الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

19 - مواعظ المسيح عيسى


محمد العريفيحسن الحسيني


توجّه المسيح مرةً إلى اليهود الذين ءامنوا به وقال لهم واعظاً وناصحاً : (إنكم إن ثبتُّم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق , والحق يحرّركم)

-مرحباً بني إسرائيل

-مرحباً بك

-يا شعب بني إسرائيل , لقد بعث الله المسيح عيسى بن مريم رسولاً إليكم مصدقاً للذي بين يديه من التوراة وأنزل معه الإنجيل فدعاكم إلى عبادة الله وحده لا شريك له , فما كان من الفِريسيّين والصدوقيين إلا الصدّ والإعراض , وهاهو يدعوكم لنصرته ويصيح بكم : من أنصاري إلى الله ؟

-نحن أنصار الله

يُصرّح المسيح –عليه السلام- بأن قضيته هي تحرير الإنسان من العبودية لغير الله لا يمكن أن تتِمّ إلا عن طريق معرفة الحق فإذا اتبع الإنسان الحقّ , فإن الحق بقوته سيحرّره من العبودية لغير الله تعالى ويكون بعدها بحقٍّ تلميذاً باراً بالمسيح –عليه السلام-

لقد جعل الله تعالى في الإنجيل هدىً ونوراً , وأودع في نصائح المسيح هدىً وموعظة ولكن لِمَن ؟ ]لِّلْمُتَّقِينَ[ فكما ذكرنا أن المتقين : هم الذين ينتفعون بكلام الله , المتقون : هم الذين يستوعبون مواعظ المسيح , فتكون لهم هدىً ونوراً , أما من جلسوا في الهيكل على كرسيّ موسى وتصدّروا لتعليم الشريعة للناس وأعطوا لأنفسهم حرية تفسير النصوص على أهوائهم , ونصّبوا أنفسهم قادةً روحيّين وأن على الآخرين الانصياع لأوامرهم , بينما هم في واقعهم اليوم أفعالهم تناقض أقوالهم فهؤلاء جميعاً صدق فيهم قول السيد المسيح –عليه السلام- : (اسمعوا أقوالهم ولا تعملوا أعمالهم) .

لقد أمات الفِريسيّون والصديقيّون روح شريعة موسى –عليه السلام- وحرّفوا مبناها , فبُعِث عيسى –عليه السلام- ليُحيي هذه الشريعة ويبعثها من مرقدها , قال تعالى : ]وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ[ كم كان بنو إسرائيل بحاجةٍ إلى ما يتّعظ الناس بأفعاله قبل أقواله ويقتدوا بسلوكيّاته قبل مواعظه , فكان المسيح –عليه السلام- هو ذلك الأنموذج العملي للقائم بشرع الله –سبحانه وتعالى- , كان المسيح –عليه السلام- إنجيلاً يمشي على الأرض .

بدأ المسيح –عليه السلام- دعوته في بيت لحم في فلسطين , ثم أنزل الله تعالى عليه الإنجيل ليدعو على ضوء تعاليمه , ويربي بني إسرائيل على مواعظه وآدابه , فيخرجهم من فساد عبادتهم وشرور أعمالهم إلى طريق الهداية والنور , قال المسيح –عليه السلام- : (اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم , انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد) .

هكذا كانت هي مواعظ المسيح –عليه السلام- لكن كيف كان واقعه ؟ هل كان المسيح –عليه السلام- يأمر الناس بالزهد ولا يفعله ؟ أو يأمرهم بترك التنعُّمِ بالدنيا ثم هو يلَغُ فيها ؟ كلا .. اسمعوا إلى هذه الحقائق عن هذا الرسول الكريم الذي خلّد الله تعالى ذكره في العالمين , ينشأ عيسى –عليه السلام عابداً زاهداً يلبس الصوف وشعر الماعز , نعلُه من لحاء الشجر شراكهما ليف , لم يدّخر شيئاً قط , طعامه ما وجده أكله وما ادّخر طعاماً لِغَدِه أبداً , لم يمتلك مسكناً , يتنقّل من مكانٍ إلى مكان أينما أدركَه الليل بات –عليه السلام- , كان عامّةُ تنقّله مشياً على قدمَيه وأحياناً يركب دابّة الحمار , عمله السياحة في الأرض , يسير في كلّ موضع يدعو الناس , رسالته الدعوة إلى الله تعالى , لا يؤويه بيتٌ ولا قرية , مأواه حيث جنّه الليل , سراجه ضوء القمر وظلّه الليل وفراشه الأرض , وسادته الحجر وربما طوى الأيام جائعاً لا يكاد أن يجد طعاماً , كان قليل الضحك لم يرَهُ أحدٌ مقهقهاً قط ومع ذلك فقد كان المسيح –عليه السلام- نبياً زاهداً وكان أسعد أهل زمانه , ألم يقُل الله –جل وعلا- عن المسيح –عليه السلام- ]وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ[ لقد كان عيسى –عليه السلام- مباركاً حيث كان وأينما تحول .

(يا معشر الحواريّين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه) هكذا كان المسيح يربّي أصحابه , فمن هم أصحابه ؟ أصحاب المسيح هم الفقراء , وأصدقاؤه هم المساكين وخِلّانه من المرضى والمحتاجين وجلساؤه قطّاع الطرق وبعضُ الخطّائين .

يخالط المسيح –عليه السلام- هؤلاء المستضعفين فيمسح دموعهم ويقضي حوائجهم ويتواضع لهم , يدعوهم إلى التوبة فيتوبون على يديه , يسوقهم إلى درب العظماء , يقول المسيح –عليه السلام- : (من علِم وعمِل وعلّم كان يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات) سبحان الله ! مرّ المسيح يوماً على بحر طبريّة فلقيَ مجموعةً من صيّادي الأسماك فدعاهم إلى الإيمان , ودعاهم إلى حمل دعوة الله –عزّ وجل- والتبشير برسالته فيعتذرون بأنهم مشغولون بصيد السمك فيقول لهم : تعالوا أعلمكم صنعةً تصيدون بها العالم بدلاً من صيد السمك , لسان حاله يقول : تعالوا فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من الدنيا وما فيها , فيتبعه منهم مجموعة , يصبحون تلامِذَته الخاصّين وأصحابه المنتخبين يرافقونه من قرية إلى قرية يدعون إلى الله –عزّ وجل- ويصيدون الناس في شباكهم إلى الجنّة والمغفرة بعد أن كان كلّ صيدهم سمك يرجعون بها إلى أهليهم .

وهنا يمكن أن نلحظ مجموعةً من الإشارات التي دلّت عليها مواعظ المسيح –عليه السلام- منها :

- أن عيسى –عليه السلام- يحاول من خلال هذه الحكَم والمواعظ أن يربي أنصاره التربية الإيمانيّة وِفقَ منهجٍ ربَانيٍّ قويم , أن يهيّئ أنفسهم بأرضية قويّة ليقوموا فينشروا رسالة الله تعالى في أرض الله ؛ ليستطيعوا بهذه القوة الإيمانيّة المستمدّة من قوّة الصلة بالله أن يواجهوا بني إسرائيل الذين قاموا لمحاربة عيسى –عليه السلام- .

- أننا نجد في مضامين مواعظ المسيح أخلاقاً ربّانيّة راقية وحِكَماً بالغة في الوقت الذي اختلط فيه الحق بالباطل , اختلط الوحي السماويّ بالهوى الإنساني , اختلط ما تبقى من تراث التوراة الإلهي مع التحريفات والأخطاء والاشتباهات البشرية التي أُضِيفت إليه .

عندما انتشرت الأمراض المستعصية في المجتمع الإسرائيلي من قسوة القلوب للاستكبار والجحود والعناد وقتل الأنبياء بغير حق , وغير ذلك من الداءات حتى قال الله تعالى عنهم : ]ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً[ فجاءت مواعظ المسيح –عليه السلام- بإيجاد تحوّلٍ للوضع النفسي والروحي والمشاعري لبني إسرائيل بمعالجة أمراض القلوب القاسية , بزرع الرفق والرأفة والرحمة , قال المسيح –عليه السلام- (لا تُكثِروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم , فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله ولكن لا تعلمون) والقرآن يُشير إلى وجود الفرق في هذا الجانب بين هذه الأمّة التي انتسبت إلى المسيح وبين الأمة الإسرائيلية التي كفرت بالمسيح عندما قارن بين علاقة النصارى مع المسلمين , وبين علاقة اليهود مع المسلمين ]لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ[ .

إن هذه الآيات تصِفُ حالة فريقٍ من أتباع سيدنا عيسى –عليه السلام- ]وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ[بمعنى : أنّ هذا الفريق الذين يتّصفون بصفات معينة هم أقرب الناس للموحّدين , هم أقرب الناس للمؤمنين , هم أشبه الناس بمن يعبدون الله تعالى وحده لا شريك له ؟ من هي هذه الفئة من النصارى الذين هم أقرب الناس مودّةً لكلّ موحِّد , الذين هم أبعد الناس عن الشرك بالله ؟ من هذه الفئة التي يمدحها الله تعالى ويذكر أنها أقرب الناس مودةً وحباً وشبهاً بالذين آمنوا ؟ من هم ؟ وصفهم الله –جلّ وعلا- فقال : ]وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ[ هذه الفئة هي الفئة التي توحّد الله –جلّ وعلا- التي لا تعبد غيره , هذه الفئة هي الفئة التي بقِيَت على الدين الصحيح الذي جاء به سيدنا المسيح عيسى بن مريم , هذه الفئة هي أحب الفئات لسيدنا عيسى –عليه الصلاة والسلام- .

(قصر النجاشي)

-هل تحمِل معك شيئاً مما يقوله نبيكم عن الله ؟

-نعم

-هلُمّ فأتِني به

-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ]فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ[

إن أتباع المسيح –عليه السلام- بالأمس كانوا إذا سمعوا مواعظ المسيح –عليه السلام- تأثروا فاهتزّت مشاعرهم ولانت أفئدتهم وسالت دموعهم فتتغيّر حياتهم , وهاهُم اليوم إذا سمِعوا ما أُنزِل إلى الرسول من هذا القرآن وجِلت قلوبهم واقشعرّت جلودهم وفاضت بالدمع أعينهم تعبيراً عن التأثّرِ بما يسمعون , عن التأثّرِ بالذي سمعوا من الحق , فالرب واحد والمنهج واحد والموقف واحد والحالة واحدة والموعظة واحدة والتربية واحدة والرسالة واحدة ؛ لأن المشكاة واحدة , والذين يبحثون عن الحق والله يميّزونه ويعرفونه وإن حامَ حوله الباطل مُحاوِلاً إخفاءه أو تشويهه , فلا يجد له أتباع المسيح –عليه السلام- في أول الأمر كِفاءً من التعبير إلّا الدمع الغزير , فتُمسِك الألسُن وتنطِق الأعيُن فيبكون تأثراً بالحقّ الذي يسمعونه , حين يبلغ التأثر درجةً أعلى من أن يفِيَ بها القول فتتكلم العين لتؤدي مالا يستطيع أن يتكلم به اللسان ليُطلِق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق بالحقّ الواضح الذي طالما بحثت النفوس الصادقة عنه .

]وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ[

إن هذا الفريق من النصارى لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع , كلا .. بل نراهم يتقدّمون ليتّخذون موقفاً إيجابياً من الحق , يتّبعون , يتّخِذون موقف القبول لهذا الحق , بل الإيمان بهذا الحق , الإذعان لسلطان هذا الحق , الإعلان عن هذا الحق في لهجةٍ قويّةٍ صريحة ]يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ[ إنه موقفٌ قاطع تجاه ما أنزل الله تعالى على رسوله محمدٍ r من القرآن والحق , إنّه موقف الاستماع , المعرفة , ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر , ثم الانضمام إلى الأمة الموحدة المسلمة , مع رجاء الله تعالى أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق , إن هؤلاء النصارى الموحِّدين ما كفروا بالمسيح –عليه السلام- عندما آمنوا بالرسول الجديد محمد –عليه الصلاة والسلام- , كلا .. بل هم من أشد الناس حباً للمسيح , إن حبهم للمسيح هو الذي ساقهم إلى التمسك بالحق لما ظهر لهم , إنهم ما زالوا يرتشِفون من علم المسيح , يسلكون منهج المسيح , بل لا زالوا ينهلون من مواعظ المسيح –عليه الصلاة والسلام- .

إن المؤمنين بالرسول الجديد محمد يريدون أن يحرّروا أنفسهم من ذل العبودية لغير الله , إنهم يبحثون عن الحق , ذلك الحق الذي وعظ به المسيح قومه يوماً عندما صاح المسيح في بني إسرائيل قائلاً : (اعرفوا الحق والحق يحرركم)

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2