الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

15 - المسيح عيسى كأنك تراه


محمد العريفيحسن الحسيني


إنّ النبوّة والرسالة اصطِفاءٌ من الله –عز وجل- قال تعالى :]إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ[ فلا تُنال النبوّة والرسالة بكثرة عبادةٍ أو اجتهاد , أو رِفعَة مكانةٍ أو عظيم جاه , إنما هي اختيارٌ من الله وحده .

قال الله –جل وعلا- مخبراً عن الأنبياء : ]اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[ الله الذي يختار , وهو –سبحانه وتعالى- الذي يصطفي , فالأنبياء والرسل هم أكمل أهل زمانهم عقلاً وفضلاً , فطنةً ومعرفة , صلاحاً وعفة , شجاعةً وسخاوة , عبادةً وزهداً , ولا يجوز أن يكونوا أقلّ ممن أُرسِلوا إليهم , ولا أن يكونوا ناقصين في حواسّهم .

روى الترمذيّ عن قتادة –رضي الله عنه- أنه قال : (ما بعث الله نبياً قط إلا بعثه حسَن الوجه , حسَن الصوت) الأنبياء والرسل جميعهم كانوا في حُسْنٍ وجمال في الشكل والصورة والهيئة , كما كانوا أكمَل النّاس سمتاً وأخلاقاً وطباعاً , الذي يقرأ النصوص في كتاب الله –جل وعلا- وسنة نبينا r يتفاجأ كيف أنها وصفت نبي الله تعالى عيسى –عليه السلام- وصفَتهُ –عليه السلام- بأدقّ التفاصيل حتى اشتقنا إليه وأحببناه , حتى لكأننا والله نرى بأعيننا المسيح عيسى –عليه السلام- كأنه أمامنا .

أيها الحبيب : لا تعجب إذا قلتُ لك بأنّ الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى , سيّدنا محمد –عليه الصلاة والسلام- قد بيّن وحدّد لنا شكل المسيح عيسى –عليه السلام- , وصفَ لنا لونه ووجهه وصورته وشكله , بل وثيابه ورأسه وعرقه ! مع أن بين مع أن بين نبينا محمد –عليه الصلاة والسلام – وبين المسيح –عليه السلام- قرون من السنوات , إلا أنّه وصف المسيح بأفصح عبارة , كيف ذلك ؟ لأنه التقى به مرتين : مرةً ليلة الإسراء في تلك الرحلة العجيبة التي كانت من المسجد الحرام إلى بيت المقدس في فلسطين فقد اجتمع النبي r ببيت المقدس بعيسى وسلّم عليه وصلى النبي –عليه الصلاة والسلام- بالأنبياء ومن بينهم المسيح –عليه السلام- , والمرة الثانية في رحلة المعراج , يقول النبي –عليه الصلاة والسلام : [ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل –عليه السلام- الباب أبواب السماء فقيل له من أنت؟ فقال : جبريل , قيل : ومن معك ؟ قال جبريل : معي محمد r , قيل : وقد بُعِث إليه ؟ قال جبريل : نعم قد بُعِث إليه , ففتح لنا باب السماء الثانية , يقول النبي –عليه الصلاة والسلام- : فإذا أنا بابنيّ الخالة : عيسى بن مريم ويحيى بن زكريّا –عليهما السلام- فرحّبَا بي ودعَوا لي بخير]

لقد حكى الله تعالى أن المسيح –عليه السلام- وصف نفسه فقال : ]قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا[ فالبدء بِوصف العبوديّة لله , أنه عبدٌ لله , ألقاه الله على لسان عيسى –عليه السلام- وهو طفلٌ رضيع بين يديّ أمه لأن الله –جل وعلا- علِم أن قوماً سيقولون إن عيسى ابن الله ]قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ[ بهذا الوضوح استهلّ عيسى –عليه السلام- كلامه بإظهار عبوديّته لله –جل في علاه- وفي هذا دليلٌ على أمرٍ مستقبليٍّ محتمل الوقوع أنه قد يُقال فيه : أنه ليس عبداً , أنه إلهٌ أو شريكٌ للإله ؛ لذلك كانت أول كلمةٍ نطق بها واصفاً نفسه : ]قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ[ المعجزة التي جاءت بي من غير أبٍ لا تمنعُ أن أكون عبداً لله ]قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا[ارتقاءٌ في المراتب : عبدٌ لله رفعه الله تعالى فجعله نبيّاً , لا شكّ أن صفة النبوّة هي أبرزُ صفةٍ اتّصَف بها المسيح –عليه السلام- بل هو من أولي العزم من الرسل , ولا شكّ أن الأنبياء قد وهبهم ربّنا –جل وعلا- من حميد الخصال وكريم الفِعال ما يفوقون به غيرهم من البشر لكنهم يبقون بشراً عبيداً لله .

وعندما نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله تعالى قد بيّن المادة التي خُلِق منها جسد عيسى بن مريم –عليهما السلام- رداً على من زعم أنه يختلف عن البشر , فزعم بسبب ذلك له الإلهيّة فقال –سبحانه وتعالى- : ]إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ[ فعيسى –عليه السلام- لا يختلفُ عن بقيّة البشر في تكوين جسده الشريف , وهذا الجسد يحتاج من الأمور ما تحتاجها بقيّة الأجساد ؛ ولهذا قال –سبحانه وتعالى- عن المسيح وعن أمه : ]كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ[

]مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ[ومعلومٌ أن من يحتاج إلى أكل الطعام فهو ناقص لا يصلح أن يكون إلهاً ؛ ولأنه يحتاج إلى قضاء الحاجة والتخلي في الدنيا وذلك عيبٌ ظاهر ينافي صفة الألوهيّة والربوبيّة.

لقد جاء في أقوال سيدنا رسول الله r بعض الصفات التفصيليّة لعيسى -عليه السلام- فجاء وصف شعرِه ولونه وقامته وغير ذلك ... ففي صحيح البخاري أن سيدنا رسول الله r رأى عيسى –عليه السلام- في ليلة الإسراء , فنَعَته ووصفه بقوله : [رِبعَة أحمر كأنّما خرج من ديماس] الربعة : هو متوسط القامة ليس بالطويل البائن ولا القصير المتدنّي , والأحمر عند العرب : هو شديد البياض مع حُمرة وهو جمال , كأنما خرج من ديماس : الديماس هو الحمام الذي يغتسل فيه الناس , المراد بذلك : وصف سيدنا عيسى –عليه السلام- بصفاء اللون فهو كمن يخرج من الحمّام صافياً نقياً نظيفاً , ولقد وصفه سيدنا رسول الله r بنقاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه حتى كأنه كان في حمامٍ –في مُغتسَل- فخرج منه وهو يقطر رأسه ماء , وهذا يزيد في نضارة الوجه , وفي مُسند أبي يَعلى أن سيدنا رسول الله r قال في وصف نبي الله عيسى –عليه السلام- في حديث الإسراء قال : [ورأيتُ عيسى شاباً أبيض جعد الرأس حديد البصر مُبطّن الخلق] إسناده صحيح , لونه أبيض مشربٌ بحُمرة , وهو حديد البصر أي : قويّ البصر ونافذُه , والمبطّن أي : الطامر البطن , وهو أحسن الوصف لسيدنا نبي الله عيسى –عليه السلام-

لقد وصف رسول الله r السيّد المسيح –عليه السلام- بأنه سَبِط الرأس أي : مُسترسِل الشعر , تضرب لِمّتُه بين منكبيه , رجِل الشعر أي : قد سرحه ودهنه , وكان المسيح عريض الصدر –عليه السلام- .

من تلك النصوص السابقة نخلُصُ إلى أن ما ورد من صفات المسيح –عليه السلام- الجسديّة تتمثلُ بأن جسد عيسى –عليه الصلاة والسلام- خُلِق من تراب كما خُلِق بقيّة البشر , بل كما خُلِق أبونا آدم –عليه الصلاة والسلام- وأن جسد عيسى –عليه السلام- يحتاجُ إلى ما تحتاج إليه بقيّة أجساد البشر , يحتاج إلى أن يأكل ويشرب وإلى غير ذلك ... وأن شعر عيسى –عليه السلام- سَبِط مسترسل قد تعدّى شحمتي أذُنه وأن لهُ لمعاناً , وأن عيسى –عليه السلام- كان معتدل القامة ليس بالطويل البائن ولا القصير المتدَنّي , وأن جسمه مجتمِع الخَلْق , قويّ البُنيَة , وهو عريض الصدر , قويّ البصر , ضامر البطن , وأن لونه –عليه السلام- أبيض مُشرباً بِحُمرة , وهذا من أحسن الناس لوناً , ولقد شبّهَ نبينا محمد r , شبّهَ المسيح –عليه السلام- بالصحابي الجليل عُروَة بن مسعود –رضي الله عنه- فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي r قال : [وَ رأيتُ عيسى بن مريم –عليه السلام- فإذا أقرب من رأيتُ به شبَهاً عروة بن مسعود] وعروة بن مسعود هو الثقفي الذي أرسلته قريشٌ إلى سيدنا محمد r يوم الحُدَيبية ثم أسلم بعد ذلك , وذهب لدعوة قومه إلى الإسلام .

واسمع ماذا قال الحبيب وهو يصف المسيح –عليهما السلام- عندما ينزل في آخر الزمان , ففي صحيح مسلم أنه r قال : [ينزل المسيح عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعاً كفّيه على أجنحة ملَكين , إذا طأطأ رأسه قطَر , وإذا رفعه تحدّر منهُ جُمانٌ كاللؤلؤ] أقول هذا موضع نزول المسيح آخر الزمان , ومنذ سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وُجِدت في دمشق منارةٌ من حجارةٍ بيض ولعلّ هذا من دلائل النبوّة الظاهرة , بين مهرودتين : أي المسيح يكون لابساً ثوبين مصبوغين بصُفرةٍ خفيفةٍ يسيرة , واضعاً كفيه على أجنحة ملَكين إذا خفض المسيح رأسه نزلت منه حباتٌ من الماء على وجهه على هيئةٍ لؤلئيّةٍ فضيّةٍ بيضاء , وإذا رفع رأسه تحدّر منه جُمانٌ كحبّات اللؤلؤ الكبار صفاءً وحُسناً .. إنه وصفٌ عجيب !

إنّ سؤالاً مهماً يطرح نفسه ونحنُ نتحدث عن أوصاف سيدنا المسيح عيسى –عليه السلام- الخَلْقيّة , لماذا حرِص سيدنا محمد r على ذكر شكل عيسى –عليه السلام- وعلى وصف صورته بهذه الدقّة ؟ لا بُدّ أن نعلم أن علاقة المسيح عيسى –عليه السلام- بأمة نبينا محمد r علاقةٌ جوهريّة بدأت قبل نشأةِ الأمة الإسلامية , بدأت ابتداءً بالبشارة التي كانت من عيسى –عليه السلام- بمحمد –عليه الصلاة والسلام- وذلك قبل أن يُبعث , قال الله –جل وعلا- :]وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[ هكذا قال عيسى لقومه , ومروراً بنزول عيسى في الزمان حتى يصير الدينُ ملّةً واحدة , هي التوحيد : عبادة الله وحده لا شريك له , الذي هو الإسلام , وانتهاءً بدفنه , بدفن عيسى –عليه السلام- بعد موته مع نبينا محمد r لتكون قضية عيسى –عليه السلام- داخلةً ضمن الواقع التاريخي لأمتنا المرتبط بالطائفة القائمة بأمر هذا الدين في آخر الزمان التي ستقاتل الدجال بقيادة عيسى –عليه السلام- مما يدل على أن التوافق بين قضية عيسى –عليه السلام- وبين المفهوم الكامل للإسلام قائمٌ وظاهر منهجاً واقعياً من البداية إلى النهاية .

قال رسول الله r : [إنّ روح الله عيسى بن مريم نازلٌ فيكم فإذا رأيتموه فاعرفوه : رجلٌ مربوع -أي ليس بالطويل ولا بالقصير- إلى الحُمرة والبياض , عليه ثوبان مُمَصّران , كأن رأسه يقطر وإن يُصِبه بلل] هكذا يخبرنا رسولنا محمد r بنزول المسيح –عليه السلام- في آخر الزمان ويدعونا إلى معرفته إذا رأيناه حتى نلتحِق بتلك العصابة والجماعة التي تكون مع المسيح –عليه السلام- فقد صحّ عن رسول الله r أنه قال : [عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار : عصابةٌ تغزو الهند , وعصابةٌ تكون مع المسيح بن مريم وذلك في آخر الزمان] فهنيئاً لتلك العصابة والجماعة التي تكون مع المسيح في آخر الزمان .

حرص النبي بذكر أوصافه : كلونه ووجهه وشكله وثيابه ورأسه وعرقه وفي أي مكانٍ ينزل في آخر الزمان ؛ حتى يعرف المسلمون جميع أوصافه التي وصفه بها رسولنا فيكونون معه , يناصرونه ويؤازرونه , وتتحقق بذلك نبوّة الصادق المصدوق .

أيها الأحبة : في هذه الحلقة تطرّقنا لما يتعلّق بصفات المسيح الخَلْقِية , وسيكون حديثنا في الحلقة القادمة عن صفاته الخُلُقيّة والتي نال المسيح أحسنها وأفضلها وأكملها .

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179