الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

بالقرآن اهتديت (1)

»

12 - مارفن من لندن


فهد الكندري
صدّيق: مرحبًا، اسمي صدّيق، وأمي وأبي وهما من جزر الكاريبي سمّياني مارڤن منيرو، أنا بريطاني وأعيش في لندن.

فهد الكندري: مارڤن، قرأ القرآن كاملًا قبل إسلامه، وكان يكتب كل ما يتعلمه من القرآن على الهامش.

صدّيق: عمري ٣١ عامًا، اعتنقتُ الإسلام منذ ٢٠١٠، حاليًّا أعمل كمهندس كهرباء وإلكترونيات في قطاع المباني، وإن شاء الله أنوي السفر إلى أرجاء العالم لأتابع نشر رسالة الإسلام.

فهد الكندري: لم يكن يتّبع دينًا قبل الإسلام، لكنه كان مؤمنًا بوجود إله وخالق لهذا الكون الفسيح.

صدّيق: وفي أثناء سيرك في الصحراء، تهب عاصفة بطريقة معينة، وترتفع الحرارة في مكان محدد.. ثم.. انظر.. وجد الهاتف الجوال! لو أخبرتك أنه هكذا خلق الهاتف الجوال فلن تصدقني أبدًا، فكيف الحال بموضوع خلق شيء أكثر تعقيدًا من الهاتف الجوال؟ أكيد كان رهيبًا.. الحمد لله، كان أعظم شعور في العالم.. كيف يخطر لنا أن نظن أننا وجِدنا بدون خالق؟ ومن هذا المنطلق كان إيماني بوجود الإله، فقط لم أجد الدين المناسب في ذلك الوقت لأتبعه.

فهد الكندري: ما الأمر أو الحدث الذي جعلك تقرأ عن الإسلام؟

صدّيق: بدأتُ منذ أن كنتُ في المدرسة، في المدرسة تعرّفتُ على كثير من تاريخ السود، بالتركيز على الرق والتحرر من العبودية.. مرورًا بمالكوم اكس ومارتن لوثر كينگ.. هذا فيما يختص بالرواد العظام، الحمد لله، أن أكرمني الله بهذا الإرث التاريخي وبفهمه، لذا بدأتُ بقراءة الإنجيل بنفسي، وحتى القرآن بدأتُ بقراءته، ومن هنا بدأتُ أتعرف على الإسلام، ولكن كإجابة لسؤالك، لم تكن هناك حادثة واحدة محددة، كانت محصّلة خطوات صغيرة متعددة هي التي قادتني في الطريق إلى حيث أنا الآن، الحمد لله.

فهد الكندري: في أحداث ١١ سبتمبر، كان مارڤن يسير في الشارع، وهو يسير مرّ على مسجد كان فيه دعوة بالتعريف بالإسلام، دعَوه إلى الدخول ففاتهم ثم رجع فدخل إلى المسجد.

صدّيق: أراني غرفة الصلاة وعرّفني على.. أعتقد أنه شيخ المسجد، وأعطوني قرآنًا صغير الحجم بدون تفسير.

فهد الكندري: وبدأ بقراءة المصحف، وافتتح بالفاتحة ثم البقرة، حتى وصل للآية: {وَالَّذينَ يُؤمِنونَ بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يوقِنونَ} (البقرة: ٤)

صدّيق: معنى تلك الآية قوي جدًّا، لأنها ربطتْ شتات حياتي، وأوثقتْ رباطي بوالديّ أيضًا، يمكنك القول بأنها جعلتني أشعر شعورًا أفضل وأنا أجد أنهم ربما لا يزالون يقرأون ما يسمّى بـ.. فمثلًا عندما تعمل كمهندس، وتحصل على كتاب في الهندسة، الطبعة الأولى، ثم الطبعة الثانية، ثم الثالثة... وتقريبًا هكذا أنزل الله علينا كلماته... الطبعة الأولى، ثم الطبعة الثانية، ثم الثالثة، والأخيرة، وأحسستُ بالراحة أنهم على نفس المسار إلى حد ما كحالي.. وهكذا، أنا كنتُ في طريقي إلى الإسلام بدون أدري، هذا أمر طريف.. عندما تكون في منتصف الطريق، وأنت لا تعلم إلى أين أنت متجه.. إلى أن تبلغ آخر الطريق.. ثم تنظر للخلف.. وترى أنك قد مررتَ بذلك، الحمد لله أنني قد وصلت!

فهد الكندري: واستمرت قراءته وتدبره في سورة البقرة، حتى وصل إلى آية أخرى حفزته للتحدي وقرّبته للإسلام أكثر.

صدّيق: {وَإِن كُنتُم في رَيبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبدِنا فَأتوا بِسورَةٍ مِن مِثلِهِ وَادعوا شُهَداءَكُم مِن دونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صادِقينَ (٢٣) فَإِن لَم تَفعَلوا وَلَن تَفعَلوا فَاتَّقُوا النّارَ الَّتي وَقودُهَا النّاسُ وَالحِجارَةُ أُعِدَّت لِلكافِرينَ (٢٤)} (البقرة). (يقرأ ترجمة الآية)

ولأكون صادقًا معك، بعد أن قرأتُ القرآن أول مرة أو ثاني مرة، كنتُ أبحث فيه عن ثغرات، قد قرأتُ الإنجيل، وقد نجحتُ في دحضه إلى حد ما، وأردتُ أن أفعل الشيء نفسه مع القرآن، عندما قرأتُ تلك الآية تحفّزتُ للبحث عن أي محاولة من شخص ليكتب آيةً أو سطرًا يضاهي جمال ما جاء به القرآن! لم أجد حينها، ولا بعدها ولم أعد أهتم لذلك والحمد لله.

فهد الكندري: يقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِن كُنتُم في رَيبٍ مِمّا نَزَّلنا عَلى عَبدِنا فَأتوا بِسورَةٍ مِن مِثلِهِ وَادعوا شُهَداءَكُم مِن دونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صادِقينَ} (البقرة: ٢٣)، فعلًا عندما تقرأ هذه الآية تشعر بالعزة والفخر، وتستطيع أن تواجه بهذه الآية جميع الناس، ولا تخف من الذين يهاجمون القرآن، قل لهم: هذا القرآن، فأتوني بأخطائه!

صدّيق: اقرأ القرآن بنفسك، اقرأوا القرآن وافهموه كوحدة واحدة بدون تجزئة، لو جزّأته، قد تخطئ الفهم وتعتم عليك الرسالة، ولهذا تكثر هذه الأيام المفاهيم الخاطئة عن الإسلام.

فهد الكندري: في يوم من الأيام، سافر صدّيق وزوجته المسلمة إلى مصر، وهناك في مصر تعرّفوا على شخص بسيط اسمه سامي، وشاءت الأقدار بأن يأتي خبر إلى زوجة صدّيق بأن جدها مريض، فطلبت منهم بأن يذهبوا بها إلى المسجد للدعاء له، فأخذهم سامي إلى المسجد.

صدّيق: دخلنا المسجد، وذهبت زوجتي مع امرأة مسنة إلى مصلّى النساء، وكنتُ ألتقط الصور عندما سألني سامي إذا كنتُ أحب أن أصلّي أنا أيضًا، لم أفهم ما نفع هذا ولكني أردتُ أن أعرف ماذا يحدث عند الصلاة وكيف تمارس، فقال لي: إذا أردتُ الصلاة.. فكل ما علي فعله هو أن أتبعه وأحاول أن أردد ما يقوله تمامًا، وهكذا تابعته، نوينا الصلاة وبدأنا نصلّي.. وبمجرد أن لمس رأسي الأرض في السجود.. لم أرفع رأسي.. كم من الوقت؟.. لا أذكر حتى الآن! لم أعرف، ربما لدقيقتين أو لعشر دقائق.. لا أعرف إذا كان سامي صلّى الأربعة ركعات ثم انتهى، لست متأكدًا ماذا حدث! ولكن قبل أن أرفع رأسي من السجود، بدأتُ أبكي وأذرف الدموع بغزارة، لم أكن أشعر بأنني من يبكي ولكن كان البكاء ينبع من داخلي، شعرتُ وكأن هناك من يكلمني.. الله كان يسألني.. عن ماذا أبحث!! ما الذي أخرني كل هذا الوقت؟ قبل أن أذهب إلى مصر، في الواقع كنت أحمل القرآن في حقيبة يدي وأنا مسافر إلى مصر! كنت أقرأ القرآن بصعوبة.. وأضع العلامات بالقلم.. وأدون ملاحظات عن الأشياء التي لا أفهمها، لأبحث عن معناها لاحقًا في شبكة المعلومات، وأنا في هذا الوضع ورأسي يلامس الأرض، أحسستُ كأن الله يقول لي: أوجدتني الآن؟ ما الذي يؤخرك؟ ما الذي تبحث عنه؟

فهد الكندري: عندما رجعت إلى بريطانيا، هل دخلت في الإسلام مباشرةً، أم استمر بحثك في القرآن، وقراءتك للقرآن، ثم أسلمت؟

صدّيق: لم أدخل الإسلام مباشرة، أظن أنني فعلت ذلك بعد حوالي العام، كان هدفي أن أنهي قراءة القرآن قبل أن أسلم، فصرتُ أقرأ وأقرأ وأسأل.. وكنتُ ألتقي بعثمان إدريس في نهاية الأسبوع، ونقابل المسلمين، وبعضهم قام بدعوتي، بعضهم كان جيدًا والبعض الآخر كان غير مقنع، ولكني صعب الرأس.. وكنتُ أحتاج إلى أن أقتنع بنفسي.

فهد الكندري: عثمان إدريس هو صديق مقرب جدًّا إلى مارڤن، وهو صديق من أيام الدراسة، وعثمان إدريس هو مسلم الوالدين ولكنه كان بعيد عن تعاليم الإسلام، وقبل إسلام مارڤن بفترة قصيرة، التزم عثمان إدريس بتعاليم الإسلام، وكان دائمًا يحث مارڤن عن نطق الشهادة.

صدّيق: وبعد انقضاء العام، وكنا في رمضان.. أسلمت وكان قد بقي سورتان أو ثلاث لأنتهي من قراءة القرآن، وقال لي عثمان إن هذا الشهر مبارك، يجدر بي الإسلام فيه، أسلمت ومن ثم لم أنظر للخلف أبدًا.

فهد الكندري: لحظة الشهادة، عندما نطقت في الشهادة، أين كانت؟ ومتى كانت؟ وحدثني عن شعورك وقلبك عندما نطقت بها.

صدّيق: نطقتُ بالشهادة في محل لبيع الكتب يسمى "التقوى" في شارع بيكر، وأعتقد أن الشيخ هناك كان اسمه سامي أيضًا! وقد وضح لي أهمية النطق بالشهادة وشرح ما سيكون عليه مسار حياتي فيما بعد الشهادة، وأركان الإسلام الخمسة، ولكن بعد أن نطقت بالشهادة شعرت بأني خفيف، وأنه أزيح عن كاهلي وأحسستُ بالراحة، ولأنني أعلم أنني أخطأت كثيرًا في حياتي وارتكبت الكثير من الذنوب في الماضي، وأن مجرد النطق بالشهادة سيمحو تلك الآثام وأبدأ من جديد! أشعر بشعور عظيم، ومنذ أن نطقتُ بالشهادة، صارت حياتي متزنة.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

صدّيق: فتصيحتي لإخواني وأخواتي في الإسلام أن يقرأوا ليس لمجرد القراءة، اقرأوا القليل من القرآن، ثم يحاولون تطبيق ما قرأوا في حياتهم، وكلما قرأتَ من القرآن شيئًا، افهمه، ثم طبقه في حياتك... هذا جمال الإسلام.. وأنت لست بحاجة إلى أن تلتفت للكتب الأخرى، القرآن هو مجال بحثك.. كتاب متكامل لك.

أنا أحمل معي نسخة من القرآن في جيبي إلى أي مكان أذهب إليه، وأضع عليها علامات بالألوان، أصفر، وردي، أزرق.. فقط حتى أفهم ما كنت أقرأ مؤخرًا.. وأعيد ما قلت، اقرأ ولكن ليس بهدف القراءة والعلم فقط، ولكن بهدف الاستفادة والتطبيق في الحياة والتغيير نحو الأفضل، وعندها فقط سيظهر أثر القرآن علينا، وسيعمر قلبنا بالقرآن.

القرآن بالنسبة لي نعمة كبيرة من القلب أنارت كياني، القرآن بالنسبة لي كمنارة تضيء عتمة الظلام، القرآن بالنسبة لي أنيسي أقرأه في فرحي وحزني ووحشتي.. القرآن بالنسبة لي هو كل شيء.. كل حياتي.. هو ليس شريعة وشرعة فقط، بل هو كل شيء!

صدّيق: بسم الله الرحمن الرحيم... (يقرأ سورة الفاتحة)

فهد الكندري: عندي سؤال على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى علاقتك مع أهلك قبل الإسلام، وعلاقتك مع أهلك عندما أسلمت، وعلاقتك مع أهلك الآن؟

صدّيق: قبل الإسلام كانت علاقتي بوالدَي جيدة، ولم تتغير معاملتي لهم بعد إسلامي، كانت متأرجحة قليلًا في خلال السنة الأولى أو خلال السنتين، فوالدتي لديها هذا الاعتقاد السائد في الغرب، بأن الإسلام دين مخيف، ومن الممكن أن يدفع الناس لعمل أسوأ ما يستطيعون، والحمد لله، عندما رأت ما أنا عليه، ورأت تصرفاتي وأخلاقي وراقبتني في صلاتي، وجاءني والدِي للمسجد ورآني أصلّي مع الجميع، هما متدينان ويدركان أهمية وجود الإله في حياتنا.

صدّيق: لذا أمنيتي اليوم أن أتلقّى دعمًا مادّيًّا من أجل هدف معيّن، حملة "أنا مسلم وأنا أتبرع بدمي" قامت هذه الحملة في لندن وهي مدعومة من منظمة الخدمة الصحية الوطنية، مثل مرض السكري وأمراض فقر الدم، والسبب هو ما يحثنا عليه القرآن الكريم، إن قمت إنقاذ نفس واحدة فكأنك أنقذت الناس جميعًا.

{وَمَن أَحياها فَكَأَنَّما أَحيَا النّاسَ جَميعًا} (المائدة: ٣٢)