الحقوق محفوظة لأصحابها

عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. في الحقيقة لقد ذكر لي بعض الشباب أنهم خائفين من أنه يتم ذكر اسم جديد كل يوم فيؤدي ذلك إلى نسيان الأسماء السابقة ولكن في النهاية فإن أسماء الله الحسنى تعرفك بالله فحتى لو نسيت الاسم وتعريفه فالمحصلة الأخيرة أن هذا البرنامج يتفق معك على منهجية تفكير وهي كيف تتعرف على الله وأنت تجتهد وسيفتح الله عليك.



دعوة ربانية..

اسم اليوم هو دعوة ربانية تجدد الأمل في حياتك، دعوة ربانية للمجتمع كله وللناس جميعا، اسم اليوم هو اسم الله التواب. لنتب في بداية رمضان، لنتب كي نعتق وكي يقبلنا، فلو كنا نحن من نرجوه أن يقبل التوبة لكان الأمر فيه بعض الصعوبة ولكنه سبحانه وتعالى هو من يعرض.



معنى الاسم..

معنى تاب أي رجع، وتاب وثاب وآب هم بنفس المعنى، فالله التواب يقبل كل من رجع إليه ولا يرده، وهذا هو ملخص الحلقة! يقول الله تبارك وتعالى: ((وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ..)) (الشورى:25) وهذه الآية جميلة جداً فمن الممكن أن تعتذر لإنسان ولا يقبل اعتذارك لأن حجم خطأك غير محتمل، أما الله سبحانه وتعالى فمتى ذهبت إليه قبلك، وهناك أمر آخر فمن الممكن أن تخاف من الاعتذار خوفاً من عدم قبول الاعتذار ومن الإحراج ولله المثل الأعلى، أما الله سبحانه وتعالى فيقول لك بهذه الآية لا تُحرج فسوف تُقبل.



ودائماً ما نجد كلمة القبول مع كلمة التوبة في القرآن كما في الآية السابقة وأيضا ((غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ..)) (غافر:3)، والآية الجميلة: ((أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ..)) (التوبة:104).. فالله لن يردك أبداً ويا لها من آية جميلة تذوقوها، وبعد ما قلناه الآن فهل تتوب أم أن الذنب متغلغل في قلبك بشدة ولا تستطيع التخلص منه؟







لمن التوبة؟

من هو المخاطب بالتوبة واسم الله التواب إنهم ليسوا فقط العصاة والمجرمين والغافلين عن الله والمترددين بين الذنوب والطاعات بل وحتى المؤمنين.. فكلنا مخاطبون، تقول الآية: ((..وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) (النور:31) إن التوبة لأصحاب الكبائر.. للزناة، وما أكثر الزنا في بلادنا مؤخراً ! تقول الآية: ((..وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَنْ تَابَ..)) (الفرقان:68-70)، التوبة أيضاً للعاق لأبيه وأمه، التوبة من الرشوة التي انتشرت في بلادنا فالراشي والمرتشي في النار، التوبة من شرب الخمور فقد لعن الله شاربها وحاملها وساقيها وبائعها، للقنوات الفضائية وما يُعرض فيها من أشياء تشيع الفاحشة. وممن تجب عليهم التوبة أيضاً تاركي الصلاة فهناك باب في جهنم يسمى سقر لتاركي الصلاة، وكذلك ليس ترك الصلاة بالكلية فقط بل ترك صلاة الفجر وهي خمس الفريضة، وكذلك الأغنياء وأصحاب الملاين ألا تحتاج أموالكم التي لا تنفقونها إلى توبة، وأيضاً من أهان زوجته لأنها ضعيفة ألا يعلم أن الظلم ظلمات يوم القيامة وأن الأمر يحتاج إلى توبة؟ وضابط الشرطة الذي آذى الناس وأهانهم ألا يعلم أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة أشدهم للناس عذاباً في الدنيا.. ألا يحتاج إلى توبة؟ من أكل أموال الناس واليتامى.. ألا يحتاج إلى توبة؟



