها وخسر نفسه فقد خسر كل شيء .

والقرآن الكريم يقول : خسر الدنيا والآخرة .

تزويد الله عز وجل الإنسان بقوتين عظيمتي الشأن القوة الفكرية وقوة الممارسة :

كتب أحد الغربيين وقد أسلم ، وكان عملاقاً من عمالقة الفكر ، كان أستاذاً كبيراً في الرياضيات وإماماً في الفلسفة ، وأسلم واستقر بمصر وتوفي هناك رحمه الله ، والدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله ذكر نبذة عن حياته وسمى نفسه الشيخ عبد الواحد يحيى ، كتب كتاباً من أهم الكتب كتاباً صغير الحجم مكثفاً ، عنوانه أزمة العالم المعاصر ، ماذا يقول في هذا الكتاب ؟ قال : إن الإنسان ، وهو يتحدث عن الثقافة المهيمنة وهو أكثر الناس خبرة بها فاسأل من كان بها خبيراً ، قال : إن الإنسان ترك السماء ليكسب الأرض فضيع السماء وضيع الأرض . من أين جاء الخلل ؟

الله عز وجل زود الإنسان فيما زوده به بقوتين خطيرتين عظيمتي الشأن ، القوة الفكرية وقوة الممارسة ، القرآن الكريم دائماً يربط بين ضرورة التغذية ، القوة العقلية الفكرية ، والقوة الممارسية (القوة العملية)، مثلاً على سبيل المثال :

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا (83)﴾

( سورة الشعراء)

ما معنى ربِّ هب لي حكماً ؟ ما معنى الحكم و الحكمة كل مشتقات الكلمة العربية ؟ يعني ما معنى النهى ؟ ما معنى اللب ؟ هب لي حكماً ؟ أولاً الإنسان يشعر بأن الله عز وجل أنعم عليه بهذه القوة قوة العقل والفكر ، فيسأله بَوْصَلة ، هب لي حكماً أعطني بوصلة يتحرك بها عقلي في المجال الذي يناسبه كي لا يضيع ، لو أن الطيار الآن يطلق العنان لطيارته أو صاحب السفينة أو الإنسان في الصحراء ماذا يفعل ؟ نحتاج إلى بوصلة ، البوصلة هذه هي ما يعبر عنه بالحكمة :

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة الآية : 269 )

الله تبارك وتعالى خلق العقل جميلاً فعلى الإنسان أن يحافظ عليه :

الإنسان يستخدم في المرحلة الأولى عقله فيؤلهه ، قال أحد الغربيين : أيها الإنسان أنت لك عقل فتأله ، بصريح العبارة لا تحتاج إلى الله عز وجل ، فإذاً تنتهي المشكلة إلى أن يدس عقله في التراب وهذا الذي حدث ، الإنسان صار طينياً ، والإنسان كائن متأثر ومؤثر ، إذا عاش الإنسان فترة طويلة في مكان لا تنبعث منه إلا الرائحة الكريهة فإنه يعتاد لذلك إذا جئت به ووضعته في روضة من الرياض فواحة الزهور فإنه يقول ما هذا ؟ كن جميلاً ترى الوجود جميلاً ، والقبح قبح النظرة ، قبح البصر وقبح البصيرة إنما مأتاه قبح العقل ، والله تبارك وتعالى خلق العقل جميلاً ويأتي الإنسان بسوء استخدامه فيقبحه .

﴿ هَبْ لِي حُكْمًا (83)﴾

( سورة الشعراء)

يعني أعطني ما يقوي وينمي قوتي النظرية والفكرية تنمية لا تتجاوز بالعقل حداً ، وقديماً قال أحد الصالحين : إن العقل مثل المركب يوصلك إلى باب السلطان ولا يدخل معك إلى القصر . يعني مثلاً إنسان إذا زار أخاً له فإنه يترك سيارته هناك ويدخل على صاحب المنزل دون مركب .

الدكتور عمر :

يوصلك إليه ولا يدخلك عليه .

عدم تجريد الله عز وجل الغرب من وسائل العمل فكانت أعمالهم نفعية غير صالحة :

الدكتور عربي :

العقل يجوب الآفاق :

﴿ قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة يونس الآية : 101 )

دلائل الوحدانية ، والله تبارك وتعالى يرشدنا في القرآن الكريم أن الناس نوعان ، نوع ممكن يستدل بالصانع على الصنعة أفي الله شك ، ونوع مستواه هزيل يستدل بالصنعة على الصانع وكلتا الطريقتين موجودتان في القرآن الكريم :

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

( سورة الشعراء)

الحضارة الغربية قالت بلسان الحال وبلسان المقال لا أحتاج إلى حكمك يا الله ، ولكن الله عز وجل لن يجرد البشر من وسائل العمل فكانت أعمالهم نفعية غير صالحة ، لا أحد ينكر ، أنا دائماً أقول لأصدقائنا في فرنسا تنتقل في القطار السريع من باريس إلى مدينة ليون في ساعتين الآن قبل مونتيل المفكر الفرنسي الكبير يعني قضى شهوراً وشهور من أجل أن يصل من منطقة من مناطق فرنسا إلى روما شهوراً ، الآن في رمشة عين يأخذ الإنسان فنجان قهوة ويصل إلى إيطاليا والفنجان ما زال ساخناً ، ما الفائدة إذا انتقل الإنسان مثلاً من باريس إلى ليون وعندما وصل إلى ليون لم يجد وجهاً مبتسماً ولا يداً حانية ولا بيتاً يفتح له صدره ، ماذا صنع ؟ التكنولوجيا ألغت المسافات ولكن هل فتحت فجوة بين القلب والقلب ؟

الدكتور عمر :

باعدت .

خلط الناس بين وسائل الاتصال و بين القدرة على التواصل البشري :

الدكتور عربي :

إذاً المشكلة الناس يخلطون بين وسائل الاتصال وبين القدرة على التواصل البشري ، وسائل الاتصالات قلصت المسافات ولكن أين الوقت الذي يجده الإنسان ليجلس إلى أخيه ليأنس به ؟ وما سمي الإنسان إنساناً إلا لقدرته على الإيناس فإذا فقد القدرة على الإيناس ما صار إنساناً وهذه هي مشكلة ، لذلك كان أحد المفكرين القدامى الفلاسفة في وقت الظهر يحمل فانوساً (مصباح)قيل له كيف والشمس مشرقة ؟ قال إنني أبحث عن إنسان . هذا نتيجة الانصراف عن الله عز وجل .

الدكتور عمر :

حتى إن أبا نواس ونحن نسخر منه ، و إنما هو من الصعلكة الأدبية أنه كان يسأل رجلاً دخل عنده ابن من ؟ قال ابن آدم ، قال ظننت قد انقرض ، هذا فكر كبير .

