الحقوق محفوظة لأصحابها

عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. اسم اليوم عندما أتحدث عنه أشعر بالهيبة الشديدة، لأن به تنصلح الأرض، بل الكون كله، حياتنا الاجتماعية جميعها مرتبطة بهذا الاسم.... اسم اليوم إذا غاب تطبيقه بين الناس في حياتهم تكون النتيجه فساد الأرض، وضياعها، وانهيارها، وحياة إجتماعية مليئة بالتعاسة، والكآبة، والانهيار، والظلم، والضياع.....اسم اليوم هو اسم الله الحق.



(الحق) كلمة حروفها قليلة جداً، ولكنها تزن السماء والأرض، وعليها قامت السموات والأرض قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ... )(التغابن:3)، كل شئ في كونه قائم بالحق، وقد أنزلنا الأرض وقال لنا عيشوا بالحق، وأكملوا في هذا الكون الصغير المسمى بالأرض بالحق.



إنه حقاً اسمٌ عظيمٌ،.... قال تعالى: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ... )(يونس: 32)، قال تعالى: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ... )(المؤمنون:116)، قال تعالى:(... فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ...)(يونس:32)، قال تعالى: (..ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ... )(الحج:6)، قال تعالى: (...وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ... )(يونس:30)، اسم الله الحق ذكر في القرآن سبع مرات، وكلمة الحق جاءت في القرآن مئتان وثماني وسبعون مرة، ولاتأتي كلمة الحق في القرآن إلا مع عظائم الأمور، مثل ماذكرت لك في قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ... )(التغابن:3)، أي أنه كون قائم على الحق.



*هدف الحلقه:

باسمك يا حق نحيا، هدفنا أن نحيا بالحق، ونقول الحق، ولانكتم الحق، ونموت على الحق، وإياك أن تضع منفعتك الشخصية في كفة, والحق في كفة ثم ترجح كفة منفعتك الشخصية، هدف الحلقة أيضاً أن تحب الحق؛ والحق صعب على النفس الإنسانية، ولذلك لابد أن تحبه لأن الله تبارك وتعالى هو الحق، ولأنك لو أحببت الحق كأنك أحببت الله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى جعل من أسمائه الحسنى ((الحق)).



هل أنت تحب الحق؟ هل أنت تقول الحق؟ هل أنت تحيا بالحق؟،، أم إنك تحيا بالزيف والباطل، فإذا كنت تحيا كذلك فإنك تحيا بعيداً عن الحق سبحانه وتعالى، اعتمر كما تريد، وابكي كما تريد، واحفظ القرآن كما تريد،...أنت تخدع نفسك إذا قلت أُحب الله، لأنك على هذه الحالة لاتعرف الحق سبحانه وتعالى.



ربما لاتسطيع أن تنام ليلاً، إذ لم تكن في طريق الحق سبحانه وتعالى، لأن اسمه (الحق) وأنت حياتك باطل، إذن كيف تعيش؟؟... هذا الاسم يجعل الصعب سهلاً، الحق صعب علينا جميعاً، هو سبحانه يجعله سهلاً، لأنك في طريقه، وتلقاه يوم القيامة وتقول له باسمك يا حق حييت.



حلقة اليوم تنقسم إلى محاور رئيسية، المحور الأول هو "معنى الحق وماهو الفرق بين الحق والعدل"، والمحور الثاني "حقائق كبرى في حياتنا إذا حييت بها وأحسست بها إذن فأنت تحيا مع الحق وهم ثماني حقائق"، المحور الثالث "نماذج من عاشوا بالحق ولوعلى أنفسهم، المحور الرابع والأخير "الحق منتصر لامحالة".



