الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1432

»

مسافرون (6)

»

08 - الحيل الفقهية


محمد العريفي
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،الفقهاء لهم أقوال متنوعة ولهم اختلافات فقهية متعددة ،هناك شيء من الفقه يُسمى الحيل الفقهية، مخارج يجعلها بعض الفقهاء لبعض الناس، عندما يقعون في أشياء أو حالات يحتاجون إلى الخروج منها، ما هي هذه الحيل الفقهية هي طرائف للعلماء؟ ، أردنا اليوم في حلقتنا من برنامجنا "مسافرون" أن نؤانسكم بها، تدل على ذكاء الفقهاء ،وعلى سعة معلوماتهم ،فيما يتفقهون فيه في الدين، ليست مذمومة دائما ، لكنها ربما كانت مذمومة إذا كان فيها نوع من استحلال الحرام أو تحريم الحلال، هي تحرك الذهن وتثير التفكير، تعين الإنسان على أن يشعل ذهنه في الفقه، تعالوا اليوم نتحدث عن ذلك في برنامجنا مسافرون، يسعدني أن تكونوا معنا اليوم .

الحيل الفقهية :

طبعا نحن في حلقة ماضية تكلمنا عن الاحتيال عموما ،وذكرنا الاحتيال على الناس بأكل أموالهم ،واليوم لا نتكلم عن الاحتيال كاحتيال على الناس، إنما هي حيل فقهية إن صح التعبير، الفقهاء يذكرونها لأجل إخراج بعض الناس من مأزق، إن صحت التسمية ،أنا أعطيكم مثال على ذلك، بالمثال يتضح المقال ،أيضا هذا يا جماعة يوضح لك سعة الفقهاء عندهم والذكاء ، يعني مثلا أحمد ابن حنبل، ما أصبح أحمد ابن حنبل إلا لأنه ذكي أساسا ، والذين طلبوا معه العلم كُثر، أبو حنيفة، الشافعي، مالك، ما أصبح كذلك، وله مذهب معتبر وله أتباع، وتؤلف الكتب في مذهبه حتى بعد وفاته، أبو حنيفة توفي عام 150 للهجرة توفي مند أكثر من 1300 سنة تقريبا، ومع ذلك إلى اليوم، قال أبو حنيفة ،وسُئل أبو حنيفة، ما الذي جعله يعمل عمل يُخلده الله تعالى به إلا ذكائه وفقهه وعلمه وحرصه.

أبو حنيفة مثلا يقولون جاء إليه رجل وقال له: يا إمام إني غاضبت امرأتي وغاضبتني، ولم تكلمني فسكتت ، فقلت لها والله إن أذن الفجر ولم تكلميني فأنت طالق، قال ففرحت وسكتت – قالت خليني افتك منك و أتطلق - يقول فجعلت أقول لها يا فلانة أرجوكِ تكلمي يا فلانة انطقي خلاص آنا أسف وهي ساكتة ،وأنا قلت لها إن أذن الفجر وأنت لم تتكلمي فأنت طالق ،يا أبى حنيفة دبرني ماذا افعل ؟وجاء إلى أبي حنيفة بالليل، وقال له أبو حنيفة:لم تجد شيء تهددها به إلا هذا، قال أمر انطلق مني، قال: أنت نيتك الطلاق؟ قال: والله نيتي الطلاق ،وأخشي إن طلقتها وهي الطلقة الثالثة وهي تريد الفكاك مني ، وقال له أبو حنيفة: اذهب الآن إلى مؤذن الحي عندكم، وقل له أن يؤذن عند نافذة دارك، لا يؤذن في المئذنة ويخرب على الناس، بل يأتي عند الشباك الذي عند بيتك ويأذن هي تعرف صوته، صوت المؤذن، فإذا أذن ظنت انه قد أذن الفجر فتكلمت ،وهي في الحقيقة تكلمت قبل الفجر ،فقال حسنا فذهب وقال وناشدها قبل أن يؤذن ،قل لها أرجوكِ باقي قليل على الفجر أرجوكِ تكلمي، فذهب ودخل على المؤذن وقال له أريدك أن تأتي وتؤذن قبل الوقت لكن قريب من البيت وأنا سأدخل وأناشدها وجاء المؤذن ووقف فبدأ يقول أرجوكِ ما بقي إلا قليل على الفجر ،يا بنت الناس آنا أسف، اغلي من حياتي، وهي ساكتة، فأذن المؤذن فلما أذن المؤذن قالت: الحمد لله طلقت منك وتخلصت منك، تكلمت قبل الوقت ،فقال لها ها قد نطقتي قبل آذان الفجر.