مهمة الإنسان في الأرض :

لذلك رحمه الله مصطفى صادق الرافعي وهذا رجل ما أخذ حجمه في الأدبيات العربية أو في التاريخ العربي ، الحقيقة كان رجلاً مدافعاً عن الإسلام ، المهم له كتاب اسمه كتاب المساكين يكتب في كتاب المساكين عن شخصية الشيخ علي ، الشيخ علي ليس الشيخ علي وإنما هو رجل على باب الله ، كبير ، يقال في البلاد العربية الشيخ فلان لأنه رجل درويش أو كذا ، يقول عن الشيخ علي : داره يفترش الأرض ويلتحف السماء ، يجلس الشيخ علي على عتبة داره فيرى الناس وهم يمرون يقول القاعد منهم يا رب أعطيتنا الصحة فأين المال ؟ وثان يقول يا رب أعطيتني المال فأين الصحة ؟ وثالث يقول يا رب أعطيتني المال والصحة فأين السعادة ؟ فيرد الشيخ علي قائلاً : يا رب كل هؤلاء صور فأين الأصل ؟ أين آدم الذي أسكن الجنة ثم أسكن الأرض برضوان من الله ولم ينزل بخطيئة وإنما أعطي منهجاً ليسلكه ، ولعل الدكتور راتب ذكرنا بمهمة العلم حتى فرق القرآن أعزكم الله بين الكلب الجاري والكلب المتعلم :

﴿ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ (4)﴾

( سورة المائدة)

لما يمسك كلب الصيد الصيد آكل منه ، والكلب الغير مدرب ....، هذا فرق بين الكلاب ، جاهل وعالم ، دكتور راتب ونحن ننتقل من خاصية إلى خاصية .

العقل ليس حكماً على النقل لأن النقل مرتبط بالوحي :

الدكتور راتب :

أنا أريد أن أعلق ، أولاً لي صديق كان في لندن ففي طريق مزدحم أشد الازدحام وقعت امرأة مسنة وبينه وبينها حوالي خمسون متراً والطريق مزدحم ولا أحد انتبه إليها أو أنهضها أو أعانها إلى أن وصل إليها فلما أنهضها سألها عن حاجتها ؟ قالت له كلمة قالت له أنت لست من هذه البلاد .

وضع إنسان على طريق كثيف جداً في أوربا مع سيارة ارتكبت حادث وهو في حبر أحمر أمامه كأنه مجروح ، بعد ست ساعات وقفت مركبة تبحث عن مساعدته .

الدكتور عمر :

لو كان حقيقة لمات .

الدكتور راتب :

هذه المساعدات ، أما شاب أحب فتاة هناك فاستأذن والده من الزواج منها قال له لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري ، أنا أعلق على كلمة قالها الدكتور عربي أنهم ضحوا بالسماء من أجل الأرض فخسروا السماء والأرض معاً ، فلما أحبّ ثانية قال يا أبي هذه فتاة أحببتها ، قال له : أيضاً هذه أختك وأمك لا تدري ، الثالثة كذلك فضجر من أبيه وشكا إلى أمه قالت له خذ أياً شئت أنت لست ابنه وهو لا يدري ، فحينما يسقط المجتمع ، فلذلك تعليقي على علاقة العقل بالنقل طبعاً هناك من ألّه العقل أو اعتمده مقياساً مطلقاً في المعرفة كما فعل الغرب ، وهناك من أله النقل وجاء بنقل غير صحيح فصادم العقل ، أنا أقول مهمة العقل مع النقل أولاً أن يتأكد من صحة النقل ، ثانياً أن يفهم النقل ، أما أن يكون حكماً على النقل الصحيح مستحيل لأن النقل مرتبط بالوحي .

الدكتور عمر :

يعني موضوع نقد النص الديني هذا كلام هراء إذا كان الغرب قد سار .

الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط :

الدكتور راتب :

حتى أوضح الفكرة لو فرضنا أنا أيقظنا عالم من قبره قبل خمسين عاماً وقلنا له أن هذا القرص المدمج فيه خمسة آلاف وخمسمئة وخمسة وخمسين عنواناً وليس كتاباً يعني أربعين جزءاً هل يصدق ؟ عقله مرتبط بالواقع ، أما الوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة ، لذلك العقل مع النقل يتعاونان ، العقل للتأكد من صحة النقل أولاً ولفهم النقل ثانياً أما أن نجعله حكماً على النقل ، وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن العقل مقياس أودعه الله فينا وأن الفطرة مقياس عاطفي أودعه الله فينا نكشف بالفطرة خطأنا وبالعقل نتعرف إلى ربنا ، وأعطانا واقعاً له قوانين تحكمه وأعطاناً نقلاً عنه (الكتاب والسنة)، هذه الأشياء الأربعة مصدرها الله عز وجل ، وفي الرياضيات الأشياء التي تساوي شيئاً واحداً فهي متساوية فيما بينها .

أنا أعتقد أن الحق ما جاء به النقل الصحيح وقبله العقل الصريح وارتاحت له الفطرة السليمة وأكده الواقع الموضوعي .

مهمة الداعية في إقناع الإنسان التائه :

الدكتور عمر :

عظيم دكتور راتب ، لي سؤال شاب أمامه طريقان إنا هديناه النجدين ، طريق بعض من أصدقائه أو من المقربين إليه في عمره يعيشون الأيام بالطول والعرض ويبدو على ظاهرهم أنهم سعداء يطبلون مع من يطبل ويزمرون مع من يزمر ويدخنون مع من يدخن لا موانع تمنع ، والأب يدعي الغباء والأم تدعي أنها ، وهناك طائفة أخرى من عمره عرفت طريق العلماء والمسجد والتقوى والعمل الصالح وهو مذبذب حيران لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وجاء ليعلن حيرته بين يدي شيخه أو من استراح أنه سوف يأخذ منه الخير ليبدأ الطريق ماذا يقول له الدكتور محمد راتب النابلسي بطريقته المعهودة في تيسير الأمور وفي اقناعه عقلياً وعاطفياً بصحة المنهج ؟

مهمة كل داعية أن يبين نتائج العمل لا أن يجبر الإنسان :

الدكتور راتب :

يقول له : شاب يركب دراجة يمشي على طريق مستوية وصل إلى طريقين الأول هابط والآخر صاعد ، الهابط مُعبد حدائق ورود أشجار نسمات عليلة والصاعد حفر وأكمات وغبار ، فطرته ، ميله ، شهواته ، رغبته ، طلبه للراحة ، يقتضي أن ينزل في الطريق الهابط ، راكب دراجة ، ما في محرك ، شيء مريح جداً لراكب الدارجة أن يهبط ، والصاعد حفر وأكمات وغبار ، طبعاً الإنسان حينما يعاين الشهوات ينحاز إليها لأن الشهوة في الأصل تريح الإنسان مزينة ، بالمناسبة الشهوات محسوسة ، في مركبة فارهة ، في بيت جميل ، في امرأة جميلة محسوسة تراها بالحس ، والآخرة خبر في القرآن غيبي ولولا هذا الغيب لما كانت الجنة أساساً ، أول آية قرآنية في البقرة :

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

( سورة البقرة )

فهذا الشاب طبيعته ، فتوته ، شبابه ، شهواته ، ورغباته تقتضي أن ينزل لكن وضعت لوحة قبل الطريق النازل أن هذا الطريق ينتهي بحفرة ما لها من قرار فيها وحوش جائعة ففي دقائق يكون قد أكل ، في نص والنص الآخر هذا الطريق الصاعد المتعب ينتهي بقصر منيف هو لمن دخله ، هذا البيان الواضح مع الأدلة قد يعكس قراره ، أما ما قولك إذا في منظار ملامح الحفرة وملامح القصر ؟

الدكتور عمر :

يعني صار الأمر الغيبي صار محسوساً ، هو رأى بالمنظار أن هذا الطريق ينتهي إلى هذه الحفرة التي ملئت بالوحوش المفترسة التي تنتظر .

