الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

العذراء والمسيح

»

13 - مريم تواجه بني إسرائيل بطفل


محمد العريفيحسن الحسيني
لما قامت السيدة مريم من نفاسها استعدَّت لمواجهة قومها فقامت وتوجهت

بعظمةٍ وجلالٍ ويقينٍ

وثبات على الحق الذي لآ مرية فيه وذلك لعلمها ببراءةِ نفسها وطهارتها

فأتت غير مُبالية ولا مكتئبة ونحنُ نشاهد هذا المشهد الفريد ينتابنا العجب وتأخُذُنا الدهشة ، قبل

قبل قليل كانت مريم عليها السلام ضعيفة تتمنى الموت وها هي الآن قويةٌ تواجه المجتمع

بدل أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعينِ الناس ، ها هي الآن تجهر بوليدها

أمامهم بل تنتقل بهِ من مكانٍ إلى آخر في فيافِ الأرض تحمل مولودها تذهب برضيعها تبادر بهِ قومها

ما كانت مريم لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في الحُجَّةِ التي معها والتي ستوافيها على يد وليدها

عيسى عليهِ السلام ، لم تذهب مريم لقومها بوجه الفضيحة وإنما بوجه كشف الحقيقة

بوجه الواثق من البراءة المطمئن إلى تأييد الله وأنَّ الله جلَّ وعلا سبحانه لن يُسْلِمها إلى أحدٍ

منهم أبداً قال الله جلَّ وعلا :-

" فأتت بِهِ قَومها تَحْمِلُه قالوا يا مريمُ قد جئتِ شيئاً فرياً " صوَّرت الايآت بعض ما جرى ، الا

فلنذهب لنشاهد هذا المشهد المثير

( فأتت بهِ قَومُها تَحْمِلُه قالوا يا مريمُ قد جئتِ شيئاً فرياً يا أُختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امْرءَ سَوْءٍ وما كانت أُمُّكِ بغياً )

(( المشهد التمثيلي ))

ما هذا يا مريم هل جئتِ بالفاحشة ؟ ما هذا يا مريم ؟ لقد شيئاً فرياً ،

( يا أُختَ هارون ما كان أبوكِ امْرءَ سَوْءٍ وما كانت أُمُّكِ بغياً ) ،

تكلمي ما بالك صامته ؟ يا للسخريه ، إنَّ سُخْريتكِ بنا أشد وأفظع

من ارتكابكِ الفاحشة

طفلٌ في المهد ! ليتكلم قال : ( إني عَبْدُ اللهِ اتاني الكتابَ وجعلني نبياً وجعلني مُباركاً

أينما كُنت و أوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دُمتُ حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبَّاراً شقياً والسلامُ عليَّ يومَ

وُلِدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعثُ حياً ذلكَ عيسى ابنُ مريم قولَ الحقِّ الذي فيهِ يَمتُرُون )

نعم لقد تحوَّل سخط بني إسرائيل الى تهكمٍ مرير

( يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امْرءَ سوءٍ وما كانت أُمُّكِ بغياً )

أكدوا سابق الإتهام وأنه كيف يحدث هذا وهي من خير الأسر شرفاً وديناً وقد كان له اخٌ

حقيقي اسمهُ هارون فـ نسبوها إليه كانوا يُسمُّون بأسماءِ أنبيائهم وكان أخوها هارونُ من صُلحاء

بني إسرائيل فَعُيِّرت بهِ وليس هو هارونُ ابن عمران الذي هو آخٌ لموسى عليه السلام

لان بينهما قرونٌ طويلة

( ما كانَ أبوكِ امْرءَ سوءٍ وما كانت أُمُّكِ بغياً )

أي لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر وخصوصاً هذا الشر الذي هو الفاحشه .

الذي يشيرون إليهِ وقصدهُم فكيفَ كنتِ على غير وصفهما وأتيت بما لم يأتيا بِه وذلك أنَّ الذرية في

الغالب بعضها من بعض في الصلاح وفي ضد الصلاح فعجبوا بحسب ما قام بقلوبهم كيف وقع منها ،

" ما كان أبوكِ امْرءَ سَوْءٍ وما كانت أمُّكِ بغياً "

حتى تأتي بهذه الفِعْلة التي لا يأتي بها الا بناتُ آباءِ السوء او الأمهات البغايا.

عيروها بأبيها وأمِّها وأخيها زيادةً منهم في التشنيع عليها والتوبيخ .

*****************************

هنا نزلت على رؤوسهم الصاعقة التي جمَّدت الدماءَ في عروقهم المعجزة التي خرقت أسماع بني

إسرائيل فجمَّدت أطرافهم وحبست بقايا الكلمات في حناجرهم وخُيِّلَ إليهم أن الزمان يمشي ببطءٍ شديد

تكلَّم عيسى بكلامٍ فصيح وصوتٍ واضحٍ مبين وتركيبٍ يعجزُ عنه الكثير من كبار الحكماء

تكلَّم عيسى عليه السلام بكلماتٍ يسيرة لخَّصت حياتهُ كلها بينت منزلتهُ مُراده ، بينت للجميع حالهُ ،

فتعالوا لنفهم سوياً الحق الذي نطق به المسيح عليه السلام وهو في مهده

قال ( إني عبدُ اللهِ أتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت

وأوصاني بالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دمتُ حياً وبراً بوالدتي ولَمْ يجعلني

جبَّاراً شقياً والسلامُ عليَّ يومَ ولدتُ ويومَ أموتُ ويوم أُبعثُ حياً )

إن الذي اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمه الزنا عن مريم عليها السلام إلا أنَّ

عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثباتِ عبوديةِ نفسهِ لله جلَّ وعلا

وكانت إزالة التهمةِ عن الله تعالى وتنزيهُ الله جلَّ وعلا أولى من إزالةِ التهمةِ عن الأم ومع هذا فقد

حصل نفي التهمةِ عن مريم أيضاً لأن الله جلَّ وعلا لا يخص الفاجرةَ بولدٍ في هذه الدرجة العالية .

إنما هي طاهرة ولذلك خصَّها الله بمرتبةٍ عظيمة بمعجزةٍ مبهره ، وعرف اليهود حينها أن الذي أنطَقَهُ

في المهد هو الذي أخرجهُ بلا أب وأن القدرة التي أنطقتهُ هي نفس القدرة التي أخرجتهُ

وهكذا يعلن عيسى عليه السلام عبوديتهُ لله تعالى فليس هو ابنهُ كما تدعي الفرقه وليس هو الهاً كما

تدعي الفرقة وليس هو ثالث ثلاثه كما تدعي الفرقه بل يعلن المسيح أن الله تعالى جعلهُ نبياً رسولا لا

ولداً ولا شريكاً ، وجعلني مباركاً اين ما كنت أي في أي مكانٍ و أي زمان

فالبركة جعلها الله تعالى في عيسى في تعليم الخير للناس والنهي عن الشر والدعوة إلى الله تعالى .

في أفضالهِ وأفعاله وكل من جالس المسيح أو اجتمع عنده نالته بركتهُ وسَعِدَ بهِ صاحبُه .

" وأوصاني بالصَّلاةِ والَّزكاةِ ما دمتُ حياً " ، أي أوصاني بالقيام بحقوق ربي التي من أعظمها الصلاة

والقيام بحقوق عبادي التي أجلُّها الزكاه مدة حياتي فأنا ممتثلٌ بوصية ربي عاملٌ عليها منفذٌ لها

و أوصاني أيضاً أن أبرَّ والدتي وأُحسِنُ إليها غاية الأحسان وأقومُ بما ينبغي بها لشرفها وفضلها ولم

يجعلني جبَّاراً شقياً ، ولم يجعلني جباراً شقيا ،ً

إيهٍ يا عيسى فلستُ متكبراً على الله ولست مترفعاً على عباده

ولم يجعلني شقياً لا في دنياي ، ولم يجعلني شقياً لا في دنياي ولا في أُخراي .

بل جعلني مطيعاً له سبحانه خاضعاً خاشعاً له متذللاً متواضعاً لعباد الله سعيداً في الدنيا والآخرة ،

أنا ومن أتبعني .

فلما تمَّ لهُ الكمال ومحامِدُ الخصال قال :

( والسلامُ عليَّ يومَ وُلِدْتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعثُ حياً )

أي من فضل ربي وكرمه حصلت لي السلامةُ يوم ولادتي ويوم موتي ويوم بعثي

حصلت السلامة من الشر والشيطان والعقوقه

وأعظمُ أحوال الانسان احتياجاً إلى السلامه هي في هذه الأحوال الثلاثه :

يوم ولادته ويوم الموت ويوم يُبعثُ إلى ربنا جلَّ في علاه . ولذلك كان السلامُ على عيسى في كل هذه

المراحل ، السلامُ عليه يوم وُلِدْ ويوم يموت ويوم يُبعثَ حياً يوم وُلِد أحرزهُ الله تعالى من الشيطان فلم

ينخس في بطنِهِ وأحرز الله تعالى أمَّهُ قبل ذلك عند ولادتها وأحرزهُ الله تعالى في حياته وحماه

فكفَّ الله تعالى عنهُ بني اسرائيل قال الله جل وعلا : _

( وإذ كفَفْتُ بني اسرائيل عنْكَ إذ جئتهُم بالبيِّنات فقالَ الَّذين كفروا منهُم

إن هذا إلا سحرٌ مُبين )

ولما أرادَ القومُ قتلهُ وصلبهُ رفَعَهُ الله تعالى إليهِ رفعهُ مُطهراً قال الله :-

( إذْ قالَ الله يا عيسى إنِّي مُتوفيكَ ورافِعُكَ إلي ومُطَهِرُكَ مِنَ الَّذينَ كَفَرُوا ) وعند موتهِ يكون السلام

والأمن قد عمَّ الأرض كلها قال نبينا محمد صلى الله عليه وآلهِ وسلم :-

وهو يتحدث عن أخيهِ نبي الله تعالى عيسى عليه السلام قال يُهلِكُ الله في زمانِهِ أي في زمان عيسى

لما يَنْزِل يُهلكُ الله في زمانه المِلَلَ كلَّها إلا الأسلام ويُهلِكُ الله في زمانِهِ المسيحَ الدجَّال وتقعُ الأمَنَةُ

على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر والذئاب مع الغنم وحتى يلعبَ الصبيان

بالحيَّات لا تضرهُم ، أخرجهُ الأمام أحمد في مسنده .

قال الله : (ويومَ أُبْعَثُ حياً ) يوم يبعثُ حياً قد أمنَّهُ الله من الفزع الأكبر يوم البعث حين يُنفخُ في

الصور كما وَرَدَ بذلك الأثر ..

( ذلك عيسى ابنُ مريمَ قولَ الحقِّ الذي فيهِ يَمتَرُون ما كانَ للهِ أن يتَّخِذَ من ولَدْ سُبْحانَهُ

إذا قضى أمراً فإنَّما يقولُ لهُ كُنْ فيَكُون وإنّ الله ربَّي وربِّكُم فأعْبُدُوه هذا صراطٌ مُسْتَقيم )

ولا يزيد السياق القرآني شيئاً على هذا المشهد كيف استقبل القومُ هذه الخارقةِ العظيمة ولا ما ذا كان

بعدها من أمر مريم وابنها العجيب ، متى كانت نُبُوَتُه التي أشارَ إليها ، ذلك أن حادث ميلاد المسيح

عيسى هو المقصود في هذا الموضع فحين يصلُ بهِ السياق إلى ذلك المشهد الخارق

يُسدلُ الستار ليعقب بالغرض المقصود في أنسب موضع من السياق بلهجة التقرير وايقاع التقرير

يقول سبحانه وتعالى : ( ذلك عيسى ابنُ مَريَم قولَ الحقِّ الذي فيهِ يَمتَرُون )

نعم ذلك عيسى ابن مريم لا ما يقوله المؤلهون أو المتهمون لا ما يقولهُ المؤلهون لهُ أو المتهمونَ

لأمِّهِ ذلك هو في حقيقته وذلك هو في واقع نشأتِهِ

وبهذا التعقيب الإيماني والتقرير القرآني تنتهي لقطاتُ ومشاهدُ قصة ميلاد المسيح عليه السلام ..

******************************

وقد سكت القرآن الكريم عن ما جرى لمريم عليها السلام بعد قدومها إلى قومها ولا نعرفُ كيف كانت

حياتها بعد ذلك ولا كيف ومتى وأين كانت وفاتها

كما سكت القرآن الكريم عن تفاصيل طفولة عيسى ومحطات إقامته وما جرى لهُ في صباه فهذا ليس

من مقاصدِ العرض القرآني ونحنُ نسكت عن ما سكتَ عنهُ القرآن الكريم .

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179