طيب هذه يا جماعة حيلة من الحيل، استعملها الإمام أبو حنيفة لإخراج الرجل من إشكال وقع عليه،و إذا كانت الحيل لإخراج الإنسان المظلوم أو من وقع منه خطأ بيمين طلاق مثلا تسرع بها ونحو ذلك هذه ليس بها بأس، أهم شيء ألا يكون فيها أكل حقوق الناس.

أيضا ذكروا أن أبى حنيفة أقبل إليه شاب وقال: يا إمام إني قد تعلقت بابنة عمي أحببتها حبا عظيما لا اصبر عنها وإني قد أردت زواجها فأكثروا علي في المهر وأنا ليس عندي لأدفع لها هذا المهر كله

فقال له أبو حنيفة :اذهب واستدن دبر نفسك واستدين.

قال: طيب ومن أين اسدد الفلوس.

قال له: اذهب واستدن لأن أهلها يدرون الولد متعلق فيها تماما قالوا دعونا نضربه.

قال له: اذهب واستدن ودبر نفسك بالمال ثم عد إلي وأخبرك فذهب وجاء بالفلوس

قال: ترى والله هؤلاء الذين استدنت منهم والله إن مضى شهر أو شهران أنا لم أسدد يُدخلوني السجن.

قال له :اذهب وأعطيهم المال مهرا واعقد عليها الزواج وادخل بها.

قال: من أين أسدد؟

قال: اذهب أنت وفيما بعد نتفاهم وذهب وأعطاهم الفلوس وعقد عليها واخذ البنت إلى بيته،فبعد يومين جاء إلى أبى حنيفة قال: إن الناس بدأوا يطالبونني بالمال ،

قال له: خذ المرأة وأظهر أنك تريد سفرا إلى بلد بعيد لتتكسب المال فإن أهلها يتعلقون بك ويقولون اترك ابنتنا عندنا فقل لهم لا أستطيع ترك البنت أنا ذاهب لأتكسب وهذه زوجتي وأريدها معي في سفري ،لا يحق لهم أن يمنعوك من زوجتك لأنهم لم يشترطوا عليك في البداية أن لا تسافر بها لأنه يصح أن الإنسان يشترط، فجاء الزوج ركب المرأة ،جمع أغراضه، قالت أمها أين أنت ذاهب بالبنت، قال أنا أسافر لأجل أن أتكسب المال ،أنتم أخذتم مني كل شيء، أنا علي دين ،أنا أذهب اشتغل أتكسب المال حتى أسدد الدين الذي علي، قالوا له اجلس وسنعيد لك الأموال، أهم شيء لا تسافر ابنتنا دعها عندنا، فقال لهم أريد أكثر، أنا أعطيتكم 10 ألاف أنتم تعطوني 15 ألف ، فذهبوا إلى أبي حنيفة قالوا هذا يا شيخ أعطانا مهرا 10 ألاف ثم أراد أن يسافر بابنتنا فقلنا له أبقيها ونعطيك 10 ألاف التي أعطيتنا، سدد بها دينك حتى لا تحتاج لسفر ويقول أريد 15 ألف أو أسافر بالبنت، فناداه أبو حنيفة قال: تعال خذ 10 ألاف واذكر الله، فقال: لا، أنا أريد 15 ألف أو أسافر بالبنت، فقال له أبو حنيفة: والله إن لم تأخذ 10 ألاف لأجعلن الفتاة تقر بدين لشخص بـ 5 ألاف فيمنعها صاحب الدين من السفر حتى تسدده، فقال أرجوك لا تخبرهم بهذه الحيلة – هذه حيلة جديدة حتى يجلس الفتاة - لأنه فعلا صاحب الدين يملك أن يمنع الذي استدان منه أن يسافر حتى يسدده ،ممكن تموت بسفرك اجلس لا تسافر ،فقالوا لما علم ، قال أسالك بالله أن لا تخبرهم فسكت عن ذلك.

هذه هي الحيل التي كان يفعلها ، طبعا هو أشهر من عرف بها بالمناسبة أبو حنيفة رحمة الله وإلا انه قد ورد عن الشافعي . والشافعي تقريبا هو أيضا مثل أبو حنيفة إن كان لا تستطيع أن تجزم بأنهم كلهم كانوا يفعلون مثل ذلك من هذه الحيل لأن بعضها ربما كان مركب عليه من يجيء بعدهم.

الإمام مالك رحمة الله قالوا إن امرأة في عصره و هذا من الفقه، إن امرأة في عصره كانت تغسل امرأة حسناء ، يقولون فلما أخذت في تغسيلها ورأت حسنها وجمالها- في تغسيل الميت تعرفون أيضا الميت يستر ما بين الصرة إلى الركبة ،فالمرأة تغسل المرأة فترى كتفيها وأطراف الساقين- فضربت على ساقها وقالت: كم فتن هذا الساق من رجال وكم زنى ،يقولون فالتصقت يدها بالساق – هذه ذكرها الفقهاء - فأرادت أن تحركها فإذا هي ملتصقة بالساق ،وأخذت المرأة تبكي ،التصقت يدها بالساق فاقبلوا إلى بعض الفقهاء وسألوهم قالوا ماذا نفعل فقائل اقطعوا الجلد الذي التصقت به وقائل اقطعوا اليد فجاءوا الإمام مالك وقالوا له يا إمام التصقت يد المغسلة بالجثة التي تغسلها فقال حدثوني بالقصة كلها كيف تعطوني كلام مجمل فقالوا إنها قالت كم زنى هذا الجسد أو كلمة قريبة من هذا فقال اجلدوها حد القذف ثمانين جلدة، قال : قذفت المرأة بالزنا والله تعالى يقول: '' وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً'' النور 4، هذه قد رمت امرأة طاهرة عفيفة بالزنا والمسكينة ميتة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها فانتقم الله تعالى لها، اجلدوها ثمانين جلدة ،قالوا فأخذوا السوط وأخذوا يجلدونها فلما كان مع الجلدة الثمانين انطلقت يدها ،يذكرها عموما الفقهاء فيما يتعلق بذلك .

أحيانا الفقهاء لا يستعملون حيلا فقهية، يستعملون أنواعا من الذكاء في التعامل مع الآخرين، ذكروا -وهذه ترى يا جماعة مهم أن لا يكون العالم مجرد حافظة يحفظ ويسمع، لا بد أن يكون العالم له قدرة عقلية على أن يقارن المسائل- أنا اذكر هناك أحد المشايخ مشهور بالحفظ العظيم ويمدحونه علميا وكده واذكر مرة أني اجتمعت معه في مجلس ، وكنت اسمع عن علميته القوية جدا النفاذة فسأله شخص عن ما يتعلق ببيع العملات أنا مثلا أسلف لك 100 دولار وتسددني مثلا 400 ريال لكن بعد زمن يعني ما يساوي 400 دولار تسددني إياها لكن لا يكون في تقابل في نفس الوقت بل يكن بعد زمن ، في تجارة العملات يلزم أن يكون يدا بيد لا يجوز أن يكون فيه التأجيل ،الشاهد فسأل الشيخ، فقال يا شيخ ما رأيك في المسالة ؟ فقال الشيخ: ذكر الإمام السرخسي في "المبسوط"،وسمعه صفحتين وذكر الشافعي في "الأم"، فالذي فعله له ليس أنه أفتاه، لكن سمع له ما يحفظه من أقوال الفقهاء وسكت، ليس هذا هو الفقه، الفقه هو أن تستخرج الحكم الشرعي من كلام الفقهاء ،أن تفهم مراد الله، مراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تم تفتي الناس بناء عليه، هذا هو الفقه ،لابد أن يكون عندك ذكاء وقدرة على تحليل المسائل، وعلى التوفيق بين المتعارضات، والجمع بين المتناقضات، ونحو ذلك .

ذكروا أن إياس ابن معاوية كان قاضيا فاقبل إليه رجل يشتكي إليه أن فلانا قد أخذ منه مالا وجحده ولم يرده إليه ،فنادى الفلان الثاني: تعال، أنت يا أخي أخذت من الرجل ألف دينار ،

قال: لا يا أيها القاضي ما أخذت منه ألف دينار ولا شيء انه يكذب علي ويدعي علي ما لم أفعل،

قال: أعطاك ألف دينار؟

قال :ما أعطاني ولا دينار انه يكذب فقال الرجل : بلى يا إياس والله أعطيته الألف دينار والله العظيم أعطيته،

قال: أين أعطيته إياها؟

قال عند شجرة في جانب البلد الشرقي منه،

قال: تذكر الشجرة أنت؟ قال لا شجرة ولاشيء كذاب ما أعطاني شيء،

فقال إياس للمدعي: اذهب إلى تلك الشجرة لعلك قد جعلت المال يمينا أو يسارا ،يمكن إذا رأيت الشجرة تذكره،

قال: يا شيخ ما اذكر يا شيخ والله الرجل أخذه مني قال ارجع للشجرة يمكن إذا رأيت الشجرة تتذكر فذهب الرجل واجلس إياس الرجل المدعى عليه عنده وأخذ إياس ينشغل بالتقاضي بين الناس ثم فجأة التفت على الرجل وقال أتراه وصل الشجرة أم ليس بعد؟

فقال: لا الشجرة بعيدة ، صادق، فقال له إياس: أه يا خبيث يعني هناك شجرة

قال: ها !!

قال: في شجرة وجلست معه تحتها

قال: نعم لكن لا تعاقبني أي والله أنا أخذت منه المال عند تلك الشجرة ،هذا الذكاء يعني استفادة الناس منه هذا يوفق فيه الإنسان .

ذكروا الشيخ عبد الله بن حميد كان قاضيا في القصيم وكان كبيرا بالسن وكفيف أعمي يقولون في يوم من الأيام أقبل إليه رجل يزعم أن جاره يطل عليه كلما سمع صوت بالبيت والرجل جالس، الرجل مع بناته وزوجته يأتي ويطل و ينظر إليهم ، فقال أنت يا جار الله يهديك وذلك الجار ما يتوب عما يفعل فذهب يشتكي عند القاضي فهذا الجار أتعبني كلما ذهبنا فناء البيت أنا أولادي بدأ يطل علينا فنادى الجار فقال له أنت هل تطل عليهم فقال لا طليت عليهم ولا، ما هناك بنات جميلات إلا بنات جاري حتى انظر إليه !! فالتفت ابن حميد القاضي إلى المدعي الرجل الذي يزعم أن جاره ينظر إليه وقال الله يهديك أنت لماذا تسيء الظن بجارك ،جارك هذا إنسان طيب ،وإنسان تقي وإنسان حريص عليك فهو أحيانا يسمع أصوات بالبيت غريبة فيخشى أن يكون حرامي أو لص مع البنات فيطل عليك مرارا حتى يتأكد أليس كذلك؟ قال ذلك الرجل إيه والله يا شيخ أنا أتأكد بس ليكون حرامي ، قال يعني يا خبيث أنت تطل عليهم فاعترف ،هذا لا تستطيع أن تقول أن الشيخ اكتسبه من سعته العلمية ، قرأ كتاب الفلاني إنما فطنة وذكاء،إذا رُزق الإنسان مثل هذه الفطنة والذكاء استطاع أحيانا أن يحل بعض المشكلات أو أحيانا ربما أن يُخرج بعض الناس من بعض الحيل من ألطف ما ذكروا أيضا – إذا عندكم أسئلة استقبلها أم أنتم مبسوطون على الوضع ؟

أحمد: ما الفرق بين الحيلة والتورية ؟

سماحة الدكتور محمد العريفي : جميل ،طبعا التورية هو إظهار ، أن يقول الإنسان كلاما يفهم به الشخص الذي أمامه شيء وهو يقصد به شيء أخر ، مثلا لو تقول لي يا أحمد مثلا نحن الآن أذن العشاء وتقول لي: صليت العشاء؟ اقول: اه صليت والله وأنا اقصد صليت المغرب ،في هذا نوع من التورية،أما الحيلة الفقهية فهي شيء أخر.