الإنسان حر مخير لولا أنه مخير ما ثُمن عمله :

الدكتور راتب :

مهمة الداعية إذاً أن يقنع الإنسان الحائر أن طريق الانحراف صار سهلاً بسهوة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْآخرة حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، و إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِشَهْوَةٍ ))

[ ضعيف عن عبد الله بن عباس ]

الإنسان حر مخير لولا أنه مخير ما ثمن عمله ، فمهمة الداعية لا أن يجبر ، الله ما أجبر ، الإله العظيم ما أجبر مهمة الداعية أن يُري نتائج العمل .

مرة شاب جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال ائذن لي بالزنا ، الحديث معروف النبي ما عنفه ولا ضربه ولا طرده قال تعال يا عبد الله أتريده لأمك ؟ تصور أمه تزني فغلى دمه قال لا ، ولا الناس والحديث معروف ، أنا حينما أقنعه بالدليل ، مرة أذكر أن إنساناً إذا ملك الحجة القوية يحرج الطرف الآخر ، هو شاب يبحث عن سعادته ، فالسعادة موهومة غير صحيحة .

الجهل أكبر عدو للإنسان :

إن أزمة أهل النار في النار هي الجهل ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، أنا أرى دكتور عمر من أعداؤنا الحقيقيون ؟ في أعداء تقليديون الاستعمار والصهيونية ، أنا أرى أن العدو الحقيقي هو الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به . أضرب مثلاً صارخاً في بعض المطارات العربية عامل تنظيف طائرات أثناء تنظيف الطائرة اكتشف أن هناك حجرة واسعة للعجلات فإذا جلس فيها انتقل من بلد إلى بلد بلا ثمن وبلا فيزا وبلا شروط فظن نفسه أنه ذكياً جداً ما إن صعد وقعد على أرضية هذه الغرفة وطارت الطائرة أنزل الطيار الأرضية ليرفع العجلات فنزل ميتاً ، أنا أقول ما الذي قتله ؟ جهله ، عندنا مزارع عنده بيوت بلاستيكية غلتها عالية جداً فاشترى سماداً وكانت التعليمات الدقيقة أن يضع لتراً في كل برميل وضع لترين ففي صبيحة اليوم التالي وجدها مسودة ، فأنا أرى أن أكبر عدو للإنسان هو الجهل . والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .

الدكتور عمر :

دكتور راتب هذا الجاهل المطلوب منه أن يطرق باب العلم ، يتعلم الطريق إلى الله ، الرجل راعي الغنم في البادية والرجل الذي يمشي وراء الجاموسة في البلد عندنا لم يدخل المدرسة ولكن عنده من التوحيد وعنده من اليقين وعنده من التوكل وعنده من العلم ما لو حدثنا لبكينا .

استقامة الإنسان يبنى عليها كل شيء :

الدكتور راتب :

سيدنا ابن عمر : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال له الراعي : ليست لي ، قال : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، يقول الراعي : ليست لي ، يقول له : خذ ثمنها ، يقول له الراعي : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟

دكتور عمر أنا إيماني أن هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين ، وفي اللحظة التي نقول نحن جميعاً أين الله ونخشى أن نعصيه ننتصر ، لأن القضية مع الله قضية واضحة جداً ، أنا أذكر دائماً في العالم الغربي في استقامة أسميها استقامة إلكترونية ، بدليل أنك إذا دخلت إلى سوق وفي مليارات الدولارات وأخذت حاجة ولم تدفع ثمنها في مادة تصفر ترى الأبواب أغلقت ، فما في أحد مستقيم بدليل في بعض الليالي انقطعت الكهرباء ارتكبت مئتا ألف سرقة (ثلاثين مليار)، نحن ديننا دين عظيم لكن أين الله ؟

إن لم نستقم ليست كلمتنا هي العليا وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل :

أنا حينما أربي إنساناً يضع يده على جوهر الدين ، حينما يستقيم على أمر الله ، وكنت قلت في لقاء سابق بمعيتكم بارك الله بكم أن الاستقامة يبنى عليها كل شيء بل هي الواحد وأمامها الأصفار ، أما إن لم تكن هناك استقامة لا يبنى عليها شيء ومهما كنا نعد المليار و الخمسمئة مليون إن لم نستقم ليست كلمتنا هي العليا وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل وكل وعود القرآن الكريم الرائعة :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

نحن لسنا مستخلفين في الأرض :

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

ونحن أيضاً لسنا ممكِّنِين في الأرض .

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

نحن غير آمنين فنحن عندئذ ما في حل آخر ، الكرة في ملعبنا ، أنا لست متشائماً إطلاقاً أنا والله ممتلئ تفاؤلاً الكرة في ملعبنا وإن تعودوا نعد .

الدكتور عمر :

ونحن نتفاءل معك دكتور راتب شكر الله لك .

ما سبب تفلت الإنسان من دين الله عز وجل ؟

دكتور عربي أرنولد تويمبي له مقولة أنت أعلم بها منا يقول : إذا ظللنا نطارد الرجل التركي ونهاجمه لكي يترك دينه لأنه كان ينظر إلينا من علٍ كأننا خنازير برية فلما ترك دينه واتبعنا احتقرناه لأنه لم يعد عنده ما يعطيه .

هذه مقولة خطيرة جداً هذا الرجل أنا أحزن لأنه مات على غير الإسلام ، هذا الرجل وضع يده على كبد الحقيقة ، نحن نريد أن نتفلت أو بعضنا يريد أن يتفلت من دين الله عز وجل ، ماذا نكسب من هذا التفلت ؟ هذا تويمبي يقول هذا الكلام العجيب ، الغرب ينظر إلى الرجل المسلم ، كانت المرأة إذا أرادت أن تخيف طفلها تخيفه بالعسكري التركي مع تحفظنا على بعض الأمور ، هذا التراث لكن هذا النور نور الله عز وجل الكتاب والسنة وإسلامنا وديننا ، يريد بعضنا أن يقلد الآخر في أن ننسحب بعيداً عن الدين ما الذي نستفيده ؟ ما قيمتنا ؟ لقد قال عمر كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله . ماذا ترى دكتور عربي ؟

الدكتور عربي :

دكتور عمر كعادتك تقود بنا إلى جذور الظواهر الاجتماعية .

الدكتور عمر :

قبل أن ندخل على الجذور نلتقط أنفاسنا بهذا الفاصل .

