الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد راتب النابلسي
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (42-70) : أنواع الكبائر

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-02-13

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تناقض الكبائر مع الوصول إلى الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكنه يتصل اتصالاً سلبياً، فالشيطان يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم تنجح هذه الورقة وسوس له بالمباحات، فلذلك الكبائر تتناقض مع الوصول إلى الله، والكبائر كما قال الله عز وجل:

﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء ]

والحديث في اللقاء السابق كان عن أنواع الكبائر، ولا زلنا في ذكر هذه الأنواع.

أي عمل يسقط صاحبه من عين الله وأعين الناس يندرج تحت الفواحش :

الآية الكريمة:

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 151 ]

وقد بينت لكم أن الشرك ذنبٌ لا يغفر، لأنك اتجهت إلى غير الله، وغير الله ليس عنده شيء، ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله.

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 151 ]

الفاحشة معصية ممقوتة، تفوح رائحتها النتنة، تسقط صاحبها في الوحل، يصبح مذموماً، يفقد مكانته، يفقد عدالته، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))

[أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده عن علي]

العكس: من حدثهم وكذبهم، سقطت عدالته، ووعدهم فأخلفهم، سقطت عدالته، وعاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، فهذه من الكبائر،

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾

الزنا من الفاحشة، وأي عمل يسقط صاحبه من أعين الناس يندرج تحت الفواحش، وأي عملٍ أيضاً يسقط صاحبه من عين الله يندرج مع الفواحش.

أيها الأخوة:

﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 151 ]

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد ]

الفواحش الباطنة و الظاهرة :

﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

بل إن لبعض العلماء رأياً دقيقاً في الفواحش الباطنة، إنها الكِبر، الفواحش الظاهرة في الأعمّ الأغلب الإنسان يتوب منها، لكن الفواحش الباطنة هي الكِبر، وهناك فواحش تصيب النفس، الاستعلاء، الكِبر، أن ترى نفسك فوق الآخرين، بل إن العالم كله يعاني من مرضٍ خطير، إنه العنصرية، ما معنى العنصرية؟ يكفي أن تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، فأنت عنصري، يكفي أن تتوهم أن على الآخرين ما ليس عليك، فأنت عنصري، وقد يكون الزوج عنصرياً، فإذا صعدنا إلى الأعلى وقد يكون حق الفيتو في مجلس الأمن حقاً عنصرياً، أنت حينما تتوهم أن لك ما ليس لغيرك أو أن عليك أو أن على غيرك ما ليس عليك فأنت عنصري.

هذه الفواحش الباطنة، في الأعم الأغلب الإنسان لا يتوب منها، لأنها ليست ظاهرة، الكِبر أن يرى نفسه فوق الآخرين، أن يرى أن له فضلاً عليهم، أن يرى أن أحداً لا يحق له أن ينتقده، مع أنه ما من أحدٍ أصغر من أن ينقد، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقد، فالمجتمع الذي فيه نظام إنساني وليس عنصرياً هذا المجتمع معافى، أما إذا كان هناك عنصرية قهذا المجتمع يعاني ما يعاني، وقد ينتقل إلى العنف، والعنف لا يلد إلا العنف.

تحريم الزنا :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾

[ سورة الفرقان الآية: 68 ]

الزنا جريمة، لأنه عدوان، لأن الله سبحانه وتعالى فطر النفس الإنسانية فطرةً سليمة، وأن المرأة فطرها فطرةً سليمة، فإذا تزوجت تألقت، إذا تزوجت كان الزواج وفق فطرتها، أما إذا أُفسدت بالزنا، كان الزنا وبالاً عليها.

على كلٍّ أيها الأخوة الآية الكريمة:

﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾

المؤمن لا يزني، أما وإن زنا وإن سرق في الماضي، قبل أن يتوب، لكن بعد أن تاب إلى الله عز وجل، فهذا بعيدٌ عن أخلاق المؤمن بعد الأرض عن السماء.

العلاقة مع الجن علاقة محرمة :

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:

(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله والسِّحْرُ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

أيها الأخوة:

(( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))

[ أخرجه النسائي عن أبي هريرة ]

أي علاقةٍ مع الجن علاقةٌ محرمة.

(( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))

أي تعاون مع الجن لإضلال البشر، لا يوجد عندنا قناة نظيفة مع الجن إطلاقاً.

(( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))

الاستعاذة بالله تحرق الشيطان لأن الجن ليس لهم على الإنس سلطان :

ولكن هناك آياتٌ دقيقة جداً:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]

الجن ليس لهم على الإنس سلطان:

﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]

آيةٌ ثانية:

﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 102 ]

أي الجن، آيةٌ ثالثة:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 200 ]

فالاستعاذة بالله تحرق الشيطان:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ﴾

[ سورة سبأ الآية: 14 ]

سيدنا سليمان:

﴿ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾

[ سورة سبأ ]

هذه الآيات القرآنية الحاسمة، الجن لا يعلمون الغيب، والجن لا يملكون للبشر نفعاً ولا ضراً، هذا المعنى الدقيق المتعلق بالجن، أما هناك خرافات، وهناك ترهات، وهناك تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، الموقف العلمي، القرآني، التوحيدي من الجن هذا، فلذلك:

(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

من يسفك دم الآخرين يتحمل وزرهم يوم القيامة :

وقد ذكرت لكم أن المسلم يظل بخير ما لم يسفك دماً، لأن هذا الدم الذي سُفك لابد من أن يتحمله إنسانٌ يوم القيامة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر ]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴾

[ سورة القيامة ]

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

[ سورة المؤمنون الآية: 115 ]

بل إن علماء التوحيد يؤكدون أن الإيمان باليوم الآخر يندرج تحت السمعيات، أو تحت الإخباريات، لأن الله أخبرنا أن هناك يوماً آخر، إلا أن بعض العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الأخر يندرج تحت المعقولات، لأنه لا يعقل أن يخلق الله قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وتنتهي الحياة، القوي أكل الضعيف، والغني أكل الفقير، والمتمكن سحق الضعيف، لا يعقل أن تنتهي الحياة دون أن تسوى الحسابات، هذا الكمال الذي يشف عنه الكون لا يقبل أن تنتهي الحياة مع الموت، ولا شيء بعد الموت، لابدّ من أن تسوى الحسابات.

من الكبائر أيضاً :

1 ـ أكل الربا :

فلذلك أيها الأخوة:

(( السِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

الربا من الكبائر لماذا؟ لأن الربا يسهم بتجميع الأموال الكثيرة، في أيدٍ قليلة، وهذا وحده يعد اختلالاً بالتوازن، لأن الله حينما أودع في الإنسان حب المال، أراد أن يكون هذا المال متداولاً بين كل البشر، قال تعالى:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

فالعالم حينما يتاجر بالسلعة والخدمة، توزع الثروات على أوسع طبقةٍ في المجتمع، أما حينما يتاجر بالقيمة ـ كما هو حال النظام العالمي اليوم ـ وحينما يتاجر بالدين، تتجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك عُشر سكان الأرض بسبب النظام الربوي، يملكون تسعة أعشار ثروات الأرض، والتسعون بالمئة من أهل الأرض لا يملكون إلا عشرة بالمئة من ثروات الأرض، حرمة الربا أتت من أنه يخل بالتوازن المالي بين طبقات البشر.

فلذلك حينما يقل المال بين أيدي الناس، تظهر الدعارة، يظهر الاحتيال، أكثر الأمراض الخطيرة الاجتماعية سببها الفقر، وحينما قال الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً"، هذا كلام صحيح، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكون جريمةً وكاد الفقر أن يكون احتيالاً، أكثر الأمراض الاجتماعية سببها الفقر، فلذلك الذي يسهم في إبعاد الهوة بين الأغنياء والفقراء يسهم في إفساد المجتمع، لذلك قال النبي الكريم:

(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

2 ـ أكل مال اليتيم :

أكل مال اليتيم من الكبائر، والله عز وجل يقول:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾

[ سورة النساء الآية: 6 ]

لو أن إنساناً تاجراً كبيراً، معه مال يتيم، إذا كان غنياً بماله، ينبغي أن يستعفف عن أن يأخذ ربحاً من استثمار مال اليتيم، أما إذا كان فقيراً، قال:

﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة النساء الآية: 6 ]

العلماء فسروا المعروف أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، مثلاً يتيم وضع معك مليون ليرة، الربح بينكما، ربحت بهذا المليون مئتي ألف، أجر المثل لك مئة ألف وله مئة ألف، هذه المئة ألف أقل من حاجتك، هذا هو الحق، لكن أودع معك عشرة ملايين، وربحت مليوناً، لك خمسمئة، وله خمسمئة، الخمسمئة فوق حاجتك، ينبغي أن تأخذ حاجتك، كلام دقيق:

﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة النساء الآية: 6 ]

﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

؛ أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، فإذا الحاجة كانت أقل يأخذ حاجته، وإذا كان أجر المثل أقل، يأخذ أجر المثل.

3 ـ التولي يوم الزحف :

(( وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

الإنسان حينما يجبن عن لقاء العدو، فهذا الجبن، وهذا الفرار، أو هذا التولي من الزحف، يعد من الكبائر.

4 ـ قذف المحصنات :

(( وقذف المحصنات ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة ]

وورد في الأثر:

(( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ))

الناس يخوضون في أعراض الآخرين، أحياناً تُذكر امرأة، أحد الحاضرين يقول: الله أعلم، قذفها بهذه الطريقة، أساساً حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية إنها قصيرة قال النبي عليه الصلاة و السلام:

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

(( والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]

هذا الحديث في البخاري ومسلم.