وإذا تركنا أمر الكبائر أفلا تحتاج آلاف الصغائر التي تقترف في اليوم إلى توبة؟ وكذلك الغافل عن الله فهو يرى نفسه إنسان محترم وهو بالفعل كذلك ولكنه غافل عن الله، وأحياناً تكون توبته أصعب من توبة العاصي؛ لأن العاصي بعد فترة يشمئز من المعصية أما الغافل فالشيطان يظل يقول لك أنت إنسان ممتاز ولتظل ساه عن الله.. فمتى يفيق هذا الغافل؟ ((أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ..)) (المائدة:74) أتشعر بالحنان في الآية؟ كذلك الشباب المتدين الذي لا يفعل شيئاً للدين وهو كله قوة وحيوية.. ألا يحتاج إلى توبة؟ وكذلك العمر الذي مضى في البعد عن الله، والنعم التي ينعم الله بها عليك ولم تشكر الله عليها.. ألا تحتاج إلى توبة؟



يقول سفيان الثوري وهو من قمم التابعين: جلست يوماً أعد ذنوبي فعددتها فإذا هي 21000 ذنب، فقلت لنفسي تلقى الله يا سفيان بواحد وعشرين ألف ذنب، يسألك عن ذنب ذنب، تقف بينك وبين الله ليس بينك وبينه ترجمان يسألك عن ذنب ذنب؟! يقول: فجلست أعد وأتوب أعد وأتوب أعد وأتوب. وقد حكيت في مرة هذه القصة لصديق لي فقال أنه قد فعل هذا الأمر ويحلف لي أنه بعد أن فعل هذا الأمر شعر أنه في قمة الحيوية والنشاط وفرحة تملأ قلبه.



لقد أعطت سورة التوبة التوبة لكل أصناف الناس حتى المشركين وقد ذكرت فيها التوبة سبع عشرة مرة، فيقول الله تبارك وتعالى عن المشركين: ((لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ..)) (التوبة:10-11)، ثم يتكلم بعد ذلك عن الناس التي خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً: ((وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ..)) (التوبة:102)، وحتى للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ..)) (التوبة:117) فالتوبة مفتوحة لكل الناس.



التوبة في القرآن والسنة:

سنذكر الآيات والأحاديث التي تتكلم عن التوبة لعل القلوب تتحرك بعد هذه البداية الشديدة. يقول رب البيت العتيق: ((قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) وهذه الآية تشعر منها أنها تلملم الجراح، فهل من دعوة أكثر من هذه الآية للتوبة؟ فكأنه يقول لك مهما بلغت ذنوبك وبعدت أو شردت فإن أتيت له تقول تبت إليك يقول لك لبيك عبدي، وانظروا للطف الآية فهو يقول يا عبادي ولم يقل يا مجرمين أو يا عصاة، كما أنه قال يا من أسرفوا على أنفسهم ولم يقل ذنباً بعينه ويفضحهم، وبقية الآية يجعلك تهتز بشدة: ((وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ - تعالوا بسرعة - وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)) (الزمر:54-55)، ثم ينتقل إلى مشهد يوم القيامة: ((أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي - لقد عرض عليك التوبة!- لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً - لو أن هناك فرصة فأتوب - فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)) (الزمر:56-58).. إنني أخاف أن تسمع هذه الآية يوم القيامة.. ((بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)) (الزمر:59-60).