مرحباً بكم مرة أخرى ونحن نتواصل في هذه الحلقة كلمات مضيئة وأنا سعيد بأن أقطف ثمرات وأزاهير ذات اليمين وذات اليسار من الدكتور محمد راتب النابلسي ومن الدكتور عربي الكشاط الذي معذرة أوقفناه قبل الفاصل وأنا أعرض عليكم مقولة تويمبي العقل الكبير الذي يقول إنا طاردنا الرجل التركي حتى يترك دينه لأنه كان ينظر إلينا من عل كأننا خنازير برية فلما ترك دينه واتبعنا احتقرناه لأنه لم يعد عنده ما يعطيه .

هذه الكلمة كبيرة كبيرة ونريد أن نسمع تعليقكم الكبير بارك الله بكم .

إدراك تويمبي سر القوة الموجودة عند المسلمين المستضعفين :

الدكتور عربي :

أنا الآن أبدأ بتعليق على كلمة العبقري الكبير تويمبي ، و تويمبي له سلف عندنا ابن خلدون ، ما الفرق بين تويمبي وابن خلدون ؟ أولاً الفرق الزمني وثانياً تويمبي وجد أمامه ذخيرة لغوية استطاع أن يعبر بها عن أفكار كان ابن خلدون يبحث لها عن مصطلحات ، وبين رجال الفكر صلة ، لأن العلم رحم بين أهله ، فالحقيقة تويمبي وضع يده على هذه الحقيقة أولاً ما الذي جعل المسلمين الذين ظلوا ردحاً من الزمن تحت الهيمنة ....

والدليل أننا إذا بحثنا في ماضيات قروننا نجد أناساً عرفوا نصف كلمة ، قالوا لنا انفصلوا وانسلخوا من دينكم ، فالرجل الذي كان يقود الجاموسة كما تفضلت هذا رجل الفطرة ، كنت تسأل أحدهم من أبناء المسلمين وهو يعاني ما يعاني وينظر إلى ما حوله فيلاحظ الفرق المادي ملاحظة واضحة ماذا كان يقول ؟ لنا السماء ولهم الأرض ، أنا لا أقول هذا تبريراً لا ، لا يجوز لنا أن نتأخر مادياً ، يذكر المفكر الفرنسي الكبير رونوه الذي قال مقال في الإسلام وردّ عليه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو قال كان يتحدث إلى موريتاني بسيط راعي وكان رونوه عقلية كبير لكن كان ينظر من علٍ إلى هذا الراعي الموريتاني فتركه يتحدث يتحدث عن فضائل الحضارة الغربية وسمو الإنسان الغربي قال له اسمع نحن لنا السماء وأنتم لكم الأرض ، واعترف بهذا مكتوباً فأفحمه ، إذاً تويمبي أدرك سر القوة الموجودة عند هؤلاء المستضعفين المسلمين .

سيدنا بلال رضي الله عنه في ظاهر تاريخياً كان يسمى عبداً وسادته كانوا يسمون أحراراً ، لكن الواقع النفسي لبلال منذ شرح الله صدره بالإسلام كان حراً على الرغم من أن الناس يعتبرونه عبداً ، إذاً المشكلة نفسية داخلية ، وإشارة سبابة بلال رضي الله عنه التي كانت تشير ، أولاً إلى ماذا كانت تشير ؟ إذا رأى الأرض حوله وجد نفسه مقيداً فكان يشير إلى أن الأفق الذي تتحرك فيه أفكاره ، أفق أعلى من المضيق الذي كان يتخبط فيه أهل قريش ، هكذا المسلم .

على كل إنسان أن يخرج من مضيق العقل البشري إلى الأفق الأعلى :

أيضاً لما القرآن الكريم كل مرة يطلب إلينا شيئاً يقول الله عز وجل : تعالوا ، اخرجوا من مضيق العقل البشري الأرضي ، تعالوا ، والإنسان أحياناً إذا يمشي بمدينة من المدن والدخان يرتفع وضجيج السيارات فإذا ما رفع رأسه إلى السماء ارتفعت الآفاق نحوه ، لما تعقدنا في بلادنا نقلنا حتى المعمار طريق بناء البنيان مثلاً العمارات الشاهقة ، دراسات نفسية واجتماعية أثبتت أن سكان المدن الكبيرة حيث ترتفع العمارات الشاهقة تقلل من قدرة الإنسان على التفكير ، تويمبي يقول في البداية قمنا برد فعل نحو هذا التركي الذي كان بالرغم من تحكمنا فيه كان يستعلي علينا وبذلنا كل الوسائل لإخراجه من الإسلام احتقرناه لماذا ؟ الإنسان مهما كان ولو كان عدواً شاء أم أبى يعشق أمرين ، يعشق الجمال والكمال ، أي إنسان ، ولذلكم فإن الله عز وجل أكرمنا بأن نستنشق عبير جماله وجلاله من خلال تعاملنا الصادق الفعال مع أسمائه الحسنى :

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (180)﴾

( سورة الأعراف)

في مرة من المرات كان شيخ يعلم التلاميذ فن التوحيد فلما خرجوا رأوا شيخاً آخر قال لهم مازحاً ماذا كنتم تتعلمون ؟ قالوا كنا نقرأ علم التوحيد ، إنسان بسيط أمي قال لهم التوحيد ؟ لماذا تتعبون أنفسكم ؟ أشار إلى شخص كان يبيع الحطب وكان يعرفه ، هذا الشخص كان من أثرياء الناس وتقلبت الأيام قال انظروا وحدوا الله عز وجل ، الحياة يوم لك ويوم عليك والثابت والباقي إنما هو الله عز وجل .

الجاهل هو الإنسان الذي امتلأ رأسه بالأفكار الخاطئة :

ذكرت كلمتين ذكرت لنا الفرق بين الرجل الذي يسوق جاموسته في البادية ورجل آخر من عندنا ، الرجل الذي يسوق الجاموسة رجل أمي ، الأمية في هذا السياق نعمة لماذا ؟ الأمية عبارة عن صفحة بيضاء ، مشكلتنا ليست من الأميين مشكلتنا من الجهلة ، ما معنى الجهلة ؟ هم الذين يملؤون رؤوسهم بأفكار خاطئة أو الأفكار مثل الفواكه ، إذا كانت فاكهة معطوبة الطبيعة البشرية تعافها ، وإذا كانت فاكهة سليمة فإن النفس تنشرح لها ، جرب قطة أعطها قطعة لحم غير سليمة تشم تبتعد ، حتى الفأر ، عادة الفأر لا يبالي ، ولكن الفأر إذا وجد نفسه أمام ما يمكن أن يتغذى به فإنه يعرف الفرق بين الذي يناسبه والذي لا يناسبه ، بعض المعقدين عندنا ذهبوا إلى مكان القمامة الفكرية ، إنسان يذهب إذا كان بحاجة إلى التغذية يذهب إلى مطعم محترم نظيف ، هم بعضهم يذهب إلى مكان القمامة ويلتقط القمامة ، والقمامة تحتوي على بقايا أغذية لكنها ميتة ويا ليتها ميتة فقط ولكنها مميتة مضرة .

