الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

29 - يوم الحساب .. الله يسأل والمسيح يجيب


محمد العريفيحسن الحسيني


بعد أن أبحرنا في قصة العذراء والمسيح عبر الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، والأثار المروية ، ها نحن نصل إلى المحطة الأخيرة ضمن فصول هذه الحوادث المثيرة ، لتمضي بنا هذه القصة إلى القضية الأساسية ، قضية الألوهية والربوبية ، وهية القضية الواضحة في الدرس كله ..

{وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} المائدة .

.................................................. .............

* الشيخ حسن الحسين : فلنعد إلى المشهد العظيم ، فهو ما يزال معروضاً أماما أنظار العالمين ، لنعد إليه فنسمع استجواباً مباشراً هذه المرة في مسألة الألوهية المنسوبة لنبي عيسى وأمة مريم عليهم السلام ، أستجواباً يوجه إلى عيسى عليه السلام في مواجة الذين عبدوه من النصارى ، يسمعون هو يتبرأ لربه سبحانه وتعالى في دهشة وفزع من هذا الأمر الذي المنسوب إليه .

* الشيخ محمد العريفي : نعم أنتهت الحياة على وجه الأرض ، تلك الجبال زالة من أماكنها ، بُدلت الأرض غير الأرض ، والسموات والأشجار تغيرت ، الناس ماتوا ، أدواب والحيوانات الطيور الحشرات كل شياً أنتهي ، تموت الملائكة العظام ، ولا يبغي إلا وجه ربك – ذو الجلال والكرام – تموت كل الخلائق من أنساً وجناً وملائكة وحيواناُ وطيراً وسباع ووحشاً وهوام ، تموت جميع المخلوقات ولا يبغي إلا هو – جلا جلاله – عز جاهه وجل ثناءه وتقدست أسماءه ، ولا إله غيره ، وسبحانه الحي الذي لا يموت ، والجن والأنس يوتون سبحانه ، هو الذي يعلم السرائر والضمائر ، هو الأول والآخر الباطن والظاهر سبحانه ، وجهه أعظم الوجوه ، وجاهه أعظم الجاة ، وعطيته أعظم العطايا واغناها سبحانه ، حياُ لا يموت في السماء ملكه ، وفي الأرض عظمته ، وفي البحر قدرته ، وبالعذاب سطوته سبحانه لا إله إلا هو كل من عليها فأن ، الملوك بحجابها ، والأرواح والأموال والأغنياء والفقراء كل من عليها فأن ، وتبقى أنت سبحانك ويبغي وجه ربك – ذو الجلال والأكرام – يبغي ربنا جل وعلا ، يطوى الله سبحانه وتعالى السموات والأرض كطي السجل للكتب ، وينادي جل وعلا لمن الملك ؟ لمن الملك اليوم ! أين الملوك ! أين الأكاسرة ! أين القياصرة ! أين الجبابرة ! أين من ظلموا الناس وطغو ! أين من جمعوا المال ومنعوا ! لمن الملك اليوم ؟ لمن الملك ؟ .. فلا يجيبه أحد ! قد مات الخلائق أجمعون ، لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد ، لأنه لم يبغي إلا أنت سبحانك ، تفعل ما تشاء ، وتحكم ما تريد سبحانك ، أنت الذي من تشاء أحييته ومن تشاء أمته سبحانك ، أي ملك يبغى إلا ملكك ، وأي ذى سلطان يظل إلا سلطانك سبحانك ، لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد ! فيجب نفسه بنفسه ويقول جل وعلا : لله الواحد القهار .

* الشيخ حسن الحسيني : أن المؤمنين يخافون من مشهد ذلك اليوم العظيم ، ويهابون أهواله ، فإذا قام الناس من قبورهم وجدوا الأرض على غير صفتها التي فارقوها عليها ، حيث دكة الجبال ، وزالة التالال ، وانقطعة الأنهار ، وبادت الأشجار ، وسجرت البحار ، وتسأوت الروابي والمهاد ، وخربت المدائن والقرى ، وتغيرات الأحوال ، وزلزلة الأرض زلزالها ، وأخرجت اثقالها ، وبعثر ما في القبور ، وحصل ما في الصدور ، وما السموات فقد تشققت وتفطرت أرجاءها ، وانكدرت نجومها ، فبعد ذلك التغير والتبديل يكون الجزاء والحساب ، ويكون الأستجواب والسؤال .

* الشيخ محمد العريفي : أن ربنا جل في علاه ، يعلم ماذا قال عيسى عليه السلام للناس ، يعلم ربنا إلى أي شيء دعاهم عيسى لكنه ، الأستجواب الهائل الرهيب في اليوم العظيم ، السؤال الذي يقصد به غير المساؤل ، يقصد به اُؤلك الذين اتبعوا غير شرع الله في صورته هذه الإجابة عليه بياناً للتوحيد ، بياناً لبشاعة وقف المؤلهين لهذا العبد الصالح الأمين ، انها الكبيرة التي لا يطيق بشراً أن يقذف بها ، أن يدع أنه ربً وهو يعلم أنه عبد .. تعالى لله عن ذلك علواً كبيرا ، ويجل عيسى عليه السلام أن يدعي ذلك ، كيف برسول من اؤل العزم ! كيف بعيسى أبن مريم عليه السلام وقد أسلف الله تعالى عليه هذه النعيم كله بعد أن اصطفاه بالرساله ! كيف به يوجه استجواب أنه الدع الألوهية وهو العبد الصالح المستقيم {وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } المائده : 116 .. سؤالاً كبير ، استجواباً رهيب في مشهداً عظيم وموقف جسيم ، ما هذا السؤال ؟ أنه سؤال رب العالمين يوجهه لعيسى عليه السلام ، هل أنت أوصيت أتباعك أن يتخذوك ويتخذو أمك إلهين من دون الله ؟ كان الجواب والواقف الراجف من العبد الصالح لسيدنا عيسى عليه السلام الخاشع المنيب ، كان الجواب يُبدأ بتسبيح لله تعالى والتمجيد له .

* الشيخ حسن الحسين : نعم بدأ المسيح عيسى جوابه بتسبيح الله تعالى ، قال : { سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } ويستشهد المسيح بذات الله سبحانه وتعالى على براءته ، مع التصاغر أمام جناب الله وبيان خصائص عبودية ، وخصائص ألوهيته { إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }

وبعد هذه التسبيحه الطويله يجرا المسيح على الأثابات والتقرير ، فما قاله وفي ما لم يقله ، فيثبت أنه لم يقل لقومه إلا أن يعلن عبوديته لله تعالى وعبودية قومه لله تعالى { ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 117} ... هكذا يجيب المسيح وبهذا ينتهي كلامه في ذلك الموقف الرهيب ، إلى التفويض المطلق لله تعالى في أمر قومه ، فما يختاره ربهم سبحانه تعالى من الجزاء سواً بالمغفرة أو العذاب ، فيقول : { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 118} ... فيا لله العبد الصالح في موقفه الرهيب أين أولئك الذين أطلقوا هذه الفلية الكبيرة ، الذي يتبرأ منها ذلك العبد الطاهر ذلك التبرأ الواجف ، وبتهل من أجلها إلا ربه هذا الابتهال المنيب ، لماذا هم اليوم صامتون ؟ لماذا هم اليوم ساكتون ؟ لماذا لا نسمع لهم حسا ؟ لماذا نشعر لهم همسا ؟ أين هم في هذا الوقف ؟ أين هم من هذا المشهد والمسيح عليه السلام أمامهم يصرح هذا التصريح الخطير ، أن السياق القرآني لا يلقي إليهم إلتفاتً وأحد ، ولا يصف حالهم ولو بكلمة عابرة ، فعلهم يتذوبون خزيا ، لعلهم يعظون إياديهم ندما ، لعلهم يبكون دما ، فلنعدهم اليوم ، فلندهم اليوم وليس أمامنا إلا أن نتدرك الحديث عنهم حيث تركهم السياق القرآني { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119 ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 120 ) }

* الشيخ محمد العريفي : وبعد هذا الحوار الرهيب بين الرب جل وعلا – وبين عبده عيسى عليه السلام – بين الخالق العظيم وبين المخلوق ، لنشهد ختام المشهد العجب قال الله : { هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } أنه التعقيب المناسب على الذين أطلقوا تلك الفرية الضخمة على هذا التي الكريم عيسى عله السلام ، في اعظم القضايا كافة في قضية الألوهيه والعبودية ، التي يقوم على أساس الحق هذا الوجود كله ، بل يقوم على أساسها على أساس العبودية هذا الوجود ، وما فيه ومن فيه { هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } أنه كلامة رب العالمين ، في ختام الأستجواب الأهايل ، على مراء مسمع من الخلائق كله ، في يوم الحسب العظيم ، وهية الكلمه الحاسمه في ذلك المشهد ، بل هيه الكلمة القضية في القضية ، هيه الكلمة الآخيره في القصة ، ومعها ذلك الجزاء الذي يليق بالصادقين وصدقهم قال الله : { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}.... درجات بعدها درجات ، الجنات والخلود ورضا الله تعالى عنهم ورضاهم بما لقو من ربهم من التكريم { ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

.................................................. ....

في نهائيه هذا القصة نقف مع أعظم درسً فيها ونحن نعيش تفاصيل مواجه الفرية الكبيرة .. الفرية التي تبرأ منهم المسيح ، وفي ختام الحوار بين الله وبين المسيح يجي الإيقاع الآخير في سورة المائدة { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ختام يتناسق مع تلك القضية الكبراء ، وهكذا أنتهى قصة العذراء والمسيح كما تحد ث عنه الله في القرآن الكريم ، وكما وردة في الأحاديث والأثار مع هذا كله لا يغني عني شياً ، إلا إذا من الله على بتوفيق ، وهداني إلى سواء الطريق ، ذلك أن المسيح وأمه مريم قد أختلف حولهم الأولون والآخرون واثارة شخصيتهم جدلاً ، ما زالت ثارا فلا سبيل أمامي إلا أن اسجد لله رب العالمين ، وأسأله وجهي وأتوب

{ اللهم أني جاهلاً فعلمني ، اللهم أني ظالاً فهدني ، اللهم رب جبريل وميكائل وأسرافيل ، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، أهدني لما أختلفوا فيه من الحق بأذنك ، أنك تهدي من تشاء إلى صراط المستقيم }

|

__________________

..عٓليكٓ أن تَشْغَلَ قهرك وحزنك بالاسْتِغْفـار المُتيَـقِّـن بالفرج..

((اسْتغفِرُ الله العَظيم الذِي لا إلَه إلاهوْ الحَيُ القيَوم وأتوبُ إليه))

*******************

وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني ** وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ

خلقتَ مبرأً منْ كلّ عيبٍ ** كأنكَ قدْ خلقتَ كما تشاءُ

" اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه "

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2