يقول الله تعالى وهو يبين لك أنه يغفر لك ويحبك أيضاً: ((..إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) (البقرة:222)، وإرادة الله منا هي: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)) (النساء:27) فكل المذنبين مخاطبين بهذا الآية، فأنتم لن تتحملوا يوم القيامة ((أَفَلاَ يَتُوبُونَ..)) (المائدة:74)، ويقول الله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) (الحجرات:11) فقد قسم الناس لتائب أو ظالم لنفسه فلا ثالث لهم.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم من الخطأ: ((يا أيها الناس استغفروا الله فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة))، ألم تقل في مرة تبت يا رب عن ما مضى من ذنوب توبة شاملة وأبدأ معك صفحة جديدة من رمضان حتى ولو كنت متديناً وغفلت عن ربنا، إن التوبة هي أول منازل العبودبة وآخر منازلها، بداية التدين ونهاية الحياة، ولهذا ختمت حياة النبي بسورة التوبة، وآخر آياته بسورة النصر: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ... فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ...)).



يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله خلق باباً يوم خلق السماوات والأرض تركه مفتوحا، الباب من قبل المغرب، مسيرة الباب مسيرة الراكب سبعين عاما لا يقطعه، يسير الراكب في عرضه سبعين عاما لا يقطعه)) فقال النبي: ((أتدرون ما الباب؟)) قالوا: ((لا يا رسول الله)) قال: ((الباب التوبة)) إن الباب واسع ومفتوح وأكبر من ذنوبك ((فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق)) ولهذا هو من قبل المغرب.. أفلا تتوب؟!



يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يذنب ذنباً فيقوم إلى الله فيتوضأ ويصلي ركعتين ثم يجلس يستغفر الله إلا غفر الله له ذلك الذنب)) رواه الإمام أحمد، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((ما من أحد أحب إليه العذر من الله)) ولله المثل الأعلى فعندما تعتذر للناس بعد قليل يقولون لك أعذارك سخيفة كفى أما الله سبحانه وتعالى فيحب الأعذار وأن تعتذر له، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيئوا النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئوا الليل)) 24 ساعة يقبل التوبة، ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة، أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق عقوبتي، وأنا أرحم بكم من الأم الشفيقة بولدها، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم)).



يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يتنزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل كل ليلة ينادي من يدعوني فأستجب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟))، يقول الله تعالى لداود: ((يا داود لو يعلم المدبرون عني شوقي لعودتهم ورغبتي في توبتهم لذابوا شوقاً إليَّ، يا داود هذه رغبتي بالمدبرين عني فكيف محبتي للمقبلين علي))، ويقول تعالى في الحديث: ((إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويُعبد غيري، أرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتودد إليهم برحمتي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليَّ، أهل ذكري أهل مجالستي، أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم وإن أبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب، من أتاني منهم تائباً تلقيته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب أقول له أين تذهب ألك رب سواي؟))، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لللّهُ أرحم بكم من الأم الشفيقة بولدها))



معاني هامة..

· يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جميل جداً: ((إن الله يفرح بتوبة عبده)) ثم يضرب النبي مثلاً على هذه الفرحة فهي أكثر من فرحة رجل يمشي في الصحراء ومعه ناقته عليها طعامه وشرابه وفي وسط الصحراء جرت منه، فأيقن الرجل بالهلاك والموت بينما هو كذلك حفر لنفسه حفرة وقرر أن ينام فيها من شدة اليأس.. تخيل حالة اليأس التي هو فيها.. حالة اليأس التي يكون فيها العاصي والذنوب قد ملأت حياته، فبينما هو كذلك إذا بالناقة فوق رأسه عليها طعامه وشرابه، فمن شدة فرحته يريد أن يشكر الله فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! فقد أخطأ من شدة الفرح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فالله أفرح بتوبة أحدكم إذا تاب من هذا الرجل)) فرحة ليست كفرحة البشر.. سبحانه وتعالى ((..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)) (الشورى:11)، إن فرحة الله بتوبتك هي أكبر من فرحتك أنت بتوبتك، ولله المثل الأعلى لأنك عندما تتصدق بمال تكون فرحتك أكثر من فرحة من تصدقت عليه لانشغاله بما أخذ منك ولا يدرك فرحتك أنت به، وكذلك فعند التوبة يكون هناك في القلب انكسارة خجل وألم.. فلا شيء أحب إلى الله من هذه الانكسارة في قلب التائب لأنها حققت قمة العبودية لله سبحانه وتعالى.