إذاً هذا الشخص الجاهل الذي امتلأ رأسه بأفكار خاطئة يضيف إلى امتلاء رأسه بالأخطاء التقاط القمامات .

الدكتور عمر :

ورجعوا دكتور عربي إلى بلادنا ليصيروا أعلاماً للأدب والفكر والفن .

تمجيد الإسلام للفكر :

الدكتور عربي :

هناك في شبكة هيأت الأرضية ، ففي استراتيجية ، أولاً استراتيجية عبّر عنها تويمبي سابقاً نشكره على ذلك هو قال فعلنا وفعلنا ، شعرنا بأنه يحتقرنا ، ثم حاولنا ، في شبكة في الخفاء يدير خيوطها جن مختف ، لماذا ؟ فيأتي هذا الرجل فيعيش في وسط ملوث ، أنت كنت تفضلت في حوارك مع الدكتور راتب حول مسألة خطيرة شاب ، الشاب الذي يأتي للعالم يستفتيه أو للمفكر يسترشده هذا مازالت عنده فطرة وإلا ما جاء ، المشكلة أنه يعيش لحيظات في المسجد ترتفع فيها درجة حرارة الإيمان حينما يخرج يجد الجو مغاير ، ملوثات ، فهذه البيئة ماذا تنتج ؟ تنتج إنساناً مقلداً ، وقديماً قال علماؤنا لا فرق بين مقلد ينقاد وبهيمة تقاد ، فنحن يجب علينا أن ننشئ ثقافة تجعل أبناءنا يشعرون بأنه لا يليق بكرامة الإنسان أن يكون بهيمة تنقاد ولذلك الإسلام مَجَد الفكر .

الاستقامة يجب أن تكون عطر نوايانا وأفكارنا ونظراتنا و سلوكنا :

انظروا :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى (46)﴾

( سورة سبأ )

نحن ما عندنا مشكلة لماذا القرآن الكريم نقل مقولات السفهاء ؟ وما الهدف من كل هذا :

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)﴾

( سورة فصلت)

إذاً هناك نتحدث عن الاستقامة ينبغي أيضاً أن لا يوحي حديثنا أننا نتحدث عن شخص أو عن صفة موجودة في بلاد الواق واق ، لا ، الاستقامة أولاً مثل العطر إذا كانت زهرة الواحد أولاً يحدد مكان العطر الزهرة كلها عطر ، فالاستقامة يجب أن تكون عطر نوايانا وعطر أفكارنا وعطر كلماتنا وعطر نظراتنا وعطر صمتنا وعطر سلوكنا :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63)﴾

( سورة الفرقان)

المجتمع السليم مجتمع يتمتع بقيم نبيلة :

ليس المقصود بالدرجة الأولى السلام اللفظي ، لا ، الموقف ، استقامة ، إذاً تصبح الاستقامة مفهوم الاستقامة عبارة عن تيار ينتقل من الفضاء النفسي إلى الفضاء الفكري إلى الفضاء القولي إلى الفضاء المواقفي مواقف السلوك ، فعندما يأتي شاب مثلاً في الشارع ويرى الشارع كظاهرة اجتماعية يسير في اتجاه واحد ولم يكون مضطراً لمغالبة التيار ، المشكلة الذي يستقيم عندنا ويخرج إلى الفضاء الاجتماعي يجد نفسه مطالباً بمقاومة التيار ، يسبح ضد التيار وهذا لا يقدر عليه إلا القلائل ، ما العمل ؟ نحن لا نقول إن المجتمع يجب أن يكون مجتمعاً ملائكياً نخطط ، الإسلام ما أنكر بذور الفساد في طوايا الإنسان ، الإسلام ينصحنا أن لا نترك الفساد ينتشر حتى لا يتبعثر ، مثلاً في بريطانيا إذا شخص سرق يشعر بأن هذا شاذ هذا المجتمع السليم ، المجتمع السليم وكل مجتمع عنده قيم ، أنا قرأت آية عجيبة الله عز وجل يقول لسيدنا موسى عليه السلام :

﴿ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

( سورة طه)

ما العلاقة بين الصلاة والسعي ؟ إذاً الصلاة تكيف السعي تجعله سعياً سليماً ، تجعله سعياً مستقيماً وفق البوصلة ، البوصلة الداخلية وأضيف وأختم العالم المعاصر أبدع في تثمين قيمة الوقت لكن مع كثرة الساعات الموجودة عندنا وهو دقيقة لتحديد الوقت فإننا فقدنا البوصلة ولذلك فإن الفطرة تصرخ تبحث عن جهة الشمال .

الدكتور عمر :

بارك الله فيك دكتور عربي ، هذا الكلام العطر الذي سمعناه دكتور عربي وهذا التوضيح والتحقيب المعرفي إذا أردنا أن نقول ، دكتور راتب هل لك من تعليق ؟

الجنة دار من عمل لها و ترك الدنيا :

الدكتور راتب :

طبعاً ، أولاً دخل سيدنا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينام على حصير ، وقد أثر في خده الشريف ، فبكى عمر ، فقال له : يا عمر ماذا يبكيك ؟ قال له : رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! أنا قرأت لهذا الحديث روايات ثلاث ، الأولى قال يا عمر أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ، هذا أكبر ما ينسينا واقعنا المؤلم ، الشيء الثاني قال : يا عمر إنما هي نبوة ، وليست ملكاً ، قال يا عمر أنت في شك من هذا ؟

إذاً الإنسان إذا فاتته الدنيا وقد جهد من أجل تحصيلها مما يعزيه أن الله عز وجل وعده بجنة عرضها السماوات والأرض ، النقطة الثانية نحن نظن أن الجاهل إنسان ليس عنده معلومات ممتلئ معلومات ينطلق هذا من تعريف للعلم دقيق هي علاقة بين شيئين تطمح إلى أن تكون قانوناً ، علاقة ثابتة مقطوع بصحتها يؤيدها الواقع عليها دليل ، فلو ألغي الدليل لكان تقليداً ، لو ألغي الواقع لكان جهلاً ، لو ألغي القطع لكانت وهماً أو ظناً أو شكاً ، فإذاً العلم الذي نبحث عنه هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل .

حياة الإنسان متوقفة على إمداد الله عز وجل :

في شيء آخر ينبغي أن نشير إليه هو أن الله عز وجل أورد في القرآن الكريم كلمة عبيد وكلمة عباد ومن أجمل ما قرأت حول هذين المصطلحين القرآنيين العبيد جمع عبد القهر والعباد جمع عبد الشكر ، فالإنسان عبد لله شاء أم أبى لأن حياته متوقفة على إمداد الله له فالإنسان في قبضة الله .

الدكتور عمر :

يعني عندنا عبد عبادة وعبد عبودة .

