الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد راتب النابلسي
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (44-70) : الحب من خلال السنة النبوية

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-02-15

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الحبّ من خلال السنة النبوية :

أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحب، والحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، لكن المؤمن يعرف من ينبغي أن يحب، وكيف يحب.

وفي اللقاء السابق تحدثنا عن الحب من خلال القرآن الكريم، واليوم الحديث عن الحب من خلال السنة النبوية الصحيحة المطهرة، من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:

(( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))

[أخرجه أبو يعلى عن الأشج العصري ]

كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، والأناة التؤدة والتأني، في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، فالحلم والأناة صفتان يحبهما الله عز وجل ورسوله.

(( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))

المؤمن هو من كان الله في قرآنه والنبي في سنته أحبّ إليه من أي شيءٍ آخر :

حديثٌ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]

الحقيقة أن هذه الأحاديث أولاً مقياس وثانياً هدف، مقياس إيمانك أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك من ولدك، ووالدك، والناس أجمعين، هذه علامة الإيمان.

سيدنا عمر كان واضحاً جداً مع رسول الله قال له: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له: عندما يكمل إيمانك يا عمر، بعد حين قال: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، ونفسي التي بين جنبي، فقال: الآن يا عمر.

هذا مقياس ، ما معنى أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك ممن سواهما؟ ككلمة سهلة جداً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء؟ لقال الجميع: نعم، حينما تتعارض مصلحتك القريبة المتوهمة مع النص الشرعي، مع القرآن ومع السنة، مع أمر الله في القرآن وأمر النبي في السنة، وتلزم النص الشرعي، ولا تعبأ بمصلحتك المتوهمة، فأنت تحب الله ورسوله أكثر من أي شيءٍ آخر، أي قضية أن تحب الله ورسوله أكثر من أهلك، وولدك، والناس أجمعين، ككلمة سهلة، أما كتطبيق، أحياناً له زوجة ويحبها لكنها متفلتة، وسوف ينعكس هذا على الأولاد، فلابدّ من تقويمها، لابدّ من أخذ موقف منها، أما معظم الناس ما دام مصالحه محققة من خلال هذه الزوجة لا يعبأ بدينها، ولا بتربيتها لأولادها.

فما دام هناك رغبة أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته، أحب إليك من أي شيءٍ آخر فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة.

على الإنسان أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه :

الآن يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤمن أحدُكم ))

دائماً وأبداً حينما يربط الأمر بالإيمان فهو شيءٌ خطيرٌ جداً.

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]

قال شراح الحديث: المطلق في القرآن والسنة على إطلاقه، أوسع معنى للأخوة الأخوة الإنسانية، فمن علامة الإيمان أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك، وفي بعض الروايات: وأن تكره لهم ما تكره لنفسك، أما الذي يأخذ ما يوافقه ويدع للناس ما لا يوافقه، فهو لا يحب لهم ما يحب لنفسه.

والحقيقة أيها الأخوة: هناك مقياس دقيق جداً، ضع نفسك مكان الآخر، أنت موظف أمامك مواطن، له حاجة تنتهي بدقائق، لكنك تدير حديثاً ممتعاً مع صديقك، قلت له: تعال غداً، وقد يكون بلده في مكان بعيد، وسوف يضطر أن ينام في الفندق، لو كنت مكانه هل تقبل؟.

لذلك القاعدة الرائعة التي تؤكدها نصوص كثيرة: عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك، هل ترضى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها كما تعامل أنت زوجة ابنك في البيت؟ هل ترضى أن تسخر الزوجة من أمك كما تسخر من أمها؟ أنا أقول: إما أن تكون إنسانياً، أو أن تكون عنصرياً، فالزوج الذي يسخر من أم زوجته فإذا تكلمت زوجته بكلمة عن أمه أقام الدنيا عليها، هذا إنسان غير منطقي، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.

التوحيد أن يتحرك الإنسان وفق ما يرضي الله عز وجل :

أيها الأخوة:

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))

صدقوا ولا أبالغ لو طُبق هذا المبدأ، أو هذا الحديث، لكنا في حال غير هذا الحال، ينبغي ألا تقبل للناس إلا ما تقبله أنت.