*معنى الحق والفرق بينه وبين العدل:

الحق نقيض لكلمة الباطل، وبضدها تعرف الأشياء، وهو ماتيقنت منه يقيناً دامغاً تاماً فثبت في يقينك مئه بالمئه أنه موجود وأنه ثابت وأنه حقيقة...وبالتالي فإنه لابد أن يكون من أسماءه الحسنى (الحق) لأنه هو أول الحقائق، وأعظم الحقائق هي وجود الله تعالى، لأن أمره حق، ونهيه حق، وفعله حق. انظر إلى قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي...)(يونس:35)، بمعنى إذا كان هو الحق، وقوله حق، ويهدي إلى الحق فكيف تبحث على الحق عند غيره، إذن الحقائق الكاملة في كتابه، وقوله، ووعوده، ولقائه، وجنته، وأن تكون مع الحق سبحانه وتعالى...



أصعب شئ في الحياة، أن تسير عكس اتجاه الكون، ويحدث تصادم، وإياكم أن تصطدموا بقوانين الكون، لأن الكون يسير بالحق، وأنت تسير بعكس الأتجاه، فالنتيجه أنك ستصطدم، فتتعب، وتموت، وتحيا تعيس، وتحيا بدون إستقرار، هذا الكلام كلام بديهي وعقلي. إذن ماهو الفرق بين الحق والعدل، العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، إذن فإن العدل هو تطبيق للحق، أي إن الحق قيمة والعدل تنفيذها، وإثباتاً لذلك تجده في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ...)(النحل:90)، ولكن الله تعالى سمى نفسه الحق، لأن الحق أعظم.



إذا تخيلنا أنه لم يكن في الكون اسم الله (الحق)، ما الذي كان سوف يحدث؟؟، ما الذي كان سيحدث للحياة؟؟، دعونا نتخيل أن هناك شخص ما يريد أن تشرق الشمس الآن...ويمنع المطر في بلد معين، لأنه غاضب منها... أو يمنع الهواء في بلد معين...قال تعالى على غرار ذلك: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ...)(المؤمنون:71)، الله سبحانه وتعالى هو الحق الذي لايفضل جنس عن جنس، ولا أمة على أمة، ولا بلد على بلد، ولا شعب على شعب، ولا لون على لون، ولا رجل على امرأه، كله بالحق، ولذلك انظروا إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الجميل يقول فيه: (اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه)، لأن الحق صعب والشيطان دوره أن يغمي عليك الحق بمعنى أن يريك الباطل حق والحق باطل، وقد ذكر رسول الله في هذا الدعاء اللهم ارزقنا أتباعه، لأنه رزق، لأنك ممكن ان ترى الحق ولا تتبعه، أو ترى الباطل ولا تجتنبه.



الحق يخاطب أُناس كثيريين، يخاطب رجل الأعمال الذي فضل منفعته الشخصية، على احتياجات وطنه، يخاطب الزوج الذي فضل أن يقضي الوقت مع أصدقائه، ويرجح منفعته الشخصيه على حساب أبناؤه، وزوجته، وبيته، يخاطب الطالب الذي يغش في الامتحان، ويأخذ حق غيره، يخاطب الغرب الذين وضعوا مصالحهم الشخصية في كفة، والعراق في كفة، واختاروا مصلحتهم الشخصية، تخاطب المنتج السينمائي، الذي يفضل مكسبه المادي على ما يراه، أبنائنا وشبابنا في التلفاز, وفي الفاضائيات، تخاطب المرأه التي تُحَرِض زوجها على أكل مال الغير، وهي تعلم أنه حرام، تخاطب الرجل الذي وظف شخصاً في عمل ما وهناك من هو أكفأ منه، وهذه كفاءات علمية وأُخذ حقها، فإذن ستسافر وتهاجر إلى الغرب، وتكون النتيجة هم يزدادوا كفاءة ويستفيدوا من شبابنا وأولادنا، ونحن نزداد ضعف لأن الحق ليس موجود، تخاطب وتخاطب ملايين القصص...



أقول هذا الكلام لأن الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض بميزان دقيق، وأنزلنا للأرض، وقال لنا نحن المسؤلون عن الأرض، ورسم لنا فيها كيف نحيا بالحق، وأرسل لنا الأنبياء، وأرسل لنا الكتب، وقال هذا هو الحق، وقال لنا عمروا الأرض بالحق...إذن عندما تخالفوا الحق فإنكم تخالفوا قوانين الله في الكون.



