الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

18 - الإنجيل هدىً ونور وموعظة


محمد العريفيحسن الحسيني


أن يؤمن الإنسان بالله تعالى وملائكته وكتُبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه هذا هو الإيمان كما بيّنه رسول الله , وهذه هي أركانه الستة .

]آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[

إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه ورسله –عليهم الصلاة والسلام- من أعظم أركان الإيمان , وما أنزل الله تعالى هذه الكتب على رسُله إلا رحمةً بالخلق وهدايةً لهم ؛ ليَصِلوا بهذه الكتب إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة , فيها الأحكام والشرائع والآداب , فعلينا الإيمان بما علِمنا اسمه من هذه الكتب : كالقرآن الذي نزل على نبينا محمد r , والتوراة التي نزلت على موسى –عليه الصلاة والسلام- , والزبور الذي أوتيه داوود –عليه الصلاة والسلام- , وصحف إبراهيم وموسى –عليهما الصلاة والسلام- , والإنجيل الذي أنزله الله تعالى من السماء على نبيّه عيسى –عليه الصلاة والسلام- , نؤمن بها جميعاً , أما ما لم نعلم اسمه من هذه الكتب فنؤمن أن الله تعالى أبأنزله ونصدّق بما جاء فيه ]وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ[ .

إنّ الطريق المظلم ليلاً قد تعترض السائر فيه عقبات , أو قد يُخطئ السائر فيه سواء السبيل فيَقَع في الحفر أو يصطدم بحجر , فكان لا بدّ من النور ليبصر السائر الطريق أمامه , وكان لا بدّ من الهدى ليسلك السائر سواء السبيل , ولا يحتار ولا يضيع بين كثرة الطرق هنا وهناك , والتي على رأس كلّ طريقٍ شيطان لا يريد إلا الشرّ والتيه للإنسان , فكانت رحمة الله –سبحانه وتعالى- عظيمة بالعباد أن أنار للناس الطريق وهداهم السبيل , وتمثل ذلك في المنهج الذي جاء به موكب الرسل كلهم , فأنزل الله –سبحانه وتعالى- الكتب ؛ ليعالج الأنبياء هذه الداءات والأمراض التي ابتُلي بها كثيرٌ من الناس , فهذا يعالج داء عبادة الأصنام والأوثان , وذاك يعالج الشرك ومسألة الكيل والميزان , وذاك يعالج الشذوذ وإتيان الذكران , وهكذا ..

فإذا ما قال الله تعالى أنه أنزل التوراة فيها هدىً ونور , فالإنجيل أيضاً فيه هدىً ونور , وكل هدىً ونور في أي كتاب سماويّ إنما هو للداءات والأمراض الموجودة في تلك البيئة , فالبيئة الأولى كانت في حاجةٍ إلى تقنين ؛ لذلك جاءت التوراة , ومن بعد ذلك صارت هذه البيئة مادية فكانت بحاجةٍ إلى طاقةٍ روحية ؛ لذلك نزل الإنجيل بالعقائد والشرائع وحزمةٍ كبيرة من الروحانيّات .

]وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ[

لقد جاء الدين من عند الله –جل وعلا- ليكون منهج حياة , منهج حياةٍ واقعية , جاء الدين ليتولى قيادة حياة البشرية , لتنظيمها .. لتوجيهها .. لصيانتها , لم تنزل الكتب السماوية من عند الله لتكون مجرد عقيدةٍ في القلب , ولا لِتكون مجرد شعائر تعبدية تؤدى في الهيكل أو في المحراب , أُنزِل الإنجيل ؛ لهداية بني إسرائيل .. لإنارة طريقهم إلى الله .. لإرشاد طريقهم في الحياة , أُنزِل الإنجيل ؛ ليصفي للناس عقيدتهم .. ليدعوَهم إلى التوحيد .. ليُعلمَهم الشريعة , أُنزِل الإنجيل ؛ ليؤدّب بني إسرائيل .. ليقوّم سلوكياتهم بما احتواه من مواعظ وآداب وأخلاق .. نعم .. أنزل الله تعالى الإنجيل ليكون هدىً ونوراً , ليس للقلوب فحسب , ولكن ليكون هدىً ونوراً للإنسان كلّه , عقيدةً وشريعةً وسلوكاً وِفق منهج الله –جل وعلا- .

وفي نزول الإنجيل يقول نبينا محمد –عليه الصلاة والسلام- : [أُنزِلت صحف إبراهيم أول ليلةٍ من رمضان , أُنزِلت التوراة على موسى في ستٍ خلَوْنَ من رمضان , وأُنزِل الزبور على داوود في اثنتي عشرة ليلةٍ خلت من رمضان , وأُنزِل الإنجيل على عيسى في ثماني عشرة ليلةٍ خلت من رمضان , وأُنزِل القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان] ولقد كانت دعوة عيسى –عليه السلام- لبني إسرائيل تشمل جميع أمور الدين , فدعاهم إلى توحيد الله –سبحانه وتعالى- كما دعا الأنبياء من قبله والرسل إلى هذه الحقيقة العظيمة , فنوحٌ دعا الناس إلى توحيد الله –سبحانه وتعالى- وعبادته , وإبراهيم –عليه السلام- دعاهم إلى التوحيد , وكذا ابنه إسماعيل , وكذا موسى دعا الناس إلى التوحيد , وكل الأنبياء ومعهم عيسى –عليه السلام- , في صحيح مسلم قال رسول الله r : [أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : الأنبياء إخوةٌ من عَلّات وأمهاتهم شتّى ودينهم واحد] ومعنى قول النبي –عليه الصلاة والسلام- : [إخوةٌ من عَلّات] أي : إخوةٌ من أبٍ واحد ولكِن أمهاتهم شتّى , والمعنى : أن أصل دينهم واحد وهو توحيد الله –سبحانه وتعالى- لكنّ الشرائع , الفقهيّات , طريقة العبادة تختلف من نبيٍّ إلى آخر فما جاء به عيسى –عليه السلام- هو توحيد الله وحده في العبادة ودعا قومه إلى التوحيد , وهذا ما أنزله الله –سبحانه وتعالى- في الإنجيل الحق .

وقد جاء شيءٌ من إثبات دعوة عيسى للتوحيد في شيءٍ مما في أناجيل النصارى أبقاها الله تعالى لتكون حجةً وبرهاناً , ففي إنجيل متّى , وإنجيل لوقا : (إنه مكتوبٌ للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد) فهي دعوةٌ إلى عبادة الله وحده , وجاء في إنجيل يوحنّا : أن المسيح توجه ببصره نحو السماء قائلاً لله : (وهذه الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك , ويسوع المسيح الذي أرسلت , فالإله الحقيقي هو الله , وما المسيح إلا رسولٌ من عند الله)

]وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ[

ومع إقرار الإنجيل ما جاء في التوراة , إلا أنه جاء بالتخفيف قال الله –جل وعلا- : ]وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ –يعني معجزة- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ[ هذا دلالة على أن عيسى –عليه السلام- نسخ بعض شريعة التوراة وأباح بعض ما كان حراماً على بني إسرائيل قبل بعثته , من تحريم الشحوم , من تحريم لحم الإبل , من تحريم بعض أنواع الأسماك وكلّ ذي ظفُر , ولم تقتصر دعوة عيسى –عليه السلام- على أمور العقيدة والشريعة , كلّا .. بل اهتمّ بالآداب , اهتمّ بالأخلاق وهي كثيرةٌ جداً حتى إنك لا تكادُ اليوم تجد في الإنجيل سواها .

لا شكّ أن الإنجيل الذي نزل على عيسى –عليه السلام- فيه هدىً ونور , لكن بعد أن رفع الله –سبحانه وتعالى- عيسى –عليه السلام- اختلف النصارى فيه ؛ ولهذا تعدّدت الأناجيل : كإنجيل متّى , ويوحنّا , ومرقس , ولوقا .. فتعدّد الأناجيل بعد عيسى –عليه السلام- دليلٌ على حصول التغيير فيها , إضافةً إلى وجود الاختلافات بين كل إنجيلٍ عن غيره , أما الأصل فهو الذي ذكره الله تعالى بقوله ]فِيهِ هُدًى وَنُورٌ[ وأما إنجيل متّى فهو إنجيل متّى وليس إنجيل الله , وإنجيل يوحنّا فهو إنجيل يوحنّا وليس إنجيل الله , وكذا إنجيل مرقس ولوقا فهما إنجيل مرقس ولوقا وليسا كلام الله الذي أنزله الله –سبحانه وتعالى- على المسيح –عليه السلام- .

وهاهو الإمام ابن حزم يعطينا صورةً واضحة للظروف التي مرت بها دعوة عيسى فيقول : (وأما النصارى فلا خلاف بين أحدٍ منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مئة وعشرون رجلاً فقط وكانوا مستترين وخافين في حياته وبعده يدعون إلى دينه سراً وكل من ظُفِر به منهم قُتِل إما بالحجار كما قُتِل يعقوب بن يوسف النجّار , وإما صُلِب كما صُلِب باطرا وأندرياس وشيمون , أو قُتِل بالسيف كما قتِل يعقوب وطومار ومتّى , أو بالسُّم كما قُتِل يوحَنّا أباميسهلاي , وبقوا على هذه الحالة لا يظهرون البتّة , ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة بعد رفع المسيح وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله –عز وجل- إلا فصولاً يسيرة أبقاها الله تعالى حجة عليهم فكان كما ذكرنا إلى أن تنصّر قسطنطين الملك فمن حينئذٍ ظهر النصارى , قال المسيح –عليه السلام- : ])يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ[ يا بني إسرائيل جئتكم مقتفياً آثار النبيّين والربانيّين والأحبار من قبلي ومصدقاً لما بين يديّ من التوراة وآتاني الله الإنجيل فيه هدىً ونور وموعظةً للمتقين)

لقد آتى الله -جل وعلا- عيسى –عليه السلام- الإنجيل ليكون لبني إسرائيل منهج حياة , ليكون عقيدة صالحة , ليكون شريعة حكم يحكمون فيها بينهم في أمورهم , جعل الله تعالى فيه هدىً ونوراً وموعظةً وذكراً , ولكن لمن ؟ للمتقين .. قال الله –جل وعلا- : ]وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ[ المتقون : هم الذين يجدون في كتاب الله تعالى الهدى والنور , هم الذين يفهمون مراد الله –جل وعلا- عندما يقرؤون كتابه , المتقون هم الذين تتفتح قلوبهم لهذه المواعظ فترِقّ قلوبهم وتسيل دموعهم وتذعن أنفسهم وتطيع جوارحهم فيزدادون لله –جل وعلا- ذكراً وتعبُّداً وقرباً إليه , أما من يتلطّخ بالمعاصي فإن المعاصي تحول بينه وبين أن يفهم مراد الله –جل وعلا- في كتابه , وإذا غطى هذا الدرَن بالمعاصي غطى القلوب حال بينها وبين أن تفهم التوجيهات الربّانية التي في كتاب الله –جل وعلا- ؛ ولذلك جعل الله تعالى العقيدة الصافية لها مذاقها , التوحيد له تأثيره على قلوب الناس , فمن وحّد الله –جل وعلا- صار لهذا تأثيراً على حياته كلها .

أيها السادة : إن النور موجود ولكن لا تدركه إلا البصائر المفتوحة , وإن الهادي موجود ولكن لا تدركه إلا الأرواح المستشرفة , وإن الموعظة موجودة ولكن لا تلتقطها إلا القلوب الواعية .

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2