الدكتور راتب :

فأي إنسان قطر شريانه التاجي الذي يمد قلبه بالدم يحدد نشاطه وصحته في يد الله ، سيولة دمه تحدد صحته ، نمو خلاياه ، فالإنسان في قبضة الله هذا عبد القهر ، الله عز وجل كل عباده عبيد له ، لكن الذي عرف الله مختاراً فكر في خلق السماوات والأرض ، قرأ كتابه ، أحبه أقبل عليه ، خدم عباده ، هذا عبد الشكر فلذلك :

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾

( سورة الفرقان الآية : 63 )

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾

( سورة فصلت الآية : 46 )

الدين ما هو إلا ممارسة لمنهج الله في بيتنا وعملنا وفي الطريق :

يوجد شيء آخر الحقيقة أنا هذا إيماني ، الدين أين مكانه ؟ أنا أرفض أن يكون مكان الدين المسجد ، في المسجد تتلقى التعليمات وفي المسجد تقبض الثمن ، الآن مندوبي المبيعات يأتون إلى الشركة صباحاً يأخذون التعليمات والأسعار يأتون مساءً يدفعون الغلة ويقبضون الأجرة ، أنا الدين في العيادة ، في المكتب الهندسي ، في مكتب المحامي ، في السوق في الحقل حينما نفهم الدين أنه ممارسة لمنهج الله في بيتنا وفي عملنا وفي الطريق :

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ))

[ ورد في الأثر ]

(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

السيدة عائشة وصفت أختها صفية بأنها قصيرة فقال عليه الصلاة والسلام :

(( يا عائشة ، لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

[ أبو داود ]

أنا مؤمن أن الله عز وجل يعاقب ، لكن لولا أنه يعاقب لا قيمة لهذا المنهج ، أي قانون لا بد له من مؤيد قانوني من عقوبات ، الله عز وجل يعاقب ، لذلك أنا أرى أن كل مصيبة على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة هي بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل والجهل أعدى أعداء الإنسان .

الدكتور عمر :

الشاب ما زلت مع بعض الشباب لأنهم أمل الأمة .

من توجه إلى الله عز وجل أذاقه طعم القرب منه :

الدكتور راتب :

ريح الجنة في الشباب ، هم المستقبل سيدي .

الدكتور عمر :

يأتي الشاب وهو يقول لك أنت تطلب مني أن أكون حليماً وأن أكون شفوقاً بالناس حنوناً على الناس إلى آخره والناس يؤذونني ، القريب يجفو والبعيد يغتاب والزميل يطعن في الصدر والمدير يؤذي والموظف يخون ، أنا أعيش في غابة وأنت تطلب مني أن أكون حملاً وديعاً وسط الذئاب ، وقالوا له خطأ إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب ، أخرجني من غابة الذئاب إلى أو أعطني جرعة عملية أستطيع أن أحمي نفسي من أن أكون ذئباً .

الدكتور راتب :

يا سيدي لو أن مستنقعاً آسناً فيه مياه سوداء وأطفال يسبحون ويضحكون ويمرحون ويلعبون ويطربون ومرّ إنسان كان في حمام وقد نظف نفسه وتعطر ولبس ثياباً جديدة ، أنا لا اصدق أن يكون في الأرض إنسان دخل حمام وتنظف ولبس ثياباً يتمنى أن ينزل في هذا المستنقع الآسن .

الدكتور عمر :

دكتور راتب هو لم يدخل الحمام .

الدكتور راتب :

أنا مهمتي الأولى أن أدخله الحمام ، أن أعطيه مقياساً ، أولاً الله عز وجل مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يتوجه العبد إليه ولا يذيقه طعم القرب .

الدكتور عمر :

لكن بصدق .

الدكتور راتب :

أنا حينما أقنع هذا الشاب أن يستقيم على أمر الله ولو لفترة حتى تنعقد هذه الصلة ، حتى يشعر بالقرب من الله .

كيفية إقناع الناس بمنهج الله عز وجل :

الدكتور عمر :

بنت جامعية أو تخرجت من الجامعة أو تزوجت زوجها يقول لها لو تحجبتِ لتزوجت عليك ، وأمها تقول لها أنت هكذا تتحجبي ، تلبسي خيمة كالغراب ، وبعد ذلك ابنة خالتك ما شاء الله شعرها يطير في كل الدنيا وتضع في وجهها الأسود والأحمر والأخضر ، كيف نحبب أو نقنع أو نقرب المسألة أن حجابها بالمقياس أيضاً (ليس كل واحدة تحجبت ، نحن نرى الآن حجاب أمريكي وحجاب ، حتى بيوت الأزياء يقولون حجاب للسهرة وحجاب الصباح ما علينا من هذا الكلام)، أريد أن أقنعها بالمنهج وبالمقياس وأجمل لها مسألة كيف تستشعر حلاوة هذا الأمر رغم أنها ترى أن الأمر خطير جداً لو تحجبت لربما سخر منها الناس أو هكذا شيطانها يقول لها .

1 ـ تنمية القناعات :

الدكتور راتب :

أنا أتصور أن الشهوات قوة كبيرة أودع الله في الإنسان شهوات وأن القناعات قوة كبيرة ، فأنا حينما أنمي القناعات ، أنا أشبه ميزان فيه عشرة كيلو شهوات وسمع محاضرة خمس غرامات ، لا تقوى هذه على مكافحة هذه الشهوات ، المحاضرة الثانية والثالثة إلى أن تصبح وزن قناعاته عشرة كيلو يدخل بالصراع .

الدكتور عمر :

يعني نسلط التيار النظيف على الماء العكر .

2 ـ الاستماع للحق مع الأدلة :

الدكتور راتب :

شيء آخر ، الإنسان حينما يستمع للحق مجرداً كفكر كأدلة قد لا يقنع ، أما حينما يرى إنساناً أنيقاً نظيفاً مثقفاً صادقاً أميناً ، نحن دائماً دكتور عمر جزاك الله خيراً قد نعجب بأستاذ في الجامعة متبحر في العلم لكن لا نحبه قاسي متكبر مثلاً ، وقد نحب أحد أقربائنا البسطاء وقد لا نقدر علمه جاهل ، أنا حينما أرى المؤمن بسيطاً ، أفقه محدود ، مستقيماً ، هيئته لا ترضي كثيراً ، عمله غير متقن ، لكنه صالح صاحب دين ، أنا هذا النموذج لا يثيرني إطلاقاً ، وحينما أرى إنساناًَ متكلماً فصيحاً متعلماً لكن لئيماً قاسياً أنا حينما أعثر على إنسان بقدر ما تحبه تحترمه ، بقدر ما تحب أخلاقه الرضية تقدر علمه ، فأنا أريد داعية أريد إنساناً يكون مثلاً أعلى ، هذا الشاب أقنعه .

3 ـ البيئة :

البيئة الآن .

الدكتور عمر :

البنت هذه وبنات خالاتها وبنات عماتها وزميلاتها في الجامعة أو زميلاتها في العمل ينظرن إليها هي تظن هكذا باحتقار إذا تحجبت ، أو إذا لبست الحجاب الشرعي كما أمر الله أن يكون فضفاضاً واسعاً ، يعني نص نص قليل شعر ، قليل لا أعرف ، نريد أن نذيقها حلاوة الطاعة .

الدكتور راتب :

لا بد أن أشير أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن آخر الزمان :

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر ؟ قالوا : أوَ كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة بسند فيه ضعف ]

أما أخطر حالة الحالة الثالثة ، قال :

(( كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ))

نحن في زمن صعب ، القابض على دينه كالقابض على الجمر .