*كيف إذا ضاع الحق ضاعت الأرض:

سأضرب لكم مثلين صغريين يوضح هذا المعنى..



*المثال الأول: كان هناك حي في غاية الجمال يسمى "المهندسين" هذا الحي كانت منازله مبنية على أربع طوابق لأن بنيته التحتية مناسبة للأربع طوابق، وسكانه كانوا سعداء بذلك كثيراً، ورغم أن القانون يمنع الزيادة في عدد الطوابق، جاء هناك من زاد في عدد الطوابق من أجل منفعته الشخصية، فأصبح عشرون وثلاثون طابقاً، ففسدت الحياة في الحي وترك الناس الحي.



*المثال الثاني: الطالب الذي يغش في الإمتحان ويأخذ حق شخص أخر، انظروا إلى هذا الحديث، بينما رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يحدث الصحابة، جاء رجل فقال: (يا رسول الله متى الساعة؟) –قاطع النبي وهو يتحدث-فلم يرد عليه وأكمل النبي حديثه، فقال بعضنا "سمعه ولم يعجبه ما قال" وقال بعضنا " بل لم يسمعه" فلما انتهى النبي "صلى الله عليه وسلم" من حديثه قال: (من السائل عن الساعة؟)، فقال: (أنا يارسول الله)، فقال له النبي: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)، فقال: (وما ضياعها يا رسول الله؟)، قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).



*أشكال الناس مع الحق:

للناس أشكال شتى مع الحق، منهم من يكتمه، ومنهم من يخشى على نفسه أن يقوله، ومنهم من يلبسه على الباطل، كما في قوله تعالى: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42) ، ومنهم من لايعرف أين الحق وأين الباطل، ومنهم من يعلم الحق وهو على باطل ويصر على الباطل، وأنت أيضاً يوجد في حياتك أشياء مثل ذلك، وتقول لنفسك، هل أنا كنت على حق في الموقف كذا، هل موقفي كذا كان على حق أم على باطل؟؟؟



*الحقائق الثمانية الكبرى:

انظر إلى حبيبك "صلى الله عليه وسلم"، أعطى لك ثماني حقائق، إذا حييت بهم سوف تحل لك كل الألغاز الأخرى في حياتك وبالإضافة إلى ذلك أنه "عليه الصلاة والسلام" علمنا أن ندعوا بهذا الدعاء كل ليلة، وهو كان يفعل ذلك "صلى الله عليه وسلم" في قيام الليل، كان يبكي ويبتهل بها إلى الله عز وجل، بعيداً عن مشاكل الحياة، والضوضاء، والحقائق مستقرة وهادئة، ولو هذه الحقائق استقرت في ذهنك، سوف تكون هذه نقطة البداية لترتيب وتوضيح الحقائق الغير واضحة في حياتك، ولكن بقلبك ووجدانك، وأعماقك، وإذا تعرض لك الباطل أمامك، بكل ألوانه وصوره، من مال، من دنيا.....لاتخف أبدأ لأنك على الحق، والحق يريد منك شجاعه ورؤية، في كل الأحيان.



أما عن هؤلاء الحقائق الثمانية فهي، كان صلى الله عليه وسلم يقول كل ليلة: (( اللهم لك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد "صلى الله عليه وسلم" حق، اللهم بك خاصمت، وإليك حاكمت، وعليك توكلت..)) وهؤلاء الثمانية ليست بالقول فحسب، ولكن بالقلب والوجدان، والدليل على ذلك، حديث النبي "صلى الله عليه وسلم" عندما ذهب إليه حارثة فقال له النبي: (كيف أصبحت يا حارثة؟)، قال: (أصبحت مؤمناً حقاً يارسول الله)،قال له النبي: (لكل قول حقيقه فما حقيقة إيمانك؟)، قال: (أصبحت وكأن عرش ربي بارزاً-اللهم أنت الحق-وكأني أرى أهل الجنه يتنعمون في الجنة-الجنة حق-وكأني أرى أهل النار يصطرخون في النار-النار حق-فعزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري) فقال له النبي: (ياحارثه عرفت فالزم)، إن هذا الحديث يبتن كيف أن الحقائق استقرت في قلب حارثة، وأنت أيضاً إذا أحييت هذه الحقوق سوف يفتح عليك في حقوق أخرى.