· إن التوبة تنقلك إلى أعلى درجات القرب من الله ففي اللحظة التي تتوب فيها تكون حبيبا للرحمن، وهناك أمر يشجعك على التوبة فإبليس اللعين عندما رفض أن يسجد لآدم وطرد من الجنة قال: وعزتك وجلالك لأغوينهم مادامت أرواحهم في أجسادهم، فقال له الله: ((وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما داموا يستغفرونني)).. فلتتوبوا له.



· لماذا يتوب الله علينا كل هذه التوبة؟ وذلك لأنه سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان خلقه للإصلاح في الأرض ((..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً..)) (البقرة:30)، فماذا لو لم تكن هناك توبة؟ سرق أحد أو أكل مال الناس وندم ولكن لا توجد توبة فسوف يسرق مرة أخرى فتفسد الأرض، كم أتمنى أن أسمع عن حاكم أو رئيس جمهورية أو شخص في مصلحة يجمع الناس ويعلمهم التوبة ويقول لهم غداً يوم التوبة من الرشوة أو الكسل أو المحسوبية.. والله سوف ينتجون إنتاجاً؛ لأن التوبة تقوم على فكرة إصلاح المجتمع، فليت بلادنا تصلح نفسها بأسماء الله الحسنى.. باسمك نحيا.



· إن التواب يطلب منك تقليل نقاط الضعف في حياتك وإصلاحها والشكور يُعظم فيك نقاط القوة، وللتوبة دور آخر ففي اللحظة التي تتوب فيها تكون قد عرفت الله سبحانه وتعالى فلن تتوب إلا وقد عرفت أنه عظيم وأنه منتقم وأنه رحيم وأنه غفور فقد عرفته بأسماءه الحسنى كلها في اللحظة التي تتوب فيها.



· ومن الممكن أن تسأل لِمَ لمْ يعصمنا الله من البداية؟! إن الرب هو الذي يربي عباده، الرب سبحانه وتعالى خبير بك فلو أن حياتك بلا ذنوب وكلها طاعة فسوف تصاب بالعُجب ورؤية الذات كما حدث مع إبليس فكفر، فالله سبحانه وتعالى برحمته لم يعصمك من الذنوب. يحكي ابن القيم في أثر جميل كي تفهم لماذا لم يعصمنا الله. وهو عندما أكل آدم من الشجرة ونزل من الجنة وكان يبكي فقال له ربنا: ((يا آدم.. إذا عصمتك وعصمت بنيك فعلى من أجود برحمتي ومغفرتي وعفوي وحلمي وأنا التواب الرحيم، يا آدم.. كنت تدخل علينا في الجنة دخول الملوك على الملوك والآن تدخل علينا دخول العبيد على الملوك وذلك أحب إلينا، يا آدم.. ذنب تتذلل به إلينا أحب إلينا من طاعة ترائي بها علينا، يا آدم.. أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيح المرائين، يا آدم.. لا تحزن أنني قلت لك اخرج فلك خلقتها ولكن انزل إلى الدنيا وابذر بذر التقوى وأصلح في أرضي حتى إذا اشتقت إلى الجنة تعالى لأدخلك إياها)).



