الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

24 - الحواريون والمائدة


محمد العريفيحسن الحسيني


مضى المسيح في دعوته ولم يتوقف لأن اليهود لم يعجبهم بل حسم أمر العقيدة وأعلنها صريحة { إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ.. } ، ووضع أمامهم المنهج فقال { ..هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } [آل عمران : 51] فماذا حصل بعد التكذيب ..

{ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) } [آل عمران] ..

الشيخ محمد العريفي : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } ، هذا يشير إلى أن القائد وصاحب الدعوة لابد أن يكون يقظ الإحساس فقوله تعالى عن المسيح - عليه السلام - { فَلَمَّا أَحَسَّ } تعطينا درساً في فقه الدعوة وصفة الداعية تأملوا في صفة دقيقة في المسيح - عليه السلام - وهي ملاحظته للمشاعر الظاهرة والخفية عند من يدعوهم مستخدما بذلك حواسه فكلمة أحس تدل على الحواس الخمس اللمس والنظر والسمع والتذوق والشم إن رجل الدعوة مأمورٌ بأن يعمل كل حواسه حتى يميز في اللحظة الحاسمة بين الذي يرتجف فيتأخر وبين الذي يطمئن فيتقدم ..

الشيخ حسن الحسيني : إن الدعوة تحتاج إلى معركة والمعركة تحتاج إلى تضحية والتضحية تكون بالنفس والنفيس لذلك لابد لعيسى - عليه السلام - أن يستثير ويحرك من يجد في نفسه الإقدام على هذه المسألة وهو لم ينادي أفراداً محددين إنما طرح الدعوة ليأتي الأنصار الذين يستشرفون في أنفسهم القدرة على حمل لواء الدعوة نادى قائلا { ..مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } ، إن المسيح هنا لا يسأل عن أناس يدخلون في لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو الجاه أو المال إنما يسأل عن أهل العزم هنا قال الحواريون { ..نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ } ، فمن هم الحواريون ؟ ..

الشيخ محمد العريفي : الحواريون هم أخَصُ أتباع عيسى - عليه السلام - الذين استجابوا له وآمنوا به واتبعوا ما جاءهم به من الوحي والشرع كانوا اثني عشر رجلا قال ابن كثير الحواريون قيل كانوا قصاريين يبيضون الثياب للناس وقيل كانوا صيادين والصحيح أن الحواري هو الناصر ويؤيد هذا ما ثبت من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس يوم الخندق من يأتيه بخبر بني قريظة فانتدب الزبير بن العوام ثم ندبهم فانتدب الزبير ثم ندبهم أي ناداهم وعرض عليهم ذلك فانتدب الزبير قام الزبير قال : أنا يا رسول الله للمرة الثالثة فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده وقال : (( إنَّلِكُلِّنَبِيٍّحَوَارِيًّا ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بنُ العوامِ )) .

الراوي :جابر بن عبد الله المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم : 3719خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

فالحواريون هم الأنصار والأعوان وخاصةُ الأصحاب وأهل الإتباع والتصديق وسبب التسمية بالحوارين قيل لبياض ثيابهم وقيل لخلوص نياتهم وصفاء سريرتهم وقيل لأنهم خاصة الأنبياء ولا يمنع اجتماع كل هذه المعاني الجليلة في أولئك النفر الأجلاء في الحوارين الذين أشرقت سيماء الهداية على وجوههم وأشرق الإيمان في قلوبهم ..

أنت يا شمعون ألست قد رميت شبكتك الليلة الماضية فما اصطدت شيئا فألقها في الماء الآن مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين

الشيخ محمد العريفي : ذكر الألوسي في تفسيره روح المعاني أن الحواريين قومٌ كانوا يصطادون السمك فيهم يعقوب وشمعون ويوحنا مر بهم سيدنا عيسى - عليه السلام - فقال لهم أنتم تصيدون السمك فإن اتبعتموني صرتم تصيدون الناس بالحياة الأبدية فقالوا له : من أنت ؟

قال : عيسى بن مريم عبد الله ورسوله

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئا فأمر عيسى - عليه السلام - بإلقائها في الماء مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين فعند ذلك آمنوا به - عليه السلام - قيل كانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا فيضرب المسيح بيده على الأرض فيخرج لك واحدٍ رغيفين وإذا عطشوا قالوا عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا أسقيتنا وقد أمنا بك فقال المسيح - عليه السلام - :أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه .. فصاروا يغسلون ثياب الناس بالأجرة ويأكلون ..

وهكذا عندما كفر اليهود بالحق وصاروا أنصاراً للظلم والظلمات انتدب المسيح أنصاراً للحق والآيات البينات فصاح في بني إسرائيل { ..مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ } فاستجاب الحواريون { ..نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ } ..

الشيخ محمد العريفي : وبالسيد المسيح - عليه السلام - اقتدى سيدنا محمدٌ - صلى الله عليه وآله وسلم - فقد كان يعرض نفسه على الناس في كل موقف إذا جاءوا إلى مكة فيقول ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام الله حتى وجد الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - وقد قدموا من المدينة فآووه ونصروه ومنعوه من كل من يؤذيه وقاتلوا معه كما وجد المسيح قبله طائفة من بني إسرائيل آمنوا به وعزروه ونصروه ووقفوا معه واتبعوه واتبعوا النور الذي أنزل معه ولهذا قال الله تعالى مخبرا عنهم : { ..قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) } [آل عمران]..

الشيخ حسن الحسيني : أيها الإخوة هل سمعتم بقصة المائدة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن المسيح قال لبني إسرائيل هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا ولم نكن نعمل لأحدٍ ثلاثين يوما إلا أطعمنا طعاماً حتى نفرغ فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال عيسى المسيح اتقوا الله إن كنتم مؤمنين اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم في دينكم وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها أي نحن محتاجون إلى الأكل منها وتطمئن قلوبنا إذا شاهدنا نزولها رزقاً لنا من السماء من عند الله ونعلم أن قد صدقتنا فنزداد إيماناً بك وعلماً برسالتك ونكون عليها من الشاهدين أي ونشهد أنها آية من عند الله ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به من عند الله ..

{ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) الُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113 ) } [المائدة] ..

الشيخ محمد العريفي : فلما رأى سيدنا عيسى - عليه السلام - إصرارهم وسمع منهم حجتهم .. { قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } [المائدة : 114] ، وقول عيسى - عليه السلام - يمتلأ بكل المعاني القيمة فهو يطلب أن تكون المائدة مناسبة عامة يفرح بها الأولون والآخرون وعظة لنا ولمن بعدنا وكافية لأولنا وآخرنا فماذا قال الله ؟ .. { قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } [المائدة : 115] ، تهديدٌ عظيم ليس له مثيل تذوب لهوله السموات والأرض فما اقترح قومٌ آية وجاء الله بها ثم جحدوها إلا أنزل الله تعالى بهم أشد العذاب قال بعض العلماء لما نزل هذا التهديد الإلهي خاف الحواريون وقالوا لا حاجة لنا بها فلم تنزل لكن جمهور السلف على أن الله - جل وعلا - أنزل المائدة عليهم لقوله - جل وعلا - : { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } ، ووعد الله تعالى حقٌ لا يتخلف أبدا ..

{ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115) } [المائدة] ،

الشيخ حسن الحسيني : أنزل الله على الحواريين سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم فأخذ المسيح - عليه السلام - يبكي وجعل يدعوا الله من مكانه ويقول اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني إلهي اجعلنا لك شكارين أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً وجزاء إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومَثُلَة فما زال يدعوا حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى - عليه السلام - وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا مثلها قط وخر عيسى والحواريون لله سجدا شكرا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمر عجبا أورثهم كمدا وغما وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة فإذا عليها منديلٌ مغطى فتناول المسيح - عليه السلام - المنديل وقال بسم الله خير الرازقين وكشف عن السفرة فإذا هو عليها سبعة أحواتٍ وسبعة أرغفة ..

الشيخ محمد العريفي : قال شُمعون رأس الحواريين لعيسى - عليه السلام - يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم طعامٌ نزل من الجنة ؟ فقال : عيسى ليس من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا إنما هو شيء ابتدعه الله تعالى وخلقه في الهواء بالقدرة العالية القاهرة فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين وقال كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله تعالى الذي أنزلها إليكم وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم وكانوا ألفاً وثلاث مائة إنسان بين رجل وامرأة فقاموا عنها وهم شبعى ونظر عيسى - عليه السلام - والحواريون فإذا ما عليها كهيئته لما نزلت من السماء لم ينتقص منها شيء حتى إذا زالت الشمس طارت المائدة صعودا وهم ينظرون إلا ظلها حتى توارت عنهم فلم يأكل منها مريضٌ إلا شفي ولا مبتلى إلا عوفي ..

هذا هو الفارق الكبير بين حواريي عيسى وبين حواريي محمد ذلك مستوى وهذا مستوى هؤلاء مسلمون وأولئك مسلمون وهؤلاء مقبولون عند الله وهؤلاء مقبولون ولكن تبقى المستويات متباعدة كما أرادها الله سبحانه .

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2