أحمد : تصبح أنت قائلا إياه باللفظ وبداخلك تقصد شيء أخر تعني المغرب .

سماحة الدكتور محمد العريفي : أحسنت أنا أعني المغرب،لكن أتلفظ بشيء يوحي إليك معنى أنت تفهمه لكن على خلاف ما أعني أنا ،من ألطف ما ذكروا بالمناسبة على ذكر التورية والحيل ذكروا أن أبى حنيفة أيضا رحمه الله أقبل إليه رجل يشتكي أنه أعطى مالا لأحد طلابه، عنده طلاب أبو حنيفة وعنده واحد من الطلاب شكله لطيف وطيب وجاء شخص ووثق به وأعطاه مائة دينار وديعة ،وسافر فلما جاء قال أعطيني الوديعة، فقال ما أعطيتني شيء أنت كذاب فالرجل تعب يقول له يا أخي أرجوك أنا رجل فقير وأعطيتك هذا المال ثقة بك فقال له ما أعطيتني شيء.

فجاء عند أبى حنيفة يشتكي فقال يا إمام أنا أعطيت الطالب فلان هذا المال و الآن جحدني ويقول ما أعطيتني شيء ما أدري ماذا أفعل وأنا فقير ومسكين فقال له أبو حنيفة: تعالى إلي من غد،ولما جاء الدرس بالليل وحضر الطالب وجلس مع كتابه

(اللهم صلي على محمد .... )وانتهى الدرس فناداه أبو حنيفة فقال تعال فقال نعم، قال إن الخليفة قد طلب مني أحد طلابي ليعينه قاضيا وسوف يخلع عليه الخُلع – أي يعطيه ملابس تليق بالقضاة وسوف يعطيه مراكب وسوف يعز شأنه – وطلب مني أن يكون طالبا أمينا تقيا حسن الخلق موثوقا ولم أرى أوثق منك من الطلاب فهل أنت عندك استعداد؟ فاظهر التمنع قال لا يا شيخ الله المستعان وأنا لا أريد ، كأنه يلزم عليه فقال له أبو حنيفة أنت إن شاء الله طالب علم وجيد وينفع الله بك وأنت إن شاء الله أمين و أنت سمعتك طيبة عند الناس ووافق ، وفي نفسه سينتقل من كونه طالب عادي إلى كونه من القضاة الذين لهم شأن ثم مضى وقال له بعد يومين إن شاء الله ارتب لك الوضع.فذهب التلميذ ثم جاء من غد الرجل وقال يا شيخ هل أقنعته أن يرد لي مالي فقال اذهب إليه فطالبه بمالك فإن جحده فقل له سأشتكيك عند أبي حنيفة ،فذهب إليه وقال أعطيني مالي قال ما في ولا درهم ولا دينار أنت لم تعطيني شيء فقال والله إذا لم ترجع لي أموالي سأشتكيك عند الإمام أبي حنيفة فقال لا ،لا داعي لدخول أبي حنيفة في الموضوع – لماذا لا يريد دخول الشيخ بالموضوع ؟لأنه سيخرب صورته عنده فهو الآن أبو حنيفة أمنه إنك ذكي وإنك أمين وإنك موصوف وإنك محبوب بين الناس وسمعتك طيبة وعندما يأتي أحد يشتكي سيضع علامة استفهام عليه – فقال له لا داعي أن تدخل أبي حنيفة بالموضوع فقال له ارجع لي مالي وإلا والله اذهب أشتكيك عند أبي حنيفة قال فدخل إلى بيته فاخرج له صرة فيها المائة دينار قال خذ هذا مالك- كي لا يدري أبو حنيفة بالموضوع - ثم سكت أبو حنيفة والطالب سكت فلما مضى يومان و ثلاثة أيام وأسبوع فجاء الطالب لأبو حنيفة وقال يا شيخ لقد عرضت علي أن أصبح قاضي وأراك سكت عن الموضوع فهل الخليفة لا يريد أن يجعلني قاض فقال بدا للخليفة أمر أخر يبدو أنهم عينوا قاض بدلا منك فاخرج نفسه.