· هناك معنى آخر جميل جداً يحببك في التوبة أكثر وأكثر، فاسم الله التواب له علاقة باسم الله الرحيم، فالتوبة دائماً تذكر مع الرحمة، وقبل ذكر العلاقة فبماذا تحب أن يعاملك الله؟ بعدله أم برحمته؟ إن كان بعدله فسيتركك تعمل ما تشاء في الدنيا ويوم القيامة يواجهك بخطأك ويرميك إلى النار ولكن برحمته يهديك إلى التوبة.. وقد يكون ذلك بإشارة خفيفة أو بمصيبة أو ابتلاء إن لم تكن سريع الفهم، اسمع هذه الجملة واحفظها: إما أن تذهب إلى الله راكضاً أو يأتي بك راقداً. كل هذا كي أربط التواب بالرحيم، وهو يبدأ معك بأن يحببك في التوبة وأنا لي صديق طبيب ومتدين يحكي لي أنه قد ذهب ليفحص مريضة سكر وبعد انتهاءه أصرت أن يوصله ابنها، وفي الطريق بدأ يسأل الابن عن صلاته وعن بعض الأمور الدينية فرد عليه بأن الصلاة هي كلام فارغ! فقال له الطبيب ألا تخاف من النار؟! فأجابه أن أهل النار هم أحسن ناس!! فغادر الطبيب السيارة، وبعد عام ذهب صديقي مرة أخرى ليفحص المريضة بعد أن طلبت منه ذلك فذهب إليها وعند مغادرته طلبت منه أن ينتظر كي يوصله ابنها فرفض ذلك بشدة فقالت له إنه يصلي العشاء بالمسجد وسيأتي فورا! فقرر أن ينتظره وفي الطريق سأله ما الذي حدث؟ فقال له أنه عمل في شركة سياحة تنظم رحلات حج وعمرة وقد كان مع أحد الأفواج وقد ذهبوا هم ليعتمروا وظل هو بالفندق وحده وكلما أقدم على فعل أي حرام لم يجد الفرصة فقرر أن يذهب كي يرى الكعبة لأول مرة في حياته وكان اليوم هو الأول من شعبان في الصباح الباكر وهو يوم غسل الكعبة وفتح بابها، وهو يقف يتفرج فجاءه واحد من آل شيبة وهم أناس كرام عندهم مفتاح الكعبة وقال له أتحب أن تصلي داخل الكعبة؟! فمن الذي فعل هذا؟! فأحرج منه الشاب ودخل داخل الكعبة يقول: كأني أغسل من جديد وأخلق من جديد، يقول دخلت فاسق جاحد خرجت مؤمن موحد أقول تبت يا رب تبت يا رب.. أرأيت كيف أتى به؟



بعد كل هذا الكلام هل تريد أن تتوب؟ هناك آيتين جميلتين جداً، آية تقول: ((..ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا..)) (التوبة:118) فقد سبقت توبة الله توبة العبد، والآية الثانية: ((إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ..)) (البقرة:160).. فالآية الأولى وُفق للتوبة فتابوا والآية الثانية قبل التوبة.. فمنه وإليه، فهو يحملك على التوبة فتتوب فيقبل التوبة.. ولكن هو من وفق لها بداية مثل ما حدث مع آدم فعندما أكل آدم من الشجرة كان يجري في الجنة ولم يكن قد تعرف على الله التواب ولا يعرف كيف يسامحه، تقول الآية: ((فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ..)) (البقرة:37) قال له قل يا آدم: ((..رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) (الأعراف:23) فقالها فقال له: تبت عليك.. فهو الموفق للتوبة أولا والقابل لها ثانياً.



شروط التوبة:

للتوبة بينك وبين الله ثلاثة شروط وتستطيع فعلهم وأنت جالس الآن بقلبك:

1. الندم، يقول النبي: ((التوبة الندم)).. فبدون الندم لا تقبل التوبة.

2. التوقف عن الذنب.