عدم احترام ديننا إلا إذا تفوقنا في دنيانا :

لذلك لا بد من أن يكون هناك نماذج متفوقة في الدعوة تجمع بين الدين والدنيا ، أنا لي كلمة مشهورة وما لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك ، مهندس أول ، طبيب أول ، صناعي أول ، بقدر ما هو متفوق في دنياه متفوق في دينه هذا يشد البصر ، أما إنسان بسيط درويش كما يتكلمون معلوماته محدودة صالح مستقيم ، الآن بعصر صعب .

الدكتور عمر :

نريد القوي الأمين .

الدكتور راتب :

لذلك نحن في عصر الإسلام محجوب بالمسلمين ، الإنسان حينما يرى المسلم متفوقاً ، أنا أريد داعية متفوقاً ، داعية أنيقاً ، داعية نظيفاً ، ذواق عالي جداً ، فصيح ، متكل ، علمه جيد .

الدكتور عمر :

أنت واحد منهم .

الدكتور راتب :

أستغفر الله ، هذا الذي يلفت نظر الشاب .

4 ـ الابتعاد عن الناس المتفلتين الذين يسخرون من الدين :

شيء آخر مادام هناك تداخل ، هناك علاقات حميمة وهناك علاقات عمل ، العمل لا تؤثر ، أما ما دام أعيش مع أناس متفلتين مع أناس يسخرون من الدين ، أنا لا أقوى على مجاراتهم فلا بد من أن أعطي طالب العلم حمية اجتماعية قليلة ، حمية اجتماعية ومنطق قوي ونموذج راقٍ ، هذا الشاب ، الإنسان يحب وجوده ويحب سلامة وجوده يحب كمال وجوده يحب استمرار وجوده ، أقول لكم بصدق الذي انصرفوا إلى الدين واصطلحوا مع الله أحياناً بسبب نموذج راق جداً ، والذين انصرفوا عن الدين بسبب داعية مقصر .

الدكتور عمر :

شكر الله لك ، دكتور عربي ونحن نتزود من أروقة التاريخ معك وتاريخ الفكر الغربي سارتر كتاب تأملات في المسألة اليهودية كان يقول إن اليهود عندهم متهمون بثلاثة أمور جمع الذهب ، نشر العقلانية في مواجهة المسألة الدينية ، ثالث أمر تعرية الجسد البشري ، وقرأت له بعد ذلك تبريرات عجيبة لهذه الثلاث التافهة لا تقوم في ميزان العلم ولا في ميزان الفلسفة ، أنا أفتح لك عنواناً ونترك لك الحديث .

علينا أن نهتم بحياتنا الاجتماعية و نعتني بها :

الدكتور عربي :

في إطار ما جرى الحوار الذي تفضلتم به يشد انتباهنا إلى ضرورة الاهتمام بمايلي ، الإنسان أي إنسان يتأثر بالمكان ويؤثر في المكان سلباً وإيجاباً ، قبل أن أعود إلى سارتر ، هذا الشاب معه حق يعيش في وسط متناقض ، نحن تعلمنا في كتاب الصلاة في كتب الفقه المصلي يجب أن يكون المكان الذي يصلي به طاهراً وأن يكون الثوب طاهراً وإلى ذلك لماذا لا نسحب هذه المطالب على حياتنا الاجتماعية .

الدكتور عمر :

ليس الأمر التعبدي فقط .

الدكتور عربي :

البعد الاجتماعي لطهارة المكان وروحانية الزمان ، مثلاً انظر إلى العمارة تدخل على كنيسة من الكنائس ، وإلى مسجد من المساجد ، الكنيسة تجدها مشغولة بالصور والتماثيل ، الإسلام ينشط ، الكنيسة تجدها من الناحية المعمارية ما عدا بعض الكنائس التي تأثرت بآثار المسلمين في الأندلس ، تجد الكنيسة امتدادها أفقي مقطوع الصلة وهذا الكنيسة فراغ تعبر عن ، بينما ثقافتنا مثلاً سبحان الله تدخل المسجد تجد نفسك منجذباً نحو الأعلى .

فقدان قدرتنا على العلو أدى إلى عدم تمثل أوامر الله تعالى :

لذلك المسلمون الأولون ليست قضية وسائل قضية يقينيات :

﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

لماذا نحن الآن لا نستطيع في غالب الأحيان أن نمتثل أوامر الله ؟ لأننا فقدنا القدرة على العلو ، التعالي ، تعالوا أتلو عليكم ما حرم الله ، الذي لا يتعالى أولاً لا يفهم لا يعلو على نفسه على شهواته فوق أهوائه ، تعالوا أقول لكم ما هو الممنوع ، تعال أقول لك ما هو الذي يجب أن تفعله .

الدكتور عمر :

أقول لك من علو ، ولذلك الله عز وجل يقول :

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة القصص : الآية "4" )

الدكتور عربي :

هذا من خداع الحواس ، يعني إنسان إذا وضع مسطرة في الماء قد تكون مستقيمة فتبدو العكس .

اللغة العربية لغة تصور خلجات النفس :

علو الذين لا يتصلون بالله علو تسفلي ، شكراً على هذه الملاحظة الدقيقة كلمة في تعني الانغماس ، وبعد ذلك اختلق الإنسان بينما العلو المصحوب بعلا هذا الارتفاع ، ارتفاع تحرك :

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ (5)﴾

( سورة البقرة )

وفي المقابل :

﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾

( سورة الأعراف )

فالإنسان مختنق .

الدكتور عمر :

المحتوى اللغوي دكتور عربي لا بد من تذوقه ، اللغة العربية لغة القرآن الكريم لغة شاعرة ، لغة تصور خلجات النفس ، وتؤشر نحو الطريق الأسلم هذه معلم من المعالم .

الدكتور عمر :

كمدلول لغوي .

الدكتور عربي :

كمدلول لغوي .

تفوق ابن جني على غيره بفضل ما اهتدى إليه في أسرار اللغة :

قال لي أحد المستشرقين الكبار في جامعة السوربون وكان عالماً بالعربية كنا نتحدث في بعض المسائل ذكرها ابن جني رحمه الله يضحك معي قال يا فلان : أنا أظن أن شخصية ابن جني اسم انطبق على المسمى ، قال لي هذا ليس بشراً في الذكاء هذا جن ، وعادة الإنسان لما يكون فاهماً نقول له عبقري ، قال هذا جني صحّ ما اهتدى إليه في أسرار اللغة ، هو سبق المستشرقين الألمان الذي اهتموا بدراسة اللغة العربية قال سبق عصرنا بكثير ، عادة علماء الألسونيات يؤرخون للتطور تطور الألسونية بظهور سوسور عالم سويسري الكبير ، ابن جني وهذا رجل خبير مختص باللسانيات ، قال هذا سبق عصره وسبق سوسور وغير سوسور ، هذا قوس على فتحناه بفضل ما ذكّرتنا به من علا في الأرض .