حدثني مرة أخ قال لي: أنا عندي معمل مياه غازية لا أذوقه إطلاقاً، لأنه سيئ جداً، إذاً لماذا تبيع الناس شيئاً أنت تترفع عن شربه؟ هذا خطأ استراتيجي، في كل المصالح، بالحرف الشيء الذي تقدمه للناس ينبغي أن يكون مقبولاً عندك، أما تطعم الناس طعاماً لا تأكله أنت، ليس هذا من الدين إطلاقاً.

ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله، ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ ))

[ أخرجه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ]

هناك روايات كثيرة:

(( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله ومنع للهِ، ووصل لله، وقطع لله ورضي لله، فقد استكمل الإيمانَ ))

أي المؤمن نحى رغبته الشخصية جانباً، وتحرك وفق ما يرضي الله، فإن غضب لله، وإن رضي لله، وإن وصل لله، وإن قطع لله، وإن أعطى لله، وإن منع لله، هذا هو التوحيد، أن تتحرك وفق ما يرضي الله .

صفات التاجر الذي يرضي الله عز وجل :

أيها الأخوة، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إنَّ اللهَ يُحِبُّ سَمْحَ البيع ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

هناك تساهل بالبيع، هناك تشدد، أحياناً امرأة فقيرة ليس معها ثمن الدواء الكامل ينقص نصف ليرة، يسحب الدواء من يدها ائتني بالمبلغ الكامل، نصف ليرة أحياناً، لا يوجد سماحة، هناك تشدد أحياناً بالبيع والشراء لا يحتمل .

(( رحم الله عبداً سمح البيع، سمح الابتياع، سمح القضاء ، سمح التقاضي ))

[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عثمان بن عفان ]

(( إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]

مر معي:

((أطيب الكسب كسب التجار))

[الأصبهاني عن معاذ بن جبل]

الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا ـ لم يمدحوا ـ وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر الذي يرضي الله عز وجل.

رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً :

وهناك أيضاً حديث قد يلفت النظر لكنه في البخاري: رجل من القوم يشرب الخمر، لعنه الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَلعنوه، فواللَّه ما علمتُ إلا أنهُ يُحِبُّ اللَّه ورسوله ))

[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]

لئلا نقع في فهم خاطئ، أحياناً الإنسان يعصي ربه كِبراً، وتأبياً، كما عصى إبليس، وأحياناً يعصي الإنسان ربه غلبةً، غلبته شهوته، ضعف أمام نفسه، هذا يعصي ويبكي، فهذا الذي يعصي غلبةً لا تعامله كما تعامل إنساناً يعصي الله كِبراً واستعلاءً، هذا نوع وذاك نوع آخر، وقد قال بعض العلماء: رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً .

حاجة المسلمين اليوم إلى أن يحبوا بعضهم بعضاً حاجة أساسية :

أيضاً أيها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام:

(( وَالذي نَفسي بِيدِهِ، لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

ما الذي ينقصنا الآن؟ مساجد رائعة، أبنية فخمة، مؤتمرات جيدة، ندوات رائعة، هناك كل شيء، إلا أن هذا الحب الذي كان بين الصحابة نفتقده، هذا الحديث:

(( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))

نحتاج إلى الحب، إلى أن يحب بعضنا بعضاً، أما التحريش بين المؤمنين، وتراشق التهم .

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

هذه تضعضع مكانة المؤمنين عند الله عز وجل، المؤمنون إذا تعاونوا ارتقوا جميعاً عند الله، وعند من حولهم، أما إذا تنافسوا، وتراشقوا التهم، سقطوا جميعاً من عين الله، ومن عين من حولهم.

(( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))

المحبة أساس الإيمان :

الحب من أين يأتي ؟

(( ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))

[ أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]

افتراض، لو أنك مستقيم تماماً، وأنا مستقيم تماماً، يجب أن يُحب بعضنا بعضاً، الحب حتمي، الحب نتيجة طبيعية، والدليل حينما ننسى ما ذُكرنا به تكون العداوة والبغضاء، وكأن هذه الآية تشير إلى قانون العداوة والبغضاء:

﴿ َفنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ﴾

[ سورة المائدة الآية : 14 ]

إذاً .

(( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ ))

[ أخرجه الترمذي عن الزبير بن العوام ]

أحبّ الناس إلى رسول الله و أبغضهم إليه :

ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِني مَجْلِسا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُم أخلاقاً ))

[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]

لذلك الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.

(( وَإِنَّ أَبغَضَكُمْ إِليَّ، وَأبْعَدَكُمْ مِني مَجْلسا يَومَ القِيامةِ: الثَّرْثَارونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))

(( الثَّرْثَارونَ ))

الذين يكثرون القول الباطل .

(( والمُتَشَدِّقُونَ ))

المتوسعون في الكلام .

(( وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))

المتكبرون بالعلم، هؤلاء من أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الإمام العادل أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة :

ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أَحَبُّ النَّاسِ إِلى الله يوم القيامة وأدْنَاهُمْ منه مَجْلِساً إمَامٌ عَادِلٌ، وأَبغَضُ النَّاسِ إلى الله تعالى وأَبعدهم منه مجلساً إمَامٌ جَائِرٌ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

الإمام ممكنٌ في الأرض، والإنسان إذا مكن في الأرض، وعمل صالحاً، أجره مضاعف، أجر استقامته ومن قلده في الاستقامة، والممكن في الأرض إذا أخطأ عليه وزران، وزر خطئه، ووزر من قلده بخطئه، أي منصب قيادي، معلم صف، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، أي منصب قيادي إن أحسن هذا الذي يتسلم هذا المنصب له أجرٌ مضاعف، وإذا أساء عليه وزرٌ مضاعف.

ما دامت الشعائر تؤدى فيجب على الإنسان ألا يفعل شيئاً يشق الصفوف :

أيها الأخوة، حديثٌ دقيقٌ جداً يحتاجه المسلمين اليوم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الذين تُحبُّونَهُمْ ويُحبونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عليهم، ويُصَلُّونَ عليكم وَشِرارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكمْ، وتَلْعَنُونَهُم، وَيلْعَنُونَكم ))

[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]

(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم وأُمورُكم إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

لكن هذا الحديث له تتمة خطيرة جداً ، قلنا: يا رسول الله:

(( أفَلا نُنابِذُهم ))

أي نجاهرهم بالعداء:

(( قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ ))

[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]

ما دامت الشعائر يمكن أن تؤدى وأنت مرتاح، لا يجوز أن تنابذهم العداوة:

(( ما أقاموا فيكم الصلاةَ ألا مَنْ وَلِيَ عليهِ وَالٍ، فرآهُ يَأْتي شَيئاً مِنْ مَعصيةِ اللهِ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنَّ يَدا من طَاعَةٍ ))

[ أخرجه مسلم، عن عوف بن مالك ]

لئلا تقع حربٌ أهلية، ما دام الشعائر تؤدى في أخطاء، يجب أن تبقى من دون أن تفعل شيئاً يشق الصفوف، ويؤدي إلى منكرات كنا في غنى عنها.

الدعاء مخ العبادة :

أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( سَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ، فإن الله يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرجِ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري ]

أي الدعاء مخ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته أو حوائجه كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح ))

[ أخرجه البزار في مسنده ، عن أنس بن مالك ]

من لا يدعني أغضب عليه، معاذ بن جبل رضي الله عنه يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أَخَذَ بِيَدِهِ، وقال: يا مُعَاذُ، واللهِ إِني لأُحِبُّكَ ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]

شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله:

(( فقال: أُوصيكَ يا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]

بعد الصلاة:

(( أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))

كل إنسان ممتحن في شيئين :

أيها الأخوة، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اللَّهمَّ إِني أسألك حُبَّك، وحبَّ من يحبُّك، والعَمَل الذي يُبَلِّغُني حبَّكَ، اللَّهمَّ اجعل حُبَّك أَحَبَّ إِليَّ من نفسي، ومالي، وأَهْلي، ومن الماءِ البارِد ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء ]

والماء البارد في البلاد الحارة شيء ثمين جداً، و إن لم يكن هناك ثلاجات فهذا شيء ثمين جداً، لكن هذا الدعاء الآخر يلفت النظر، أي الواحد منا أحد أمرين، إما أنه أراد شيئاً فأصابه، أو أراد شيئاً فلم يتح له، وأنت ممتحن في شيئين؛ فيما أعطاك، وفيما زوى عنك، أعطاك صحةً نعمة كبيرة، تتمنى زوجة غير هذه الزوجة تقول: لم أوفق في اختيارها مثلاً فأنت أمام امتحانين كل يوم، شيء تتمناه وقد أكرمك الله به، وشيء تتمناه وقد زوي عنك، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم :

(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

الذي أحببته المال فرضاً، يا رب اجعل هذا المال في سبيلك، اجعل هذا المال أنفقه في مرضاتك:

(( ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ ))

الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار:

(( فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))

دقق الآن:

(( وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

مرة أحد الأخوة الأكارم أثناء الدرس سأل سؤالاً قال: ما الحكمة أن الزوجة أحياناً لا تكون كما يتمنى الإنسان؟ قلت له: حتى نراك في المسجد، هي حكمة كذلك، أحياناً الإنسان ينطلق إلى عمل، إلى عبادة، إلى طاعة، أحياناً يؤثر أن يقبع في البيت، فإذا كان مرتاحاً لدرجة غير معقولة ينسى العمل الصالح، طبعاً هذه طرفة.

من نصر الضعيف نصره الله على من هو أقوى منه :

ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))

[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]

أي هؤلاء المساكين الضعاف، يقول النبي الكريم:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]

هذا الضعيف إذا أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، عالجته إن كان مريضاً، آويته إن كان مشرداً، علمته إن كان جاهلاً، أنصفته إن كان مظلوماً، سوف تُكافأ في نصرته لأن الله سبحانه وتعالى ينصرك على من هو أقوى منك.

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

في الحقيقة حينما نعتني بالضعيف تتماسك الأمة، لا تخرق، أما إذا كان هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، والأغنياء لم يهتموا بالفقراء، والأقوياء لم يهتموا بالضعفاء، ينشأ شرخ بالأمة، هذا الشرخ يسبب أن تخترق.

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

أنت أمام عدو قوي جداً، كيف تنتصر عليه؟ إذا نصرت من هو أضعف منك، تكافأ مكافأةً من جنس عملك، أنت نصرت من هو أضعف منك، فالله سبحانه وتعالى يكافئك بأن ينصرك على من هو أقوى منك.

من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم :

أيها الأخوة:

(( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حَبيبَتَان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحانَ اللهِ العظيم ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إِنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعْطي على العنفِ، وما لا يُعطي على مَا سِواهُ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]

ومن أقوال النبي الكريم:

(( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]

على الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبته لرسوله :

أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( يا رسول الله، والله إني لأُحِبُّكَ، فقال: انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ ثلاث مرات قال: إِن كنت تُحِبُّني فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))

[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]

كأن المعنى الدقيق أن حبك لي وحده من دون عمل لا تنتفع به يوم القيامة، الحب وحده من دون عمل، الآن المسلمون يمدحون النبي ليلاً نهاراً، شيء رائع جداً، من دون اتباعه لا ينتفعون بهذه المحبة، محبتك لي من دون عمل تلقى الله به يوم القيامة وهذا الحب لا ينفعك.

(( انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ - ثلاث مرات ))

إن كنت صادقاً فيما تقول، هناك رواية أخرى:

(( للفقر إليك من شركٍ عليك ))

لكن هذه الرواية:

(( فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))

أي اعمل عملاً صالحاً تلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبتك لي، أما حب وحده فلا يقدم ولا يؤخر.

مثلاً: جاء ابن غير متعلم وله أب عالم كبير، مهما أثنى الابن على أبيه هذا الثناء لا يقدم ولا يؤخر، الذي يقدم ويؤخر أن يسلك مسلك أبيه في طلب العلم، المحبة والمديح لا تكفي.

مكارم الأخلاق التي يحبها الله أن تكون سخياً تداوم على عملك :

أيها الأخوة :

(( السَّخِيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريبُ من الجَنَّةِ، بَعِيد من النار، والبَخِيلُ بَعِيد من الله، بَعِيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجَاهِل سَخيُّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

معنى هذا أن مكارم الأخلاق التي يحبها الله عز وجل أن تكون سخياً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]

أي أَلِفت درس علم حافظ عليه، أَلِفت صلاة نافلة حافظ عليها، أَلِفت صدقة شهرية حافظ عليه.

(( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

الحب كما قلت لكم ثلث الإنسان، هو عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، والحب في القرآن وفي السنة له ضوابط، وله مضامين، وله اتجاهات، فينبغي أن نتأكد من أننا نحسن الحب في الله، ونجتنب الحب مع الله، فرقٌ كبير بين أن تحب في الله، والحب في الله عين التوحيد، وبين أن تحب مع الله، والحب مع الله عين الشرك.

والحمد لله رب العالمين

المصدر:

http://nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=4248&id=150&sid=775&ssid=776&sssid=777