الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

16 - أخلاق المسيح وصفاته


محمد العريفيحسن الحسيني


تحدثنا في الحلقة الماضية عن صفات المسيح الخَلْقِيّة , ولنُفسِح المجال الآن للحديث عن صفاته الخُلُقيّة والتي نال المسيح أحسنها وأفضلها وأكملها , لِنتعرف على المسيح أكثر وأكثر من خلال نصوص الوحيَين : القرآن الكريم , وكلام خاتم المرسلين محمد .

لما نزل روح القدُس مبشراً مريم العذراء بمولد سيدنا المسيح عيسى –عليه السلام- قال لها : ]إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا[ أي : ليُعطيها ولداً زكيا : طاهراً من الذنوب والمعاصي , كثير البركات , وقد ورَد في غير هذا الموضع كثيرٌ من صفات هذا الغلام الموهوب لها وهو المسيح عيسى –عليه السلام- كقول الله –جل وعلا- :]إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ[ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تشتمل على صفات سيدنا عيسى –عليه السلام- سيأتي معنا جمعٌ منها بإذن الله .

]قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا[

وصف المسيح نفسه قائلاً : ]وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ[ البركة : هي الخير واليُمن , أي : نافعاً للخلق يرشدهم إلى أمور دينهم ويمنعهم من ارتكاب الزلّة التي فيها هلاكهم ؛ ذلك أن الله تعالى أرسل المسيح –عليه السلام- بالرحمة لبني إسرائيل ليُحِلّ لهم بعض الذي حُرِّم عليهم , ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قسَت قلوبهم وغيّروا من دينهم , فهذه أعظم بركةٍ تقارن المسيح –عليه السلام- , ومن بركة المسيح أن جعل الله حُلُولَه في المكان سبباً لخير تلك البقعة واهتداء أهلها وتوفيقهم إلى الخير , فكان المسيح –عليه السلام- إذا لقِيَه الجهَلة والقُسَاة والمفسدون انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة ولذلك ترى أن أكثر الحواريّين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشّارين , فصاروا دُعَاة هدى , وفاضت ألسنتهم بالحكمة والهدى , والتعميم الذي في قوله –سبحانه وتعالى- على لسان المسيح : ]وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ[ تعميمٌ للأمكنة أي : لا تقتصر بركته على كونه في الهيكل أو بيت المقدس , بل حيثُما حلّ المسيح حلّت معه البركة .

ويواصل المسيح عيسى –عليه السلام- وصف نفسه بقوله : ]وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا[فقد كان المسيح –عليه السلام- بارّاً بوالدته مُحسِناً إليها مع ما آتاه الله تعالى من الوحي والمعجزات وما جعل له من الفضل والتشريف , فإنه لزِم برّها , قال العلماء : قد خصّ الله تعالى المسيح بين قومه بِبرّ والدته لسببين :

- الأول : لأن البر للوالدين كان ضعيفاً في بني إسرائيل فبِخاصّة للوالدة في عصرهم ؛ لأنها تُستضعَف , ولِفَرط حنانها وشفقتها , قد يتجرأ الولد على التساهل ببرّها

- والسبب الثاني : لأن البعض قد يظنّ أن عيسى –عليه السلام- حينما يكبُر ويعرف قصة خلقِه , وأن أمّه أتت به من غير أب قد تترك هذه المسألة ظِلالاً في نفسه , قد تُساوِرُه الشكوك في أمه ؛ فأراد أن يقطع كلّ هذه الظنون لذلك هو نفسه قال وهو يتكلم في مهده , قال : ]وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا[ لأنه هو الدليل على براءة أمه , هو نفسه الشاهد على براءتها , والدليل لا يُشكِّك في المدلول , كأنه يقول للقوم : سأبر بأمي .. إياكم أن تظنّوا أني سأتجرأ على أمي أو أن يخطر ببالي خاطر سوءٍ نحوها , بل أنا من أبرِّ الناس بها .

ثم يقول المسيح –عليه السلام- : ]وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا[ نفى المسيح عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم , فالجبار : هو المتكبر الغليظ على الناس في معاملتهم , ومعنى شقياً : أي عاصياً وخاسراً وهو ضد السعيد , فالمسيح –عليه السلام- ليس بِفضٍّ ولا غليظ , ولا يصدر منه قولٌ ولا فعلٌ ينافي أمر الله تعالى وطاعته , فهذه الصفات مما يشقى بسببها الإنسان , ولا تليقُ بعموم الناس فكيف بالأنبياء والرسل ؟ لأن الرسول لابدّ أن يكون ليّن الجانب رفيقاً بقومه لأنه أتى ليُخرج الناس مما ألِفوه من الفساد إلى ما يُثقل عليهم من الطاعة , فمِن الطبيعي أن يتعرض النبي والرسول لاستفزاز القوم وعنادهم ومكابرتهم , فلو لم يكُن ليّن الجانب رقيق الكلمة , يستميل الأذن لِتسمع , والقلوب لِتَعي , ما صلُح لهذه المهمّة , قال أحد العلماء : (لا تجد أحداً عاقّاً لوالديه إلا وجدتَه جباراً شقياً , ثم قرأ قوله تعالى : ]وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا[ ) .

قال قتادة : (ذُكِر لنا أن امرأةً لما رأت المسيح يُحيِي الموتى ويُبرِئ الأكمه والأبرص قالت : طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعك , فردّ عليها نبي الله عيسى : طوبى لمن تلا كلام الله فاتّبع ما فيه ولم يكُن جبّاراً شقيّاً)

ومن صفات المسيح –عليه السلام- الوجاهة في الدنيا والآخرة , كما قال الله تعالى : ]وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[أي وجاهة وشرف ومكانة عند الله تعالى في الدنيا مما يوحيه الله إليه من الشريعة ويُنزل عليه من الكتاب وجعله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكِبار والأتباع ويُنشئ له من الذكر ما ملأ بين المشرق والمغرب , وغير ذلك مما منحه الله إياه .. هذا في الدنيا

أما في الآخرة فيشفع المسيح عند الله بإذن الله أسوةً بإخوانهم من أولي العزم من الرسل –صلى الله عليهم وسلم-

أيها الأحبة : هذه الوجاهة يكون لآثارها تأييده بالمعجزات وتقويته في المخاصمات والتي تحدث له مع من جادله من قومه , وأيضاً إجابة الدعوات ونصره وحفظه وحمايته من أعداء الله الذين يكيدون له , وقد حفِظ الله تعالى عيسى المسيح –عليه السلام- من كيد اليهود ومكرهم , علماً بأنه لا يلزم من إثبات هذه الوجاهة دعاء المسيح من دون الله تعالى ولا إعطاؤه شيئاً من حق الله –سبحانه وتعالى- فهو عبد الله تعالى ورسوله .

]إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ[ هذه البشارة من الملائكة للسيدة العذراء تضمنت صفة المسيح –عليه السلام- تضمنت مكانته عند ربنا –جل وعلا- , القرب من الله تعالى هو صفةٌ من صفات المسيح –عليه السلام- فهو من أهل السعادة الأبديّة الذين يفوزون بالقربى والمنزلة الرفيعة في الجنّة , الذين ذكر الله تعالى ثوابهم في قوله –جل وعلا- : ]فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ[ وقال –جلّ وعلا- : ]عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[ والقُربى عند الله هي أشرف المراتب , هي منزلة النبيّين , منزلة الصدّيقين والشهداء والصالحين الذين ذكر الله تعالى ثوابهم , فالحق –سبحانه وتعالى- يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى –عليه السلام- لا تؤثر في مكانة عيسى –عليه السلام- عند الله –جلّ وعلا- فهو مقربٌ إلى الله تعالى , بل عيسى –عليه السلام- من سادات المقرّبين .

]وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا[لمّا بشرت الملائكة بمولد المسيح -عليه السلام- ذكَرت من صفاته التي تُعَدّ معجزة ظاهرة تُصاحب مولده ]وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا[ ولمحةً عن مستقبله ]وَكَهْلًا[فكلامه في المهد أي : يكلّمهم وهو صغير قبل أوان الكلام .

رُوِيَ عن مجاهد أنه قال : (كانت مريم –عليها السلام- تقول : كنتُ إذا خلوتُ أنا وعيسى وهو في بطني حدثني وحدثتُه , فإذا شغلَني عنه إنسان سبّح في بطني وأنا أسمع) فالمسيح يُكلّم الناس في المهد ..آية.. ويكلمهم كهلاً بالوحي والرسالة ..آية.. قوله : ]كَهْلًا[ أي : يتكلّم إذا كبُر قبل أن يُرفَع إلى السماء وقيل : أي ]كَهْلًا[ بعد نزوله من السماء , وقال مجاهد : (إن العرب تمدح الكلام والحديث وقت الكهولة فهو وقتُ احتناك السنّ واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة , ولم يتكلّم في المهد من الأنبياء إلا المسيح عيسى –عليه السلام- فكلامه في المهد معجزة , وكلامه في الكهولة دعوة)

]وَمِنَ الصَّالِحِينَ[نعم .. إن الموكب الذي ينتسب إليه المسيح –عليه السلام- هو موكب الصالحين , والصالحون هم المستقيمون على أمر الله –جل في علاه- الذين طهّروا نفوسهم من درَن الشرك ومن درَن المعاصي , هذا الصلاح أورث المسيح –عليه السلام- تعظيماً لله –جلَ في علاه- حتى أخبر النبي r عن المسيح بأعاجيب ! قال النبي محمد r : [رأى عيسى بن مريم –عليه السلام- رجلاً يسرق , فقال له : أسرقتَ ؟ قال : لا والله الذي لا إله إلا هو , فقال المسيح –عليه السلام- كذّبتُ بصري وآمنتُ بالله] قال المسيح –عليه السلام- : آمنتُ بالله وكذبتُ بصري .

قال الإمام ابن القيّم –رحمه الله- (إنما كان الله -سبحانه وتعالى- في قلب المسيح أجلّ وأعظم من أن يحلِف به أحدٌ كاذباً , فمن حُلِف له فلْيُصدّق) فلما حلف له السارق دار الأمر بين أن يتّهم المسيح بصره أو أن يتّهم الحالف بالله , فصار يتهم بصره دون أن يتّهم الحالف بالله , كما ظنّ آدم –عليه السلام- صدق إبليس لما حلف له بالله –عز وجل- وقال : (ما ظننتُ أن يحلف أحدٌ بالله تعالى كاذباً) هذا طرفٌ من أخلاق سيدنا المسيح –عليه الصلاة والسلام- .

من تلك النصوص السابقة نخلُصُ إلى أنّ ما ورَد من صفات المسيح –عليه السلام- الخُلُقيّة تتمثل فيما يلي :

- أنه كان –عليه الصلاة والسلام- المسيح ]زَكِيًّا[ طاهراً من الذنوب والمعاصي كثير البركات , ومن بركته أنه إذا التقى بالمفسدين انقلبوا صالحين وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة

- وكان المسيح –عليه السلام- بارّاً بوالدته محسناً إليها –عليها السلام-

- ولم يكُن –عليه السلام- لا جبّاراً ولا شقيّاً , بل ليّناً رحيماً متواضعاً مقرباً

- وقد جعل الله تعالى له وجاهاً وشرفاً ومكاناً عنده في الدنيا والآخرة وهذه الوجاهة يكون من آثارها تأييده بالمعجزات وتقويته في المخاصمات وإجابة الدعوات وحمايته من أعداء الله

نعم .. قد منّ الله تعالى على المسيح بالسعادة الأبديّة فائزاً بالقُربى , ومنزلةً رفيعةً في الحياة .

وقد تكلم المسيح عيسى صغيراً قبل أوان الكلام , فكان كلامه في المهد معجزة , وفي الكهولة دعوة , والموكب الذي انتسب إليه المسيح هو موكب الصالحين ..استقامة في الأعمال , وطهارة في النفس

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2