على كل إنسان ألا يكرر العبارات القلقة لأنها تبعث على العجز :

نرجع إلى سيد سارتر ، أولاً لا ننكر عبقريته ، هو من الناحية الفلسفية سبقه أساتذة بلا شك أساطين الوجودية كان ذا قدرة عجيبة في التعبير وتمطيط هذا الأفكار وكان ذا قدرة على الكتابة ، كان مسرحياً ، كان روائياً ، كان مفكراً ، وإلا من سبقه أعلم منه ولكن شاع ، ولا تنكر بعض الكتابات مثلاً الغثيان ، أشياء كثيرة نقد فيها الاستعمار الفرنسي في الجزائر لكن نرجع إلى النقطة التي تفضلت لها هذه أولاً يجب أن نأخذها بنسبية لماذا ؟ لأن العرب والمسلمين اليوم نفسر أوضاعنا القلقة دائماً بقدرة الآخر ، وكلما كرر الإنسان نفسه هذه المقولات اقتنع بها وهذا قد يبعث على العجز ، الإنسان إذا قال عن الخطر هناك إذا كانت هذه إشارة تستحثني وتدفعني إلى العمل والانتقال كن جيداً لكن إذا بالغت وبقيت هكذا فإنني أنا الذي أجعل ذلك الأضعف أقوى مني .

الدكتور عمر :

وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى .

كل إنسان يتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه :

الدكتور عربي :

آية في القرآن الكريم أن عبّاد الأصنام هم الذين ينصرونها ، الأصنام لا تنصر شيئاً ، وكما يقول نيتشه يعني عندما يطلع نهار الوثن الفكرة تختفي . الفكرة عندها وجود ذاتي والوثن وجود غير ذاتي ، فالوثني هو الذي يصنع الوثن ، قضية الذات منذ سنتين أو ثلاث ، مفكر فرنسي كبير يهودي أسلف كتاب في هذا الموضوع لماذا ؟ (وأنا استمعت إليه في التلفزيون)وقال في الكتاب الناس يتهموننا ، يريد أن يجعل هذا الشيء لصرف الأذهان فالناس يقولون ما الدليل هم اعترفوا بما يقال عنهم والدليل تحرروا لا ، هذا لاستغفال الناس ، إذاً التعليق الذي نعلق به على سارتر أنا أقول لما هؤلاء يؤثرون ؟ لما نحن لا نثور ضد قابليتنا للتأثر ؟ فالإنسان يتأثر بالمحيط الذي يريد .

من ردّ على السيئة بالحسنة إنما يستلهم الإسلام :

مثلاً الآية التي تفتتحون بها :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت : الآية 33)

مباشرة :

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ (34)﴾

( سورة فصلت )

فالذي يرد على السيئة بالحسنة إنما يستلهم الإسلام ، الإسلام هو المؤثر وهو المثير ، إذا أردت أن تكون استجابتك لأي عامل من العوامل إيجابية فما عليك إلا أن تغير الموجة ، فإذا كان الراديو مربوط على موجة سلبية أنا أربطه على موجة إيجابية وموجتنا الإيجابية لا نجدها إلا في الإسلام .

الدكتور عمر :

الله أكبر بارك الله بك دكتور عربي ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، دكتور راتب لا بد من تعليقك على هذا الكلام الجميل .

من خرق الاستقامة لابد من أن يدفع الثمن باهظاً :

الدكتور راتب :

الحقيقة الذي تقدم به شيء رائع جداً لكن الذي أريد أن أقوله يعاقب غير المستقيم لماذا ؟ لأن أي قانون سير من دون عقوبات لا قيمة له ، الجامعة ليس تفوقها في أن لا يرسب أحد عندها ، لا ، أن تأتي النتائج وفق المقدمات ، الآن نعطي مثلين الصحابة الكرام هم نخبة البشر :

(( إن الله اختارني ، واختار لي أصحابًا ))

[الطبراني في الكبير والأوسط عن عديم بن ساعدة ، وابن أبي عاصم في السنة عن أنس]

وعلى رأسهم سيد البشر النبي عليه الصلاة والسلام ، حبيب الحق ، سيد ولد آدم ، سيد الخلق في أحد في معصية لو أنهم انتصروا على معصيتهم لسقطت طاعة الله ، وفي حنين اعتدوا بأنفسهم بشرك خفي ولو أنهم انتصروا لسقط التوحيد ، الآن أنا كمعلم أعطي وظيفة في اليوم التالي إذا لم أعاقب الذي لم يكتب الذي يكتب لن يكتب ، وانتهى الأمر ، فلذلك حكمة بالغة بالغة بالغة أنه لا بد من دفع ثمن خرق الاستقامة .

الدكتور عمر :

الأمة الآن تدفع الآن .

الدكتور راتب :

نعم هذا الواقع نحن منا .

الدكتور عمر :

نحن ندفع ضريبة نومنا وضريبة عدم استقامتنا .

يجب أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله ومحبة له وخوف منه :

الدكتور راتب :

أولاً سيدي أنا أعتقد أن النصر له شرطان كل منهما شرط لازم غير كاف ، الأول الإيمان الذي يحمل على طاعة الله ، والثاني الإعداد ، أعدوا لهم أعدوا لنا ولم نعد لهم فنحن مقصرون في بندين كبيرين من أسباب النصر .

الدكتور عمر :

والمخلص في كفره ينتصر على المزين ...

الدكتور راتب :

الجامعة لا تُقيّم أن فيها طالباً ما رسب فيها ، لا ، تقيم أن تأتي النتائج وفق المقدمات ، فحينما نرى إنساناً أكل مالاً حراماً فدمر ماله ، حينما اعتدى على الآخرين هناك مصيبة سحقته ، هذا العقاب له دلالة كبيرة جداً من هنا فيما ورد في الأثر :

(( يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقك ، قال : يا رب إنك تعلم إني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي ))

[ ورد في الأثر ]

مهمة الدعاة : ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني . في بلاء كبير ، في مصائب ، فلا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله ومحبة له وخوف منه ، من هو الداعية الناجح ؟ الذي يجمع بين هذه المعاني الثلاث هذا من يهتم فقط بالعقوبات وجهنم ، أو بالجنة مشكلة .

الدكتور عمر :

الخاتمة إن شاء الله ننهي حديثنا ، ساعة ونصف ما شعرنا بها ، بارك الله بكم .

الدكتور راتب :

أنت أستاذنا والله .

خاتمة وتوديع :

الدكتور عمر :

أثريتمونا ، وعلمتمونا ، وأكرمتمونا بهذا اللقاء ، بارك الله بكم ونعد المشاهدين إن كنا من أهل الدنيا أن نلقاكم في حلقة قادمة بإذن الله ، مع أننا نفتقد أخانا الدكتور سعد الدين الهلالي إلى أن ينضم إلينا ، بارك الله فيك وشكر الله لكم ، شكر الله للدكتور محمد راتب النابلسي ، وشكر الله للدكتور عربي الكشاط ، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه و شكر الله لعلمائنا و السلام عليكم ، لا تنسونا من صالح دعائكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين