الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد راتب النابلسي


ندوات تلفزيونية - قناة الفجر - سنريهم آياتنا - الندوة 29-24 : النقل الصحيح ـ تكافل انثى الدلفين بصغاره

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-14

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم إلى لقاءٍ جديد من برنامج:"سنريهم آياتنا"، الذي يتناول الإعجاز العلمي في كتاب الله الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويسعدني أن أرحب بفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً بكم.

الدكتور راتب:

بكم.

الأستاذ معتز:

أستاذ راتب، تحدثنا منذ الحلقات الأولى على أن الحق هو عبارة عن نقلٍ صحيح، وعقلٍ صريح، وفطرةٍ سليمة، وواقعٍ موضوعي، تحدثنا عن الفطرة السليمة، تحدثنا عن العقل الصريح، نريد أن نتحدث اليوم عن النقل الصحيح، ماذا يعني النقل الصحيح؟.

النقل الصحيح:

الدكتور راتب:

الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف، وبينت في هذه السلسلة من الحلقات أن من أبرز المقومات هو الكون الثابت الأول، والعقل، والفطرة، والشهوة، والحرية ـ حرية الاختيار والتشريع ـ التشريع هو: النقل الصحيح، التشريع هو المنهج، التشريع افعل و لا تفعل، التشريع الوحي، التشريع ليس منتجاً أرضياً، التشريع وحيٌ سماوي، التشريع تعليمات الصانع، التشريع الدستور، التشريع هو الخطة التي ينبغي أن نتبعها هذا هو التشريع.

الأستاذ معتز:

لكن لا فرق بين كلمة الشرع وكلمة التشريع؟.

من اتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه:

الدكتور راتب:

كلاهما جائز، التشريع هو القرآن الكريم قطعي الثُبوت وظني الدلالة، بعض آياته قطعية الدلالة، بعض آياته ظنية الدلالة، والتشريع هو بيان المعصوم ـ النبي عليه الصلاة والسلام ـ فصار التشريع القرآن والسنة، الوحي المتلو والوحي الغير متلو، القرآن منهج الله عز و جل يقول:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

القرآن.

﴿ فَلَا يَضِلُّ ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

عقله.

﴿ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه الآية: 123 ]

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت.

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

التشريع تعليمات الصانع، وكأن الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة.

الإنسان انطلاقاً من حبه لذاته ولوجوده يطبق تعليمات الصانع:

الإنسان انطلاقاً من أنانيته، من حبه لذاته، من حبه لوجوده، من حبه لسلامة وجوده، من حبه لكمال وجوده، من حبه لاستمرار وجوده، يطبق تعليمات الصانع:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾

سورة فصلت الآية: 46 ]

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

فالتشريع لأن الإنسان مخير، ولأن الله أودع فيه الشهوات، وكان من الممكن أن يتحرك بهذه الشهوات مئة وثمانين درجة، لكن التشريع ألزمه أن يبقى في تسعين درجة.

الإسلام تنظيم و ليس حرماناً:

لذلك ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام تنظيم، التشريع يلخصه الله عز وجل فيقول:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 9 ]

هذا اسمه في البلاغة الإيجاز الغني، أقوم في صحتك، وأقوم في زواجك، وأقوم في تربية أولادك، وأقوم في كسب رزقك، أي المنهج الإلهي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، هذا هو التشريع،

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

يهديهم:

﴿ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 16 ]

الذي يطبق القرآن في سلامٍ مع نفسه، في سلامٍ مع من حوله، في سلامٍ مع من فوقه، في سلامٍ مع من تحته، في سلامٍ في حاضره، في سلامٍ في مستقبله، في سلامٍ في الدنيا، في سلامٍ في الآخرة، في سلامٍ في حله، في ترحاله، الله هو السلام.

