الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1429

»

كيف تتلذذ بالصلاة

»

06 - نعمة الأمن والإيمان


مشاري الخراز
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،، أما بعد :

إخواني لقد اتفقنا انه لابد أن ندخل الصلاة بمشاعر .. مسألة أن ندخل الصلاة بلا مشاعر ولا عبادات قلبية ولا نُحس في الصلاة بأي شيء هذا يجب أن ينتهي ويكون من الماضي ، فقط ألفاظ وحركات ثم نقوم من الصلاة !! هذا لا يكفي .. يجب أن نخشع باستشعار المحبة والهيبة والرجاء ، فالصلاة ليست مجرد ألفاظ وحركات ..

يقول ابن القيم : "فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة ، فكلما كان المُحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم" .

ونحن نريد أن نتلذذ بقربه سبحانه وتعالى .. وقد علمتم أن ما من أحد يحب أحدا إلا ويُحبه لجماله ، أو لتعامله ، أو لإنعامه عليك .. وقلنا أن الله عز و جل قد جمعها كلها ، و فصلنا في جمال الله تعالى و حسن تعامله ، بقي لنا أن نتكلم عن حبنا لله سبحانه وتعالى لإنعامه علينا .. ولا أخفيكم أنني في هذه الحلقة لن أتكلم ولن أتعب أبدا فماذا عساي أذكر وماذا عساي أترك فكل ما حولك ، نعمة من الله سبحانه وتعالى عليك .. قال الله تعالى : { وَمَا بِكم مِّن نِّعمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ..} ، النحل : 53 .. فكروا بالنعم التي حولكم فكروا .. فكرتم ؟؟ أتعلمون أنه حتى مجرد تفكّركم في هذه النعمة عبادة ، و هذه العبادة نعمة من الله عز و جل .. إذن كونك فكرت هذه نعمة فكيف إذا أضفنا إليها النعمة التي فكرت فيها ؟؟ نعمتان فقط بلحظة.. فعلا كما قال عز وجل : {وَإِن تَعدّوا نِعمَةَ اللَّهِ لَا تحصوهَا .. } ،،، النحل: 18... والله ثم والله لو لم أقل في هذه الحلقة إلا هذه الأية لكفتني ،،نعم الله كثيرة لا تُعد و لا تُحصى ولكني اخترت نعمتان فقط لأتحدث عنهما .. نعمة الأمن والإيمان ...

أما نعمة الإيمان ..

فهذه أعظم نعمة مرت عليك في حياتك .. فلابد أن تفرح أنك عرفت إلهك وبعد قليل ستصلي له وغيرك كثير قد ضلّوا ووقعوا في عبادة الأبقار والأحجار والشمس وغيرها .. ولكن أنت ربك هداك إليه وقال لك : { إِنَّنِي أَنَا اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعبدنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكرِي } .. طه : 14

وأما نعمة الأمن ..

قال تعالى : {.. وَأَسبَغَ عَلَيكم نِعَمَه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} .. لقمان : 20.. فالله عز وجل يؤمنّك بنوعين من الأمن ، أمنًا داخليًا وخارجيًا ..

أما الأمن الداخلي ..فمثاله جهاز المناعة .. الذي يقوم بتحصين جسمك من الداخل عن طريق منظومة عسكرية مُتطورة .. مُكونة من أسطول من كريات الدم البيضاء ، التى لا تتردد في مُهاجمة أي جسم ضار يغزو بدنك ..هذا الأسطول من كريات الدم البيضاء ، تم تدريبه عسكريًا عن طريق "الغدة الثيموسية" ليستطيع التفريق بين الأجسام الصديقة و الأجسام غير الصديقة التي تكون في البدن ؛ ثم تقوم هذه الغدة بعملية إختبار للكريات البيضاء : فتعرض عى كريات الدم البيضاء التي تحت التدريب أجساما صديقة ؛ فإن لم تُهاجمها و نجحت في الاختبار أطلقتها لتبدأ مُمارسة وظيفتها في الجسم .. و إن لم تستطع هذه الكُريات التفريق فهاجمت الجسم الصديق : أتدرون ماذا تصنع تلك الغدة ؟ تقوم هذه الغدة بقتل الخلية الراسبة .. لأنه لا فائدة منها ..

و الغريب أن هذه الغدة الثيموسية ليست دائمة في الجسم ؛ بل هي مُؤقتة ؛ فإذا بلغ الإنسان و كبر فإنها تبدأ في الضمور ؛ لماذا ؟ لأن كُريات الدم الآن اصبحت مُتعودة و لا تحتاج إلى تدريب ... كيف تعمل تلك الكُريات البيضاء ؟