فقدرة الإنسان يا جماعة على إنه يبتكر إن صح التعبير بعض الحيل لأجل استخراج ما عند الناس أحيانا إما إذا كان الشخص ظالما بل حتى العلماء أباحوا على ذكر التورية أباحوا الكذب، لاستخراج الحق ، إذا الإنسان أراد أن يصلح بين الناس أو أراد استخراج حقه فكذب لأجل ذلك أو أراد... من أنواع البيع مثلا البيع الظاهري، ما هو البيع الظاهري؟ مثلا أنا عندي مزرعة وأنت يا أحمد رجل مسئول كبير في الدولة فخشيت أنا أن تأتي وتعتدي على مزرعتي وتأخذها مني بالغصب فجئت وبعتها ظاهريا على مسئول أخر فعندما جئت أنت وقلت هذه الأرض لمن؟ قالوا لك لا هذه أرض عليها لوحة مزرعة الأمير فلان أو الوزير فلان ظاهريا فقط هذا نوع من الاحتيال في البيع والشراء لكنه أيضا مخرج لأجل أن يدفع الإنسان الظلم عنه .

دعني أختم بحيلة لطيفة عملها أبو جعفر المنصور وهي حقيقة من ألطف ما ذُكر، ذكروا أن أبا جعفر المنصور أقبل إليه رجل يشتكي من امرأته ويقول أنا زوجتي أشك في انه لديها علاقة برجل أخر أنا كلما جئت البيت فيه تغير وهي تقول لي والله لا يوجد أحد وأنت تفتري علي وأنت كذا ... ما ذا افعل؟ فيقولون لما سمع منه ذلك، لم يستطع أن يجعل حرسا على المنزل ، لأنه لو جعل حراسا فيأتي ذلك ويجد الحراس ويذهب ،هو يريد أن يمسك الشخص الفاعل يقولون فقال له تعال من غد ، ثم أمر وخُلط نوع من العطر نوع جديد غير موجود بالسوق برائحة مميزة وقوية ولما جاء من غد قال خذ هذا العطر وقل لامرأتك إن هذا قد أهداه إلي أمير المؤمنين وهو عطر غال نفيس طيب الرائحة، وانتبهي واحرصي عليه أنا جد حريص على هذا العطر، وعلم الخليفة أنها ستعطيه لعشيقها منه لأنها تحبه أو أنها على الأقل إذا جاء تطيبه منه ،يقولون وجعل الخليفة شيء منه وجعل بعض الحرس على مداخل المدينة ، هم كانوا في السابق يضعون مثل السور على المدينة كالقلعة وجعل حرسا على المداخل وقال إذا مر بكم رجل وشممتم منه هذه الرائحة اقبضوا عليه على طول ، يقولون فلما مر يوم أو يومين وذلك الشخص طبعا ذهب وقابلها وأعطته من العطر وتعطر فلما كان يوم أو يومان فإذا ذلك الرجل يمر ببعض الأبواب لأنه لابد أن يمر بأبواب المدينة يذهب للأسواق ويرجع ، فلما دخل من أحد الأبواب شم فيه أحد الحرس فتعلق به وقال من أين هذا العطر؟ فقال ما أدري أنا اشتريته فذهبوا به إلى أبي جعفر المنصور وأقر بما فعل .