ترتيب الحقائق الثمانية:

الحقيقه الأولى تقول أن الله حق، إذن وبكل تأكيد أن قوله حق، وإذا كان قوله حق فبكل تأكيد أن لقاؤه حق، وإذا كان لقاؤه حق وبكل تأكيد إذن فالجنه حق، وإذا كانت الجنة حق فالنار حق، إذن فالذي دل على هذا وهم النبيون فهم حق، وإذا النبيون حق، فإن النبي "صلى الله عليه وسلم" حق، والإضافه التي كانت في أخر الدعاء تدل على أن بعدما استقرت هذه الحقائق في ذهني، أنا على أتم أستعداد لكي أدخل غمار الحياه،، وقد فرشت لك البنية الأساسية التي تنطلق منها لكي تخاصم وتحاكم، وتتعامل، وتتوكل، وتُعامل الناس، لذلك لاتخشى شيء إذا اغترست تلك الحقائق في نفسك.







تحليل الثماني حقائق:

الأولى: اللهم أنت الحق...

انظر إلى قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (لقمان:29)، الذي فعل كل هذا لابد أن يكون حق، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ...)(فصلت:53). قال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ...)(التغابن:3). تعني أن الله يريد أن تحيوا في الأرض بالحق، ويقول لكم انظروا في كل شئ من حولكم ستجدونها تسير بميزان دقيق، مثلاً الفصول الأربعة وكمية الأمطار التي تمطر وعدد الثمار التي تخرج من الأرض خلقت كلها لحقوق الكائنات في الحق. أيضاً بُعد مسافة الشمس عن الأرض.. إذا اقتربت بمقدار ملم واحد تتحول الأرض إلى كتلة من النار، وإذا بعدت ملم واحد تجمدت الأرض، وهذا معنى الآية السابقة. إن رأيت الحق فلتسير فيه واعلم أنك ستكون قريباً من الله الحق، أما إذا بعدت عنه فإن الأرض سوف تُدمر لأنك تسير في الباطل.

الثانية: وقولك حق...

الذي هو كلام الله تبارك وتعالى.. قال تعالى: (... وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ)(الأحزاب: من الآية4). هل من الممكن أن تحيا مع قراءة القرآن؟ أن كل كلمة تقرؤها في كتاب الله حق مثل قوله تعالى: (... وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ )(الأعراف: من الآية85) حق.. لا يمكن أن أفعل ذلك لأن ذلك سوف يكون عكس الحق. مثال أخر: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)(المطففين:1) حق.. فالذي يطفف في علاقته مع زوجته، أو الذي يطفف في تجارته وفي الميزان، والذي يطفف في الحقوق، وكيف أن القرآن هو قوله الحق وأنا أحيا بعكسه؟؟

الثالثة: ووعدك حق...

كل وعود الله تبارك وتعالى حق كما قال في قوله تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ... )(القصص: من الآية13). ومن وعود الله أيضاً أنه قال من أجل الإسلام: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً... )(النور: من الآية55). ووعد أخر كما في قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ...)(الذريات:22/23) إذاً لم أنت خائف على رزقك؟ وكيف يكون وعدني بهذه الوعود وأنا لست بمصدقه وأكون على غير هذه الوعود؟



رابعاً: لقاءك حق...

أي أنك إذا حييت بالباطل تذكر أنه لقائه حق كما قال في قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا...)(الأنعام: من الآية30). قال تعالى: (الْحَاقَّةُ *مَا الْحَاقَّةُ)(الحاقة:1/2)، سميت القيامة هنا الحاقة أي أنها حق وسوف تقع وسيحق فيها الحق ويظهر فيها الباطل، تخيل قوله تعالى: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ...)(النبأ: من الآية39) ماذا تفعل يومئذ يا من تحيا بالباطل؟ إنها دنيا قصيرة.

