الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1435

»

بالقرآن اهتديت (1)

»

09 - طه من لندن


فهد الكندري


طه: اسمي طه يس، عمري ٣٣ سنة، أسلمتُ منذ ٧ سنوات، اعتنقتُ الإسلام في القاهرة بمصر، بجامعة الأزهر.



فهد الكندري: ضيفنا اليوم اختاره الله من بيئة صعبة في بولندا، ونقله الله إلى بريطانيا، ووضع بين يديه القرآن، وهدى قلبه بآية واحدة.



طه: ولدتُ في بولندا، وكان اسمي وقتها رافييل أوزالك، نحن كبشر، لا نختار مكان ولادتنا، ولكن بالتأكيد نستطيع اختيار كيف نعيش.



فهد الكندري: عاش طه مراهقته بظروفٍ أسرية صعبة، وكانت بولندا في ذلك الوقت ضعيفةً اقتصاديًّا، وفرص العمل فيها قليلة، فقرر طه أن يسافر للمملكة المتحدة، بحثًا عن العمل.



طه: كنتُ أريد أن أرى أكثر، كنتُ طموحًا وأتطلع لشيء أفضل مما توفّر لدي هناك، لذا قررتُ وغادرتُ بلدي.











فهد الكندري: أول رحلة لك، أول انتقال لك من بولندا إلى لندن طبعًا قبل إسلامك، عندما وصلت إلى لندن، كيف كانت حياتك؟

طه: لقد أتيتُ المملكة المتحدة وعمري ١٩ عامًا، لأبحث عن فرص أفضل في الحياة لمْ تُتَح في بلدي، وصرتُ أبحث عن عمل! في تلك الفترة التقيتُ بحاتم، حيث كان يعمل في أحد المطاعم، كان مديرًا للمطبخ في ذلك الوقت.



حاتم (صديق طه): ولقيت الأخ طه، كان واقف برا المطعم، كنت انا شغال مدير جوا هنا، فزي ما يكون شيء إلهي كدا، سألته بتدَوّر على شغل كدا؟ قالْ لِي: آه، قلتِ لّه خلاص اتفضّل لأني أنا محتاج عمّال وكدا، فتقريبًا يعني من خمسطعشر سنة أعرفه في الفترة دي، دا البداية اللي كانت بيني وبينه.



طه: كان، ما شاء الله، رجلًا مصريًّا طيّبًا جدًّا، وودودًا وسعيدًا، كان.. كما تعرّفتُ عليه، يحب المساعدة كثيرًا، هذه الخصال كانت نادرة في بولندا، لا تجد أحدًا بمثل هذه الصفات، كلما زرته في منزله يشعرني كأني في بيتي، في البداية كان بمثابة عائلتي.



حاتم (صديق طه): يعني كانت علاقتنا قوية جدًّا لدرجة انو هوّا سكن معايا في بيت واحد.



فهد الكندري: عمل فترة في هذا المطعم، ولكن شعر طه أنه ما حقق طموحه في هذا المطعم، فقرر أن يكمل دراسته في جامعة ليدز، وقدر الله بأنه اختار تخصص اللغة العربية والإسلامية، ومن هنا بدأتْ علاقة طه مع الإسلام.



طه: لمْ أكن أعرف شيئًا عن الإسلام، وكل ما أعرفه عن العرب هو صديقي المصري، وبذلك هذه اللغة وهذا الدين كانا شيئًا جديدًا بالنسبة لي.



فهد الكندري: عشت حياة شبابية متقلّب في المعاصي الكثيرة.. الكثيرة التي كانوا يعيشون فيها كثير من الشباب.. الغربيين، هل كنت سعيد بهذي الحياة؟

طه: كلا، كنتُ سعيدًا في البداية، كانت الحياة جميلة لوقت قصير، تذهب للعمل ثم تتقابل مع الأصدقاء للخروج.. هذا كل شيء، ليس هناك المزيد، لمْ أكن سعيدًا وفي أوقات أخرى أشعر بالتعاسة، كنتُ أفكر، لابد من أن هناك المزيد في هذه الحياة، بدأتُ بالدعاء إلى الرب، وكنتُ أعرفه حينها، دعوتُه كما علمني أهلي، كنتُ فعلًا بحاجة لمن يرشدني.. كنتُ بحاجة إليه، فكنتُ أسأله.. أرجوك.. انظر إلي.. أرني دربي.. سأسير عليه فقط أرني إياه.



حاتم (صديق طه): ما كانش يعرف حاجة عن الإسلام أساسًا، عشان كدا ما يعرفش يعني.. لما أجي أتكلّم في أي حاجة.. في الإسلام هو ما يدركش إيه كلمة إسلام دي ما يعرفهاش.



فهد الكندري: أول مرة سمعت فيها القرآن، قبل الإسلام، أول مرة تسمع فيها كلام الله سبحانه وتعالى، متى كانت، وأين كانت؟

طه: كنتُ أجلس في قاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة الإنگليزية العريقة، وأمامي البروفيسور الإنگليزي يقرأ القرآن بصوته الجهوري، ويفسره لنا، وكيف كان يدوّي صوته في قاعة المحاضرات وطريقة تحدثه عن القرآن، لقد كان محفزًا لي لقراءة القرآن.









فهد الكندري: بدأ يقرأ معاني القرآن المترجمة باللغة الإنگليزية، وذلك بسبب طريقة قراءة الدكتور الذي كان معه في الجامعة، واعتاد أن يقرأ القرآن وترجمة معاني القرآن ولكن دون البحث عن الحقيقة، ويقول بسبب تشويه الإعلام لصورة الإسلام، وفي يوم من الأيام، تغيّرتْ حياة طه.



طه: كنتُ في غرفتي بمفردي حينها، وانقطع التيار الكهربائي عن المنزل، فأضأتُ شمعة وفكرتُ في قراءة شيء ما، وكنتُ مستلقيًا على ظهري أقرأ نسخة مترجمة من القرآن، حصلتُ على هذه النسخة من مكتبة جامعة ليدز، وكانت معي في كل مكان أذهب إليه، وبينما أنا أقرأ على ضوء الشمعة، فجأة سقطت الشمعة، وساد الظلام في الغرفة وحينها أُصبتُ بالرعب، لمْ أشعر بهذا الخوف من قبل، حيث تجمدتْ أطرافي لمدة ٦٠ ثانية أو دقيقتين، لمْ أدري كم من الوقت على وجه التحديد، وبعد أن وعيتُ لما حدث، أعدتُ إشعال الشمعة ونظرتُ للكتاب فرأيتُ الشمع السائل لا يزال ينساب على صفحته، وقرأتُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة: ١٦٤).













فهد الكندري: ما هي الرسالة التي وصلتكَ من هذه الآية؟

طه: وفي هذه الآية يقول الله تعالى لنا أن كل ما في الكون في حياتنا اليومية، أينما تلتفت، هناك دلائل وعلامات لمن يفكرون بعقولهم! بالنسبة لي تلك كانت نقطة بالغة الأهمية، لأني كنت أترقب العلامات من حولي وأرتقب الهداية من الله، كنتُ كذلك لوقت طويل وبإصرار، كان في ذلك الحدث رسالة لي لا يمكنني تجاهلها..



طه: ومن ذلك الوقت داومتُ على قراءة الكتاب، وبكل الجدية، أقرأه كله، ولو نظرتَ لنسختي لوجدتَها مهترئة من طول المطالعة، في ذلك الوقت كنتُ أصطحبها أينما ذهبتُ، حتى في سفراتي العديدة، دائمًا معي، كنتُ أقرأه باستمرار.



فهد الكندري: بعد التأثر بهذه الآيات، هل دخلتَ إلى الإسلام مباشرةً ونطقتَ الشهادة؟

طه: لا لا ليس مباشرة! كنتُ بعد تلك اللحظة قد كثفتُ القراءة والبحث، في العام الدراسي التالي ابتعثتنا الجامعة للخارج! من ضمن المنهج الدراسي أن تَبعث الجامعة نصف الطلبة إلى المغرب والنصف الآخر إلى مصر، كنتُ أرغب بشدة الذهاب إلى مصر لأني كنتُ قد تعرفتُ على ابن أخت حاتم عندما زار إنگلترا، ونشأتْ بيننا صداقة متينة، في ذلك الوقت كان ابن أخت حاتم قد عاد لمصر، ومعلمي قال: أنتَ ستذهب إلى مصر! الحمد لله (يضحكان بسعادة).. الحمد لله..







طه: قبل ذهابي إلى مصر كانت معلوماتي عن الإسلام كلها نظرية ولمْ أتعرّف على المجتمع المسلم، ذهبتُ إلى مصر، ونزلتُ عند ابن أخت حاتم، ووصلتُ لقناعة بأن الإسلام هو دين الحق، ولكن لا يزال ذاك الخوف في داخلي.. سأخون بلدي وعائلتي وكل التقاليد التي نشأتُ عليها، كان صعبًا..



طه: وفي إحدى الليالي، كنتُ نائمًا وحلمتُ حلمًا، حلمتُ أني قد متُّ، لا أدري كيف متُّ ولكني فتحتُ عيني في الحلم فعلمتُ مكاني وأدركتُ أني متُّ للتو.



فهد الكندري: استيقظَ طه مباشرة، فذهب إلى صديقه الذي كان معه في السكن، فقال له قم، أريد الآن أن أنطق بالشهادة!



طه: فذهبتُ إلى صديقي الذي كان ينام في الغرفة المجاورة، أيقظتُه وقلتُ له: "يا محمد، أريد أن أدخل الإسلام"، فغيرنا ملابسنا وذهبنا إلى جامع الأزهر.



طه: كان قرارًا صعبًا ذاك الذي اتخذته للنطق بالشهادة، عندما وصلنا الأزهر، جلسنا أمام مفتيين من الأزهر، وكان أول سؤال: لماذا تريد أن تسلم؟ ماذا تعرف عن الإسلام؟ ...إلخ، هل تريد تغيير اسمك؟



طه: ثم طَلب مني أن أكرر ما يقول، ففعلتُ، قلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ومنذ تلك اللحظة.. كان الشعور.. أخشى على غير المسلمين لأن هناك غشاوة على أعينهم لا يستطيعون الرؤية، عندما نطقتُ بالشهادة شعرتُ بأن غطاءً قد أُزيح عن عينيّ، وصرتُ أرى أشياءً لمْ أكن ألاحظها من قبل، صرتُ أميز الخطأ من الصواب.



طه: ثم قالوا: أنتَ مسلم الآن! وابتسمتُ أنا وصديقي! (يبتسم بسعادة) خرجنا من الأزهر وجلسنا على مقعد وشربنا شايًا! كنا نفكر، هل هذا كل ما في الأمر؟! هل أنا مسلم الآن؟ (يتبسّم) شعرتُ بسعادة عارمة!



طه: الإسلام منهج للحياة والقرآن بمثابة خريطة له، أنا أراه دليلًا لي، كلنا سننتهي إلى نفس المكان، ولكننا نسلك طُرقًا مختلفة، نحن لا نعرف طريقنا مسبقًا، كل ما عليك هو أن تتناول القرآن وتقرأ.. وستستدل.. إذا أردتَ النجاح في الحياة... {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)} (البقرة)، إذا كنتَ ترغب في النجاح يجب أن تعرف القرآن!



فهد الكندري: تريد الفلاح؟ تريد النجاح؟ ابحث في القرآن، الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى: {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ماذا فعلوا؟ اهتدوا بالقرآن، كيف اهتدوا؟ لأنهم كانوا من المتقين، ماهي صفات المتقين؟ قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.



فهد الكندري: قبل الإسلام كنت تعيش الحياة.. الشبابية المعتادة في الغرب، هل وجدت صعوبة في التخلص من هذا كله بعد الإسلام؟

طه: على الإطلاق!.. الخمر وكل المسكرات التي يمكنك تخيّلها، كل هذه الأشياء تافهة وعديمة الأهمية، لأن ما عند الله هو أفضل بكثير من هذه الأشياء الحقيرة، فلكي ترضي ربك.. إرضاء ربك أهم وأولى بكثير من إرضاء نفسك بهذه الأشياء التافهة.













طه: الميزة في الإسلام، هذا الشعور الرائع من الأمان والطمأنينة، لقد تحسّنَتْ علاقتي بوالديّ بعد إسلامي كثيرًا، فأمامهم رجل كامل مسؤول يعاملهم بكل لطف وصبر ويعتني بهم، لا أظن أنهم كانوا يتوقعون هذه المعاملة مني، وما كنتُ لأعاملهم هكذا إلا لأني مسلم.



طه: بالنسبة لأمنيتي الخاصة، أحب الذهاب لمكة مع زوجتي، إن شاء الله أتمكن من ذلك.



فهد الكندري: بإذن الله عزّوَجلّ إخوانك وأحبابك في موقع نون القرآني www.nquran.com المتخصص في القراءات، سوف يحققون بإذن الله عزّوَجلّ لك الأمنية كما حققوها لإخوانك وأخواتك الذين دخلوا في الإسلام، بإذن الله، بارك الله فيك