حقيقة يا جماعة هذا الذكاء الذي يفعله إذا توفر عند الحاكم الذي يحكم بين الناس، إذا توفر عند القاضي، إذا توفرعند العالم الذي يفتي الناس، إذا توفر يا أخي حتى عند الشيخ الذي يفتيهم ،لذلك ذكروا أن سفيان الثوري يقولون كان جالسا فاقبل إليه شاب قال له :يا إمام هل للزاني توبة؟ – انظر حتى في الفتوى – قال: نعم له توبة والله غفور رحيم إذا رجع وأناب وتاب ،ثم ذهب فلما كان بعد قليل أقبل إليه شاب أخر قال:يا إمام هل للزاني توبة؟ فقال ليس له توبة، الزنا ليس له من توبة بل عذاب أليم وخلود في النار، فقالوا له الطلاب الذي عنده وسألوه يا شيخ يا أبا سعيد: الرجل الأول تقول له نعم له توبة والله غفور رحيم والثاني تقول عذاب أليم وخلود في النار ليس له من توبة، فقال الأول قد جاءني وفي عينيه ندم وعلمت انه قد وقع في الزنا وانه تائب ومنيب فلا يجوز أن أقنطه من رحمة الله الشرك وله توبة ، المشرك إذا تاب يُقبل منه فكيف لا يُقبل من الزاني فقلت له أن له توبة ،أما الثاني فكان من أسلوبه وكلامه واضح انه يريد فقط هل هناك توبة أم لا لكي يذهب يزني ثم يتوب ، فعلمت أنه لم يقع في الفعل فلما علمت fذلك خوفته وعظمت الأمر عليه .هذا هو الفقه.

أحمد: نفهم من كلامك يا أبو عبد الرحمن أن وهذه أغلب المشاكل التي يتحدثون عنها أغلب الفئات، ويتمنون فصل القضاء وأن يبتعد القاضي عن الاجتهادات ،هل هذه تدخل ضمن الاجتهادات.

سماحة الدكتور محمد العريفي : أحسنت هذا أمر مهم ، الآن فيه دعوة إلى ما يسمونه بتقنين القضاء ، بحيث أنه يكون هناك كتاب مثلا للقضاة كلهم من ضرب أحدا فيُغرم بكذا ،شخص زنا بامرأة إن كان اختطفها العقوبة كذا ،إن كان برضا الطرفين فالعقوبة كذا، إن كان في بيتهم العقوبة كذا ، مثل ما يسمى بالقوانين الموجودة الآن القانون الفرنسي القانون البريطاني ،إلى الآن موجود القوانين في عدد من الدول ، هذا لا يصلح لسبب وهو أن الحكم الذي تحكم به على الناس يختلف باختلاف أحوالهم ، واختلاف ظروفهم، أحيانا يختلف اختلاف الإنسان الذي عنده شبهة ، مثلا أحد جاء وأخذ مالا وقال: أنا أخذت المال، لأنه مرة اشتغلت عنده، وما أعطاني فلوسي فجئت وقفزت إلى بيته وسرقت لأن هذا بدل الفلوس التي أخذها مني وأنت لا تستطيع إذا كان القاضي لما تحدد عقله بأنظمة معينة_-واحد زائد اثنين- أصبح لا يستطيع أن يجتهد الناس يختلفون في ذكائهم في أخلاقهم حتى في طبائعهم أحيانا بعض الناس حتى في ثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم ،تختلف الأمور في عظمها أو في خفتها أو نحو ذلك فلا يصح أن تحكم بين البدو كما تحكم بين الحضر، لا يصح أن تحكم بين من عندهم قبلية شديدة أن تحكم بينهم كما تحكم مع غيرهم،صح قد تحكم في الحدود: سرقة ،الزنا ،شرب الخمر ،قتل... الخ لكن ما تستطيع أن تحكم في غيره لأنها تختلف باختلاف الناس.

هذه كانت حلقة اليوم قلنا شوية نخفف عنكم قليلا، فقلنا نحرك عقولكم، الله يجزاكم خير، إن شاء الله تحركت العقول، أنتم أيضا أيها الأحبة اسأل الله أن نكون حركنا أذهانكم أيضا، وهي بلا شك هناك كتب مؤلفة في الحيل الفقهية بالمناسبة ، وهناك ضوابط شرعية لها متى يصح أن يكون هناك حيلة شرعية ،و حيلة فقهية، ومتى لا يصح ذلك والكلام فيها طويل لكن اليوم أحببنا أن نعطيكم خلطة سريعة في الموضوع، أسال الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا وان يزيدنا وإياكم علما،و بالتوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .