الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد العريفيحسن الحسيني
"وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴿٤٢﴾ آل عمران.

تُرى من هي صاحبة هذا الاصطفاء وهذا التكريم ؟ من هي مريم تلك التي اصطفاها الرب على نساء العالمين وجعلها من خير النساء ؟

الشيخ العريفي

لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن فضل السيدة مريم العذراء عليها السلام أشار إلى خيريتها على نساء العالمين انضم إليها في هذه الخيرية والفضل نساء فاضلات مؤمنات عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الجنة :" خير نساءها مريم ابنة عمران وخير نساءها خديجة بنت خويلد أي خير نساء الجنة مريم وخديجة رضي الله عنهما.

سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ( خيرُنسائهامريمُابنةُعمرانٍ، وخيرُ نسائها خديجةُ ) .

الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم:3432

خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام :"لقدفُضِّلَتْخديجةُعلىنساءِأُمتيكمافضلَتْمريمُعلىنساءِالعالمينَ

الراوي: عمار بن ياسرالمحدث: ابن حجر العسقلاني - المصدر: فتح الباري لابن حجر -الصفحة أو الرقم: 7/168

خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن

قال النووي: الأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها أما التفصيل بينهما فمسكوت عنه .

الشيخ حسن الحسيني

إن ذكر الخيرية لمريم وخديجة رضي الله عنهما ومن باب التمثيل وليس من باب الحصر فهناك حديث أخر ذكر أربع نساء هن من خير نساء الجنة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" خطَّرسولُاللهِصلَّىاللهُعليهوسلَّمفيالأرضِأربعةَخطوطٍ فقال أتدرون ما هذا فقالوااللهُورسولُه أعلمُ فقالرسولُاللهِصلَّىاللهُعليهوسلَّمأفضلُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ خديجةُ بنتُ خويلدٍ وفاطمةُ ابنةُ محمَّدٍصلَّىاللهُعليهوسلَّمومريمُ ابنةُ عِمرانَ وآسيَةُ ابنةُ مُزاحِمٍ امرأةُ فرعونَ

الراوي: عبدالله بن عباسالمحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم:9/226

خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح‏‏‏

وقال صلى الله عليه وسلم :" فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد "

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :"خيرُنساءِالعالمينأربعٌمريمُبنتُعِمرانَوآسيةُبنتُمُزاحِمَامرأةُ فرعونَ وخديجةُبنتُخُوَيلدٍ وفاطمةُبنتُمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم

الراوي: أنس بن مالكالمحدث: ابن عدي - المصدر: الكامل في الضعفاء - الصفحة أو الرقم:5/363

خلاصة حكم المحدث: [فيه] عبد الله بن أبي جعفر بعض حديثهمما لا يتابع عليه

رضي الله عنهن جميعا

الشيخ العريفي

لقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمريم بكمالها ورجاحة عقلها فقال عليه الصلاة والسلام :" كمُلمنالرجالِكثيرٌ، ولم يكمُلْمنالنساءِ : إلا آسيةُ امرأةُ فرعونَ ، ومريمُ بنتُ عمرانَ ، وإن فضلَ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعامِ )

الراوي: أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيسالمحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 3411

خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

قال الإمام النووي: لفظة الكمال تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى فلقد كمل عقل مريم لأن الله تعالى أجرى لها خارقة في ولادتها لعيسى عليه السلام وكمل عقل آسية امرأة فرعون لأنها اختارت الإيمان بالله تعالى رغم إنها امرأة لأظلم حاكم وأعتى كافر الذي ادعى الإلوهية والربوبية ولعائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل على باقي النساء كفضل الثريد على باقي الطعام فرضي الله تعالى عن جميع سيدات نساء المؤمنين.

الشيخ حسن الحسيني

إذا فضل الله تعالى مريم على نساء العالمين وجعلها من أفضل النساء وهي ضمن خمس نساء ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضلهن على باقي النساء المؤمنات : آسية بنت مزاحم .. مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وعائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهن جميعا.

والكمال المطلق إنما هو لله سبحانه وتعالى خاصة ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء ونعني بهم الصديقين والشهداء والصالحين وإذا تقرر هذا فقد قيل إن الكمال المذكور في الحديث المذكور سابقا يُقصد به النبوة فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيتين .. قال القاضي عياض هذا الحديث يستدل به من يقول بنبوة آسية ومريم بنت عمران والجمهور على أنهما ليستا بنبيتين بل صديقتان ووليتان من أولياء الله تعالى.

"مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖكَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴿٧٥﴾" سورة المائدة.

الصديق هو الذي يصدق بكل ما جاء من عند الله ويؤمن به ولم يكذب بشيء مما جاءه من الله تعالى ولم يتردد في قبوله والإيمان به قال الله :" وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ.... (19) سورة الحديد.

الشيخ العريفي

لقد وصف القرآن الكريم السيدة العذراء مريم بالصديقة مثلها مثل الأنبياء الذين ذكروا سابقا ولقد وصف القرآن ثلاثة من الأنبياء بالصديقين : إبراهيم ويوسف وإدريس ، فأما إبراهيم عليه السلام فقد لاقى مقابل إيمانه بالله من المشقة والتحديات والفتن الشيء الكثير لم يضعفه شيء في سبيل فاستحق أن يكون صديقا ويوسف عليه السلام كانت حياته كلها عناء ما أن يخرج من اضطهاد حتى يقع في اضطهاد أخر لم يتذمر بل صبر وصدق فاستحق أن يكون صديقا وإدريس عليه السلام لم يحدثنا الله تعالى بتفاصيل كثيرة عنه لكنه بلا شك عانى من المشقات والصعوبات وتجاوز التحديات فاستحق أن يكون صديقا.

"وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴿١١﴾وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴿١٢﴾ سورة التحريم.

الشيخ حسن الحسيني

نعم وكيف لا تكون مريم صديقة فقد صدقت بكلمات ربها صدقت الرسول الذي أرسله الله إليها لينفخ في فرجها ليكون بعد هذا النفخ غلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهي التي صدقت أن هذا الغلام سيكون رسولا من عند الله لبني إسرائيل وهذا القبول والرضا من مريم بهذه المهمة الربانية سيجلب لها الكثير من التهم والطعن في نفسها وهي الطاهرة العفيفة وقد اشتد عليها ذلك عندما وقع الأمر وكيف لا تحمل هما والناس سينظرون إليها على أنها امرأة فاسقة على أنها امرأة بغي وجالبة العار لأهل بيت عُرف بالطهارة والعلم والخير والتقوى والعبادة ووصل بها الهم إلى أن تقول "......يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴿٢٣﴾سورة مريم.

********

مشهد تمثيلي في قصر النجاشي

أحد الحراس للنجاشي: مولاي جعفر بن أبي طالب بالباب

النجاشي: جعفر .. عمرو بن العاص قَدِم من مكة وأخبرني أن المسلمين يقولون في عيسى وأمه مريم قولا عظيما ، فما تقولون؟

جعفر: يا عظيم الحبشة بل نقول في المسيح ما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول أم المسيح سيدة نساء العالمين التي لم يمسها بشر ولم يفرطها ولد فحملت بعيسى من نفخة كما خلق آدم بيده.

****************

الشيخ العريفي

إن الله لم ينسى السيدة العذراء مريم عليها السلام بل كافأ ربنا سبحانه وتعالى هذه الصديقة بأن جعلها أشهر امرأة في التاريخ لا يجهل اسمها وقصتها أكثر أهل الأرض ، حتى في زماننا هذا كيف لا تُوصف السيدة مريم بالصديقة وقد أنجبت كلمة الله عيسى ابن مريم عليه السلام وأي صدق أعظم كلمات الله ، وهل يأتي الصدق من غير صادق أو صديقة فماذا ترتب على اصطفاء مريم واختيارها ؟ عليها أن تقابل هذا الاصطفاء بالشكر وشكرها يكون بالإكثار من القنوت والعبادة ولهذا قالت لها الملائكة :" " يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴿٤٣﴾ سورة آل عمران.

اقنتي لربكِ أديمي طاعته مع خشوع استمري على ذلك أخلصي في العبادة والخضوع لله والسجود والركوع معروفان هما ركنان من أركان الصلاة ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله أن تؤمر بالإكثار من الصلاة فهي قد أُمرت بأركانها أن تحافظ عليها فكانت كذلك عليها السلام.

الشيخ حسن الحسيني

" يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴿٤٣﴾ سورة آل عمران

وحكمة تقديم السجود على الركوع لأن السجود حركة عملية تمثل غاية القنوت وذروة الخضوع والخشوع لله عز وجل فالإنسان عندما يسجد ويضع جبهته على الأرض ويناجي ربه بخشوع يكون قانتا خاشعا خاضعا .. هذا قول ، وقيل تقديم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في صلاتهم والملاحظ أن التعبير جاء بصيغة "واركعي مع الراكعين" فعبر بالجمع المذكر السالم ولم يعبر بالجمع المؤنث فلم يقل (مع الراكعات) وهذا مثل قوله تعالى في الثناء على مريم "وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴿١٢﴾ سورة التحريم.

ولم يقل (من القانتات) ولعل ذكر القانتين والراكعين بصيغة المذكر من باب التغليب ولعل هذا يتفق مع الحياة التي عاشتها مريم عليها السلام عندما كانت في كفالة زكريا عليه السلام ومع العابدين والقانتين والراكعين والساجدين من الصالحين كما يتناسب هذا مع حياتها الخاصة عندما أنجبت ابنها عيسى من غير أب وحيث لم تقترن برجل ولم تمارس حياتها باعتبارها امرأة وزوجا لرجل.

الشيخ العريفي

إن تكليف مريم عليها السلام هو تكليف عام لا خصوصية فيه أي هو لكل مؤمن بالله يريد أن يصل إلى لدرجة الصالحين من العباد ، الخصوصية ليست في التكليف لأننا نعتقد أنها كانت تقوم بتلك العبادات وهي كانت في كفالة زكريا عليه السلام الذي كان يعلمها العبادة ونعتقد أن المخصوص في الأمر هو زمن التكليف فالوصية هنا لا ترجع إلى ما قبل ولكنها تذهب إلى ما بعد حيث أن الله جل وعلا يعلم وهو العليم الخبير أن مريم ستواجه تهما باطلة ظالمة قد تعجز النفس عن الصمود أمام هولها لا سيما على أنثى من نسل نبوة مصطفاة زكية مطهرة وأمامها مهمة عظيمة وهي كفالة المسيح عيسى عليه السلام إلى سن البلوغ. فكانت الوصية من الله تعالى بالاستعانة على قضاء هذه المدة بالطاعة والعبادة وعدم الانصراف إلى مناقشة كل من يفتري عليها أو يجادلها بالباطل لأن المهمة أكبر من ذلك بكثير لأن المهمة أكبر من تلك التخرصات (الأكاذيب) التي يقولها أعداء الله وعيسى عليه السلام يبدو حضوره واقعا في هذه الآية إذ هو محورها حيث تنصرف أمه للعبادة والطاعة وتربية المسيح على هذا السلوك الإيماني.

الشيخ حسن الحسيني

لقد نزلت الملائكة من السماء بخبر الاصطفاء ثم تم تحديد تكاليف الاصطفاء "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴿٤٢﴾يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴿٤٣﴾سورة آل عمران.

كم في الآية من المعطيات المهمة فلنتأمل ما جاء فيها على النحو الآتي:

قوله تعالى :" "وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ" هذا الخطاب يدل على عدة أمور منها أن مريم العذراء كانت تتواصل مع السماء بخطاب الملائكة والأمر الثاني أن مجموعة من الملائكة هي التي خاطبت مريم العذراء البتول وليس ملكا واحدا وهذا الذي يدل على تنوع الخطاب وأن الخطاب لم يكن مرة واحدة .

والأمر الثالث أن الملائكة تنزلت على مريم بعدة خطابات وهي خطاب الاصطفاء وخطاب التطهير وخطاب القنوت وخطاب السجود وخطاب الركوع حينها ندرك شديد الاهتمام الرباني وعظيم العناية الإلهية بما يأتي به عيسى.. نعم فكل هذه العناية لم تكن لمريم على وجه التحديد بل هي للسيدة العذراء وابنها عيسى المسيح.

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179&page=2