خامساً: والجنة حق...

أي حق وقد انتهى، يا أيها المشتاقون للجنة أحيوا من أجل الحق، انظروا إلى قول الله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)(لأعراف:44)، وجاءت "نادى" فعل ماضي لأنه حق وانتهى.. والظالمين هنا الذين غشوا وسرقوا وزوروا وضيعوا الحقوق.

سادسا: النار حق...

عندمنا قال إبليس (... فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)(صّ: من الآية82) انظر ماذا قال الله تعالى له: (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ )( ص: 84/ 85). انظر إلى قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ...)(الأحقاف: 34).

سابعاً: والنبيون حق...

عيسى حق، وإبراهيم حق، وموسى حق، وسليمان حق، وآدم حق.. عليهم السلام كانت رسالتهم إظهار الحق على الباطل؛ لذلك وضع النبيون في الدعاء.

ثامناً: ومحمد صلى الله عليه وسلم حق...

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)(الفتح:8). ثلاثة وعشرون عاماً ورسالته كلها هي إحقاق الحق، وقريش كانت لا تريد أن تؤمن لأن تجارتها مع الأصنام التي حول الكعبة، وأبو لهب كان لا يريد الوقوف بجانب ابن أخيه صلى الله عليه وسلم لأنه كان يخشى على ماله من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)(المسد: 1/2). ونرى أيضاً الكلمة التي دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مكه عند فتحها وبعد 23 عاماً من فراقها فلقد قال وهو يطوف بالكعبة: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً)(الاسراء:81).



لماذا خُلقت؟

إذا ايقنت تمام اليقين بالثماني حقائق التي ذكرناها سابقاً سوف تظهر لك حقيقة جديدة وهى لماذا خُلقت؛ لأن أنت المطلوب منك أن تقوم برسالة حق.. أن تصلح وتُعمِر في الأرض بالحق، قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ...) (المؤمنون: 115/ 116). وقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ...) (الدخان:38/39). انظر إلى قوله تعالى: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ*وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً)(صّ:26 /27). أتدرون لمَ ربط الله سبحانه وتعالى ما قاله لداوود في الآية الأولى بالآية الثانية التي تتحدث عن السماء والأرض؟ لأنه لا يوجد إلا حق واحد كبير في الكون كله، وأنت تؤدي جزء من هذا الحق لأنه سبحانه وتعالى أكمل الحق في باقي الكون وطلب منك أن تكمله أنت في جزء من هذا الكون الذي يسمى بالأرض. قال تعالى: (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...)(البقرة: من الآية30) لذلك كان لابد أن يُذكر سيدنا داوود بأنه خلق السماوات والأرض بالحق.



الحق عريق.. الحق أصيل.. الحق في صميم الكون.. هذا لا يدل على أن إذا نسى المسلمون الحق في هذه الأرض أن الحق غير موجود، إذا كنتِ أنتِ على الحق وباقي المسلمين باعوا الحق فأنت قريبة من الحق عز وجل والباقي باطل، يا رجال الأعمال.. يا ربات البيوت.. يا شباب.. يا بنات أرجوكم أحيوا بالحق.



نماذج عاشت بالحق:

سوف أسرد لكم نماذج عاشت بالحق ولو على أنفسهم، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا...)(النساء: من الآية135). وقوله تعالى: (... وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ – خلاف أو غضب مع قوم- قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى...)(المائدة: من الآية8).



النموذج الأول: النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق عندما سُرق درع سيدنا قتادة وحامت الشبهات حول أحد الأنصار قام هذا الأنصاري وهو السارق الحقيقي بالتخلص من الدرع وإلقاؤه في بيت اليهودي ليُتهم بدلاً منه. وعندما وجد المسلمون الدرع المسروق في بيت اليهودي برأ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأنصاري إلى أن نزل قول الله الحق (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً*وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)(النساء:105/106/107)، فعاد النبي وأعلن براءة اليهودي مما نُسب إليه.

النموذج الثاني: عندما فتح جيش المسلمين سمرقند في عهد عمر بن عبد العزيز بعث له قائد سمرقند وقال له أن جيشك لم ينفذ ما قاله نبيكم، ودخلوا دون إنتهاء المهلة وهي ثلاثة أيام، فأمر عمر بن عبد العزيز أن يخرج الجيش كله من سمرقند، وهذا أمر شاق على أي قائد ولكن الحق أقوى، فعندما أمر عمر بن العزيز جيشه بالخروج أثر ذلك في نفوس أهل سمرقند ودخلوا في الإسلام، وخرج منهم العلماء المسلمين.. وكل هذا من أجل كلمه حق.

النموذج الثالث: عندما سرقت امرأه مخزومية بعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة لكي لا تُقطع يدها لأنها شريفة، احمر وجه النبي غضباً حتى تمنى زيد أنه لم يسلم قبل هذه اللحظة، وقال له النبي: (والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها، إنما أهلك من كان قبلكم، إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد).

النموذج الرابع: عندما طلب أبو طالب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يترك الدعوة من أجل قريش قال له: (والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أموت في سبيله).

النموذج الخامس: عندما أوذي أحمد ابن حنبل في قضية ظلم وهو على الحق، أخذوه إلى السجن وكان يخشى فتنة السوط ولكن الله ثبته على الحق، باللص الذي قال له: (يا إمام اثبت على الحق فإن عشت عشت سعيداً، وإن مت مت شهيداً)، فقال أبن حنبل: (فكأنها بُعث في نفسي روح من جديد).

النموذج السادس: تشرشل في الحرب العالمية كانت انجلترا دماراً وخراباً، وكان يسأل الوزراء عن أخبار كل مجال بها، ولكن دون جدوى، لا يوجد ماهو جيد لكي يقال عليه، إلا أن سأل وزير العدل فقال له: (العدل بخير) فأجابه تشرشل: (إذن سننتصر)، وقد انتصروا.



الحق منتصر:

لأن الله تبارك وتعالى هو الحق وأوكل إلينا إصلاح الأرض بالحق، أرأيتم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر عندما قال للمشركين القتلى :(ياعتبة ابن ربيعة، ياشيبة ابن ربيعة، ياوليد، ياعمرو ابن هشام، أنا قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟؟)، قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ...)(الانبياء:18). ضرب الله تعالى لنا مثلين في القرآن الكريم عن الحق، أحداهما ناري، والأخر مادي، وكلامها يؤدي إلى نفس الاتجاه قال تعالى: ( أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً-الماء وهو رمز الخير والحق- فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ-الحق يسير ثم يأتي القش على وجه المياه، وهذا القش رمز الباطل، ومما يوقدون أي إذا كنت تريد الذهب خالصاً لابد أن يتخلص من الشوائب العالقة به وهي أيضاً تظهر على السطح- كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد:17)، أتدرون أن هذه الآية الكريمة وضحت لنا مدى قيمة الحق، وأنه لن يزول حتى وإن كان ضعيفاً، ومختفياً، ويظن البعض أنه ميتاً، والباطل قوياً، ومتفشياً،....ولو زال الحق تقوم القيامة، والحق باقٍ إلا أن تقوم الساعة لأن هناك حساب يوم القيامة.

الاتفاق الأخير:

نتفق على ماقد أخبرتكم به في أول الحلقة وهو أن تحبوا الحق، وتعيشوا بالحق، وتقولوا الحق، ولاتكتموا الحق، وتموتوا على الحق، احيوا باسمك ياحق نحيا، أحبوا الحق من كل قلوبكم، لأن الحق هو الله، وأرجوكم يا من تعيشوا في هذه الأرض لا تفسدوا فيها، ويا من تعيشوا على الحق فإنكم منتصرين منتصرين لامحالة، قال تعالى: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) (سـبأ:49) .

المصدر: http://www.amrkhaled.net/articles/articles1651.html