5 ـ قتل مخلوق بلا سبب :

أيها الأخوة، أن تقتل مخلوقاً بلا سبب، هذا من الكبائر، تصوروا لو أن واحداً اصطاد عصفوراً، لغير مأكلةٍ، للتسلية، هذا العصفور يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي النحل، يقول:

(( يا رب سله لِمَ قتلني؟))

آلاف الصيادين يذهبون هوايةً، يقتلون آلاف الطيور ثم يرمونها في الأرض، ماذا فعلت؟ مخلوق يسبح الله، أما إذا كنت مسافراً، وأنت مكرمٌ عند الله، وكنت جائعاً و مضطراً إلى أن تأكل، لك أن تصطاد، وأن تأكل، الصيد لتلبية حاجةٍ أساسية، أما للتسلية.

((من قتل عصفورا عبثاً جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش تقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟))

[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]

6 ـ شتم الرجل والديه :

أيها الأخوة:

(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

بشكل دقيق أنت حينما تؤذي الناس تستسب لأبيك، النهي ولا تستسب له، أي لا تعامل الناس معاملةً يكون رد فعلها أن يسبوا أباك، فالمؤمن لا يستسب لأبيه، يحفظ ود أبيه، يحفظ سمعة أبيه، يحفظ كرامة أبيه، إلا أن المؤمن له نشاط أوسع، لا يستسب للمسلمين وهذا المعنى مأخوذ من حديث رسول الله:

(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))

[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]

قد تتوهمون أن المعنى أنه لا يؤذي المسلمين، ولا يسبهم، لا، حينما يعامل غير المسلمين فيظلمهم، أو يأخذ ما ليس له، يسبب سباً للمسلمين، أنت حينما تسيء إلى مسلم يتهمك أنت باسمك، أم إذا أسأت لغير المسلم، ينسى اسمك، ويتهم الإسلام، المعنى دقيق جداً:

(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))

أي من سلمت سمعة المسلمين حينما يعامل غير المسلمين من لسانه ويده، ودائماً وأبداً حينما تسيء لغير المسلم، يقول: هكذا الإسلام؟ ينسى اسمك، لا يعلق على اسمك أبداً، فلذلك المسلم إذا أساء لغير المسلم، يكون قد انتهك حرمة المسلمين، وأنت أيها المسلم على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، لذلك الحديث:

(( من غش فليس منا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

لو غششت مجوسياً فلست منا:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

[ سورة المائدة الآية: 8 ]

من هو العدو التقليدي للمؤمن؟ الكافر، ولا يحملنكم بغض هذا الكافر

﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾

﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة الآية: 8 ]

إن عدلت معه، قربته إلى الله، وقربته إليك، أنا أرى أن الإساءة لغير المسلمين أعظم إثماً ومسؤوليةً من أن تسيء للمسلمين.

7 ـ استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق :

إن من أكبر الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

ما معنى كلمة عرض؟ نحن جميعاً نتوهم أن كلمة عرض متعلقة بالمرأة، لا، كل إنسان له عرض، عرضه سمعته، أو بالتعبير الدقيق العرض: موضع المدح والذم في الإنسان، فإذا أسأت إلى سمعة إنسان، أي اتهمت أمانته من دون تأكد، من دون دليل، لا يوجد أحد جيد، هذا المشكك، ذُكر اسم شخص، ليس معك دليل، ليس معك بينة، ليس معك مستمسك، اتهمت أمانته، ماذا فعلت؟ استطلت في عرضه، لذلك:

(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))

[ أبو داود عن أبي هريرة]

هذه امرأة نشكك بعفتها، وهذا إنسان نشكك في أمانته من دون دليل، إن كان هناك دليل فلا يوجد مشكلة.

لذلك مرة سيدنا عمر، جاءته رسالة من أحد الولاة، قال: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فكان الجواب الرائع، قال: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر! وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم، فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا، فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم، أهون من أن ألقى الله بدمائهم، هذا المنهج، هذه القنوات الصحيحة.

أيها الأخوة الكرام، الحديث عن الكبائر حديثٌ خطير، إذا استطلت في عرض امرئ مسلم من دون دليل، رجل له دعوة، له مصالح، معك دليل؟ شككت بأمانته، الناس كانوا ينتفعون منه، قطعت الخير عن هؤلاء الناس بكلمة، مرة أخيرة:

(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

8 ـ اتباع غير سبيل المؤمنين :

أيها الأخوة:

(( مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجماعةَ فماتَ ماتَ مِيتة جَاهلية ))

[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]

اتبع غير سبيل المؤمنين، فكل إنسان يقدم خدمات لأعداء المسلمين، فكأنه خرج عن مفهوم الأخوة الإيمانية.

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة النساء الآية: 115 ]

صار في خدمة أعداء المسلمين، هذه من أكبر الكبائر، هي الخيانة العظمى.

الحقيقة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبعدنا جميعاً عن هذه الكبائر، لأنك تظل بخير ما لم تقترف هذه الكبائر.

والحمد لله رب العالمين

المصدر : http://nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=4192&id=150&sid=775&ssid=776&sssid=777