هذه عملية قتالية واسعة النطاق .. تبدأ بعملية إستخباراتية بواسطة كُريات الدم الخاصة بالاستكشاف ؛ فإذا وجدت جسما غريبا دخل بسبب جُرح أو شئ آخر تسلل إلى داخل الجسم البشري فإنها تقوم باستكشافه عن طريق أخذ عينة منه ؛ ثم تُوزع تلك العينة على جميع الكُريات ليستخرجوا المصل المُضاد لهذ الجسم الغريب ... فإذا تم تصنيع هذا المصل المُضاد ( الذي هو يختص بذلك العدو الداخل الجديد ) يتم توزيعه على الخلايا المُتخصصة في القتال و للإنقضاض على تلك الأجسام الغريبة ؛ فإذ اتنهوا فإنهم يُخزنون ذلك المصل المُضاد .. ( لماذا ؟ ) حتى يكون جاهزا للإستعمال إذا دخل نفس الجسم الغريب إلى بدن الإنسان مرة أخرى .. فلا يحتاج تصنيعه مرة أخرى تبدأ بالقتال فورا ،، كل هذا يحدث داخل أبداننا و نحن لا نشعر .. من الذي يُدبره و يُنظمه ؟ سبحان ربي الكريم المنان .. أليس هذا الأمن من نعم الله عز و جل التي لا تُعد و لا تُحصى ؟ ، قال تعالى :{.. وَأَسبَغَ عَلَيكم نِعَمَه ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} .. لقمان : 20.. هذه من نعم الباطن ..

شاهد بداخل الحلقة مقاطع فيديو لهجوم كريات الدم البيضاء ،، ( المقطع : كرة من كريات الدم البيضاء تطارد بكتيريا والبكتيريا تهرب ولاحظوا كريات الدم الحمراء كيف تبتعد عن الكريات البيضاء لتدعها تعمل عملها وهي تلحق بها وتهرب حتى إذا التفت عليها بلعتها ،، وسوف تتحلل بداخلها !! ثم تبدأ تبحث عن فريسة أخرى ..) سبحان الله هذا الأمر يحدث لربما يحدث يوميا في جسمك لعله الأن يحدث في جسدك وأنت لا تشعر به ، من الذي هداها إلى هذا ؟؟ سبحانه جل في علاه ..

أما عن الأمن الخارجي ...

أنت اليوم عندما استيقظت في الصباح هل تعلم عن أحد يريد قتلك ؟ أو تنتظره أن يسرق بيتك الليلة أو تخشى على أولادك ؟؟ مَنّ الله عز وجل عليك بحياة آمنة مُطمئنة ، والكثير من الناس قد حُرِموا من هذه النعمة ، التي أنت تعيشها منذ سنوات وأنت لا تشعر بها .. نعمة العيش في أمـــــان ...

نشاهد مقطع ( سوق كلما دخل إليه أحد تتم سرقته هذا في دولة لاتينية لا أمن فيها ، لا يوجد شرطة ولا هيبة للدولة ولا أي شيء ،، وهذا أمر يومي حتى يسرقون قميص الشخص ،وأنت كم مرة ذهبت للسوق ولم يحدث لك هذا ؟؟ ) فهلا استشعرت نعمة الله عليك ؟! إذا أحببته وزاد حبك له ، لجماله ولحسن تعامله ولإنعامه عليك فقد تم مقصودك ...



ستنتقل إلى شعورٍ آخر دقيق وجميــــــل ، وهو .. شعــور الحيـــــــــــــــــاء ،، لماذا نستحي من الله ؟ نحن نستحي من الله تعالى ، لأنه سبحانه صبورٌ علينا على كثرة معاصينا ...

يقول ابن القيم : " والرب تعالى هو الصبور بل لا أحد أصبر على أذى سمعه منه "، وكان وهيب بن الورد يقول : "خفّ الله على قدر قدرته عليك ، واستحِّ منه على قدر قربه منك" .

وذكر ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي) أقوى الأسباب التي تدفعك لمحبة الله عز وجل والحياء منه ، فيقول : "بل تمكينه عبده من معصيته ، وستره حتى يقضي وطره منها ، وكلائته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته ، و العبد يستعين علي المعصية بنعم الله عز و جل ، و هذا من أقوى الدواعي إلى محبته .. فلو إن مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته .. فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يُحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته ؟ .. فخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد .. يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنك ، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه .. فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ، ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه" .

لر ض

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر" ،،، [رواه أبو داوود ، وصححه الألباني] .

وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى التي فقدت ابنها ، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء .. فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال : "واسوءتاااااااااااه منك وإن عفوت .. واحياءااااااه منك وإن غفرت" .

ويقول ابن القيم "والله سبحانه و تعالى يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن ؛ لا يشغله سمع عن سمع ولا يغلطه كثرة المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح المُلحين ؛ بل يجب المُلحين في الدعاء ؛ ويجب إن يُسأل ؛ ويغضب إذا لم يُسأل ؛ فيستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ؛ ويستره حيث لا يستر نفسه ؛ وبرحمة حيث لا يرحم نفسه" .

الله عز وجل يستحي منك .. فهل تستحي منه ؟!!! يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" ،، [رواه أبو داوود وصححه الألباني] ،، ومن نحن حتى يستحي الله عز وجل منا ؟!! تذوق هذا المذاق : الحيـــــــاء في الصلاة .. وعشّ لذة الصلاة ،،