3. العزم على عدم العودة.. لا يمكن أن أبيع دنيتي بآخرتي، إن الدنيا كفقاعة صابون بجوار جوهرة ثمينة، أو كمن في جيبه عشرة ريالات ويعرض عليك شيك مفتوح مكتوب عليه ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)) (ق:35). لقد وردت قصة لطيفة في الأثر عن موسى عليه السلام فقد ظل سبعون ألفا من بني إسرائيل في القحط الشديد ولا ينزل المطر ويكادون أن يموتون من العطش والبهائم كذلك، فوقف موسى يدعو وقال لهم نخرج للاستسقاء وصلوا صلاة الاستسقاء، وظل يدعو ويدعو والمطر لا ينزل، فقال: يا رب عودتني الإجابة فلم ينزل المطر، فأوحى إليه الله: يا موسى لن ينزل المطر لأن بينكم عبد يعصاني منذ أربعين سنة وهو يعصاني فبشؤم معصيته منعتم المطر من السماء.. هل عرفتم مصائبنا وأحوال بلادنا ما سببها؟.. فقال موسى: يا رب فماذا نفعل؟ قال: أخرجوه من بينكم لينزل المطر، فقال موسى لبني إسرائيل: بيننا رجل يعصي الله أربعين سنة، فأخرجوه من بينكم لينزل المطر. إن الرجل يعرف نفسه فقال يا رب: أنا إن خرجت فضحت وإن بقيت منعنا من المطر ومتنا، ماذا أفعل؟ ليس لدي غير أني أتوب إليك وأعاهدك ألا أعود فاسترني وأنزل المطر.. فنزل المطر من السماء، فقال موسى: يا رب نزل المطر ولم يخرج أحد! فأوحى إليه الله: يا موسى نزل المطر لفرحتي بتوبة عبدي الذي يعصاني منذ أربعين سنة، فقال موسى: يا رب دلني عليه لأفرح به، فقال له الله تبارك وتعالى: يا موسى يعصاني أربعين سنة وأستره، أيوم يتوب إليَّ أفضحه؟!.



هناك شرط رابع للتوبة: وهو إن كنت قد أكلت حقاً من حقوق الناس فلابد أن تُعيده، ومهما تبكي فلابد من إعادة حقوق الناس، ولكن عند الغيبة لا تخبروا الأشخاص الذين اغتبتموهم.. ادعوا لهم كي لا يتغيروا من ناحيتكم.



أحلى يوم في حياتك..

لقد تخلف سيدنا كعب بن مالك عن جيش المسلمين في تبوك وأمر النبي بخصامه خمسين يوماً واشتد تعبه، وبعد الخمسين يوم نزلت آيات التوبة في سورة التوبة بتوبة الله عليه، فخرجت الناس تنادي عليه: يا كعب أبشر.. تاب الله عليك، يقول: فخرجت من بيتي يتلقاني الناس في الطريق أفواجاً يقولون لي مبروك توبة الله عليك يا كعب، حتى دخلت المسجد فرأيت النبي فاستنار وجهه من الفرحة بي كأنه قطعة قمر وقال لي: تعال، فذهبت أمشي بين يديه وأنا خجلان، فقال: اجلس فجلست، فقال لي: أبشر يا كعب بخير يوم طلع عليك منذ ولدتك أمك.. تاب الله عليك.



وأخيرا.. ماذا لو عدت للذنب؟ يقبلك إن تبت مرة أخرى وثانية وثالثة، ((أذنب عبد ذنبا فقال: يا رب أذنبت فاغفره لي، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي، ثم عاد فأذنب ذنباً فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي، ثم عاد فأذنب ذنباً فقال الله تبارك وتعالى فليفعل عبدي ما شاء مادام يستغفرني ويتوب إليَّ)). ولكن أحياناً عندما تذنب مرات عديدة تشعر بحاجز وأنك تستطيع التوبة وتشعر بالخجل فيقول لك التواب اعمل حسنة كي تكسر حاجز الخجل ((..إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ..)) (هود:114) و ((أتبع السيئة الحسنة تمحها)) ولهذا كان شهر رمضان كي تعمل الحسنات وتكسر الحاجز فتتوب.. إن رمضان شهر توبة، وأقسمت عليكم أن تعبدوا التواب الليلة فهذه الحلقة حجة عليَّ وعليكم يوم القيامة.

المصدر: http://www.amrkhaled.net/articles/articles1572.html