الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

21 - عيسى ويحيى عليهما السلام


محمد العريفيحسن الحسيني


قديماً كان العالم مفككاً مفرَّقَ الجماعات ضعيف الإتصالات مقطَّعَ المواصلات تعيشُ كل

جماعةٍ في انعزال فإذا انتشر مرض في بقعةٍ ما يضل محصوراً في هذهِ البقعة ، ويبعثُ

اللهُ رسولاً ليعالجُ هذا المرض وكلُّ الأنبياء والرسل يعالجون في أُمم ، مرض الكفرِ بالله

والشركِ بهِ فيبدءون بمداواة الشعوب ضد هذا الداء العُضال ، ثم ينطلقون لتخليص

المجتمع من الداءات الأخرى التي نتجت عن هذا المرض فيعالجون مشكلة النقص في

الميزان والإنحرافات الجنسية وأمراض القلوب من الحسد ، والكِبْر والغرور وغير ذلك

وذلك بحسب ظروف كل بيئة .

( الشيخ محمد العريفي )

لذا قد يجتمعوا في زمنٍ واحد أكثر من رسول ، كلٌ يعالج داءاً ومرضا ، هذا سيدنا

إبراهيم عليه السلام كان موجوداً ومعهُ في الزمن نفسِهِ سيدُنا لوطٌ عليه السلام ، ها هو

سيدنا موسى عليه السلام كانَ موجوداً ومعهُ في نفس الوقت سيدنا شعيبٌ عليه السلام

إذاً كانت الرسل تتعاصر في بعض الأحيان لأن كل رسول منهم يعالجُ داءاً معينا وقد

يجتمعا يعضُدُ كلٌ منهما الآخر كحال موسى مع أخيهِ هارون عليهما السلام وكذلك الحالُ

في تواجد سيدنا المسيح ويحيى عليهما الصلاة والسلام في زمنٍ واحد .

( الشيخ حسن الحسيني )

ذكر ابن كثيرٍ في تفسيرهِ أن مريم عليها السلام لما حملت بعيسى ضاقت ذرعا ولم تدري

ماذا تقولُ للناس غير أنها ذكرت أمرها لأختها إمرأةِ زكريا وذلك أن زكريا عليه السلام

كانَ قد سأل الله تعالى الولد فأُجيبَ إلى ذلك فحملت امرأُتُهُ فدخلت عليها مريم فقامت

إليها فاعتنقتها وقالت أمُّ يحيى أشَعرتِ يا مريم أنَّي حُبْلى فقالت لها مريم وهل علمتِ

أيضاً أنَّي حُبْلى ثم ذكرت لها شأنها وما كان من خبرها ثم كانت إمرأةُ زكريا بعد ذلك إذا

واجهت مريم تجدُ الذي في بطنها يسجد للذي في بطنِ مريم أي يُعظِّمهُ ويخضع لهُ

وروي ذلك عن الإمام مالك رحمهُ الله قال :-

بلغني أنَّ أمَّ يحيى قالت لمريم إنِّي أرى أنَّ الذي في بطني يسجدُ للذي في بطنك ثم قال

مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لأن الله تعالى جعلهُ يُحْيِي الموتى ويبرىءُ

الأكمه والأبرص ثم علَّقَ ابن كثيرٍ قال :- إنَّ السجودَ كان في ملَّتِهِم عند السلام مشروعاً

كما سجدَ ليوسف أبواهُ وإخوته وكما أمر الله تعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام

ولكن حُرِّمَ في ملتنا هذهِ تكميلاً لتعظيم جلال الرَّبِ سبحانهُ وتعالى

" هُنالِكَ دعا زكريا ربَّه قال ربِّ هَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ ذُريَّةً طَيِّبة إنَّكَ سميعُ الدُّعاء فَنادتهُ

الملائكةُ وهوقائِمٌ يُصلي في المِحْراب أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقاً بِكَلِمةٍ مِنَ اللهِ وسيِّداً

وَحَصُوراً ونَبيِّاً مِنَ الصالِحين قالَ رَبِّ أنَّى يَكُون لي غُلامٌ وقَد بلَغَني الكِبَرَ وامرأتي عاقِر

قالَ كذلِكَ اللهُ يَفعَلُ ما يَشاء " .

( الشيخ محمد العريفي )

إنَّ القرآن الكريم أظهرَ العلاقة بين عيسى ابنِ مريم ويحيى عليهما السلام ، في سورة آلِ

عمران بأوضحِ صورة من خلالِ سياقِ آياتِ سورة آلِ عمران أكَّدت أن رزقَ مريمَ الثِّمار

في غيرِ أوانها ، كان مقدمةً لرزقِ زكريا بالولدِ في غير أوانه كما قال زكريا :-

" قالَ رَبِّ أنَّى يكُونُ لي غُلامٌ وقَد بلغَنيَ الكِبرَ وامرأتي عاقِر "

وأثبتت الآيات أنَّ ولادة يحيى عليه السلام بهذهِ الصورة العجيبة الخارقة التي لم يَعْتَدْ

عليها الناس كان مقدمةً لخلقِ عيسى عليه السلام بالصورةِ نفسها ، صورة عجيبة لم

يَعْتَدِ الناسُ عليها ولذلك كان عيسى ويحي عليهما السلام يجتمعان في حكمةٍ واحدة

إثباتُ قدرة الله تعالى المُطلقة على أنَّهُ يخلُقُ ما يشاء ويختار ، يحيى الذي وُلِدَ بخارقةٍ

كونيةٍ عجيبة من شيخٍ كبير وأمٍّ عاقر ، الذي اعترف اليهودُ بولادته ونبوته هو الدليلُ

الأول لإثباتِ الخارقةِ الكونية العجيبة في ولادةِ عيسى عليه السلام من غيرِ أبٍ ، وفي

تبرئةِ مريمَ البتول من إتهام اليهود ، فكما أنَّ اليهود آمنوا في الأول كذلك عليهم الإيمان

بالثاني وهو ما سمَّاهُ القرآنُ بالتصديق :

" مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ من الله " .

( الشيخ حسن الحسيني )

وبينَ النَّبيين الكريمين يحيى وعيسى عليهما السلام صلةُ قرابةٍ متينة فأمُّهُما أُختان ذلك

أنَّ أمَّ يحيى هي الأختُ الشقيقةُ لمريم عليها السلام ، أي أنَّ يحيى وعيسى يُعتبرانِ

وَلَدَيْ خالة ، كذلك هما متقاربان كثيراً في السِّن ولا يتجاوز الفرقُ بين عمريهما أشهراً

معدودات فبعد أن بشَّرَ جبريلُ عليه السلام زكريا بمولد يحيى عادَ بعدها بمدةٍ يسيرة

فبشَّرَ مريم بمولد عيسى عليه السلام ، أي أن يحيى يكبُرُ عيسى بمدة أشهرٍ على ما

يبدو ولقد بدأ يحيى دعوتُهُ قبل عيسى عليه السلام فبدأها في سنٍّ مبكرة ، قال الله تعالى عنه :-

" وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيَّا "

والمرادُ بها النُّبوة فيكون هذا خصوصيةً ليحيى عليه السلام أن أُوتيَ النبوة في حالِ

صباه هذا قول وقيل إنَّ الله تعالى أعطاهُ استقامة الفكر وإدراك الحقائق في حال الصبا

على غير المعتاد ، ويبعُدُ أن يكون يحيى عليه السلام أُعطي النُّبوة وهو صبي ، لأن

النُّبوة مرتبةٌ عظيمة فإنَّما تعطى عند بلوغِ الأشُّد لكن الله تعالى أعطاهُ العلمَ والفهم والجِّدَ

والعزم والإقبال على الخير والإجتهاد فيه وهو صغيرٌ حدث ، وذلك عن طريق حفظِ

التوراة وفهمها وتطبيقِ أحكامها ..

ولقد شرَّفَ الله تعالى هذينِ النبيين بأن سمَّاهُما بنفسِه فقد سمَّى اللهُ ابن زكريا يحيى

وسمَّى ابنَ مريم عيسى واللهُ جعلَ الأول سيِّداً وحصورا كما جعَلَ الثاني وجيهاً في الدنيا والآخرة .

( الشيخ محمد العريفي )

وفي مجال الدعوة نرى يحيى عليه السلام يدعو الناسَ إلى توحيد الله تعالى بالإقبال عليه

بفعل الطاعات وعدم عبادةِ غيرهِ ، سارَ المسيحُ عليه السلام على النهجِ نفسهُ وقد وُرِدَ

في السُّنَّةِ موقفٌ من مواقف النبيين الكريمين اشترك فيهِ في الدعوةِ إلى الله ، روى

الترمذي وغيره أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :-

" إنَّ الله أوحى إلى يحيى ابنِ زكريا بخمسِ كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل

أن يعملوا بهن فكأنَّهُ أبطأَ بهن فأتاهُ عيسى عليهِ السلام فقال إنَّ الله أمركَ بخمسِ كلمات

أن تعملَ بهن وتأمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تُخبرهُم وإما أن أُخبرهُم

فقال يحيى يأ أخي لآ تفعل فإني أخافُ أن تسبقني بهن ، أن يُخسفَ بي أو أُعذَّب ، قال

فجمع يحيى عليه السلام بني إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجدُ وقعدوا على

الشُرفات ثم خَطَبَهُم فماذا قال ؟؟

( الشيخ حسن الحسيني )

قال يحيى عليه السلام :-

إن الله أوحى إلي بخمس كلمات أن أعملَ بهن وآمرُ بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، أولهن

أن لآ تُشركوا باللهِ شيئا فإن مثَلَ من أشرَكَ باللهِ كمثل رجلٍ اشترى عبداً من خالصِ ماله

بذهبٍ أو فضة ثم أسكنهُ داراً فقال إعمل وارفع إلي بالمال فجعل العبد يعمل ويرفع المال

إلى غير سيِّده فأيِّكُم يرضى أنَّ عبدهُ كذلك ، فإن الله تعالى خلقكم ورزقكم فلا تُشركوا بهِ

شيئا ، الكلمة الثانية وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإنَّ الله تعالى يُقبِلُ بوجهِهِ إلى وجهِ

عبدهِ ما لم يلتفت ، الكلمة الثالثة وآمركُم بالصيام ، الكلمة الرابعة وآمركُم بالصدقة

الكلمة الخامسة وآمركُم بذِكرِ الله كثيراً ، ومثلُ ذِكرِ الله كمثلِ رجلٍ طلبُهُ العدو سراعاً في

أثره حتى أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسِهِ فيه ، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا

بذكرِ الله تعالى .

( الشيخ محمد العريفي )

من خلالِ هذا الحديث قدَّم لنا رسولنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم أخاهُ يحيى عليه السلام

داعياً إلى الله آمراً بني إسرائيل بالمعروف حيث أمرهم بعبادةِ الله وحده ، بالصلاة

بالصدقة ، بالصيام ، بذكرِ الله ، واستخدم ضَرْبَ الأمثال ليوضح ما يأمرهم به وهذا من

فصاحتهِ وعلمه من نجاحِهِ في الدعوة إلى الله كحال المسيحِ عيسى عليه السلام ، إسمع

إلى التكريم أكثر ، أشارَ نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إلى فضلِ ومنزلةِ يحيى وعيسى

ابني الخالة عليهما السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم :-

" الحسنُ والحسين سيِّدا شبابِ أهل الجنَّة إلا ابني الخالة عيسى ابنِ مريم ويحيى ابنِ

زكريا "

أخرجهُ ابن حِبَّان بسندٍ صحيح . إعتبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إعتبر يحيى

وعيسى عليهما السلام سيِّدَي شباب أهل الجنَّة ، كحال سِبْطَيه الحسن والحسين ، وقد

أخبرنا نبينا أيضاً انه عندما عُرِجَ بِهِ إلى السماء في ليلةِ المعراج شاهَدَ ابْني الخالة يحيى

وعيسى ، شاهدهما يستقبلانِهِ في السماء الثانية فرحَّبَ بالنبي صلى الله عليه وسلم

مرحباً بالأخِ الصالح والنَّبي الصالح دَعَوَا لهُ بالخير ، لقد كان لقاءاً جميلاً بين الأنبياء

كان لقاءاً في السماء هناك ، كان لقاءاً جَمَعَ بينَ الأخوة ، بين يحيى وعيسى ومحمد

عليهِم أفضلُ الصلاة والسلام .

( الشيخ حسن الحسيني )

سبحانَ الله فأصلُ الدعوتين واحد ، دعوةٌ إلهية بدأها يحيى وأتمَّها المسيح عليهما السلام

بنفس الطريقةِ والمنهجِ ونفسِ الألفاظ والأسلوب وعليه فإن دعوة عيسى كانت مكملةً

لدعوة يحيى عليهما السلام .

هذا ولم يُفصِّل القرآن وفاة يحيى عليه السلام بينما فصَّلت الإسرائيليات ذلك فأخبرت أنَّ

يحيى ماتَ مقتولاً وتحدثت عن أسبابِ مقتلهِ على يـد ملكِ دمشق آنـذاك من أجلِ إمرأة .

( الشيخ محمد العريفي )

روى قتادة أنَّ الحسن قال :-

إنَّ يحيى وعيسى عليهما السلام إلتقيا فقال لهُ عيسى إستغفر لي ، أنتَ خيرٌ مني فقال لهُ

يحيى أنتَ خيرٌ مني ، فقال عيسى أنت خيرٌ مني سلَّمتُ على نفسي وسلَّمَ اللهُ عليك

فعرفَ واللهِ فضله وقولُ عيسى عليه السلام سلَّمتُ على نفسي يُشيرُ

إلى قول الله جلَّ وعلا :-

" والسَّلامُ عليَّ يومَ ولدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حَيَّا "

فعيسى عليه السلام سلَّمَ على نفسِهِ ، وقولُهُ ليحيى سلَّمَ اللهُ عليك يُشير إلى قولهِ تعالى

" وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبعَثُ حَيَّاً "

المتكلم بهذا الكلام في حقِّ يحيى هو اللهُ جلَّ في علاه .. اللهُ العظيم .. فأي تشريفٍ أعظمُ من هذا .

************

لقد قرَّر اللهُ تعالى مَنْحَ يحيى السلام والأمان في مواطن ثلاثة فكيف لا يُعْصَمُ فيها من

الأخطار ، كما حمى اللهُ عيسى ومَنَحَهُ السلام والأمان في نفس المواطن الثلاثة لذا علينا

أن نتوقف عن الجزم في قصةِ مقتله ،

أولاً لعدم وُرودها في القرآن ولا في حديثٍ صحيح ، وثانياً لما يظهرُ من التعارضِ بينها

وبين سلامِ الله عليه في المواطنِ الثلاثة واللهُ أعلم ..

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2