التشريع ميزان على ميزان العقل وميزان الفطرة، وهو الضابط الذي يحدد ما إذا ضلّ العقل أو لم يضل، وما إذا انطمست الفكرة أو لم تنطمس، والتشريع الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فلذلك اعرض أعمالك على القرآن والسنة، فإن وافقت الكتاب والسنة فأنت على حق وأنت على الصواب، أما إذا أوصلك عقلك إلى شيءٍ يخالف الكتاب والسنة فاتهم عقلك.

الأستاذ معتز:

أثارني في كلامك نقطة عندما تحدثنا عن العقل والشرع، والفطرة والشرع، ولكن هنا أسأل: كيف يشهد الله عز وجل على أن هذا القرآن هو كلامه؟.

الحياة الطيبة هي شهادة الله للمؤمن أن هذا القرآن كلامه:

الدكتور راتب:

أولاً في القرآن وعد و وعيد مثلاً:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل الآية: 97 ]

الحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي من فعل الله، والحياة الطيبة هي شهادة الله لهذا المؤمن أن هذا القرآن كلامه، كيف؟ لو أنت واقف في ميناء بحري، ورأيت سفينة عملاقة تمخر عُباب البحر، وقال لك إنسان صغير الحجم: أنا آمر هذه السفينة، كيف؟ قال لي: انتظر، واتصل أمامك بهذه السفينة وقال: ارجعِ فرجعت، رجوعها يؤكد صدقه، مادام في القرآن وعد، مثلاً:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

حينما يتحقق الوعد يكون تحقيق الوعد شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه، يربي الصدقات الله عز وجل، كلما تصدقت أمدك الله بمالٍ جديد طيب.

وقوع الوعد والوعيد أقوى دليل على أن هذا القرآن كلام الله:

الآن:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه الآية: 124 ]

فالمعيشة الضنك التي يعيشها الشارد عن الله، والمعرض عن الله، هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلامه، أقوى دليل على أن هذا القرآن كلام الله وقوع الوعد والوعيد، وقال الله عز وجل:

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾

[ سورة يونس الآية: 39 ]

قال علماء التفسير: التأويل وقوع الوعد والوعيد، مثلاً:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 276 ]

ما تأويل هذه الآيات؟ هناك تأويل تقليدي، أن تفتح التفاسير، وتقرأ معاني هذه الآية في تأويل دقيق جداً، أنت حينما ترى مرابياً وقد دُمر ماله كله، تدمير مال المرابي تأويل هذه الآية،

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾

وحينما ترى محسناً نما ماله وازداد، نمو مال المحسن تأويل هذه الآية، فالتأويل وقوع الوعد والوعيد.

الإعجاز العلمي يُعد شهادة الله للإنسان أن هذا القرآن كلامه:

سؤالك دقيق جداً ـ جزاك الله خيراً ـ لابد من أن أضيف إلى أن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يُعد شهادة الله لهذا الإنسان أن هذا القرآن كلامه.

وأنا أتمنى أن يتعامل الإنسان في الدين مع الحقائق، مع الأدلة والبراهين، لأن الله عز و جل يقول:

﴿ فَاعْلَمْ ﴾

[ سورة محمد الآية: 19 ]

لم يقل فقل، قال:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد الآية: 19 ]

لا يقبل الله من الإنسان عقيدةً تقليداً إطلاقاً، لابد من أن تكون العقيدة مبنية على بحثٍ، ودرسٍ، وتدقيق.

الأستاذ معتز:

ما هي حقيقة منهج الله في القرآن؟ وما الآيات التي تحدثت عن ذلك؟.

حقيقة منهج الله في القرأن:

الدكتور راتب:

منهج الله عز وجل هذا القرآن الكريم، فيه وعدٌ ووعيد، فيه آمرٌ ونهي، فيه أمر بأداء الصلوات، وصوم رمضان، وحج البيت، وأداء الزكاة، هذه أوامر تعبدية، وهناك أمر بالصدق، إن الله يحب الصادقين، هناك أمر بالتفكر، أمر بالصبر، و أمر بالإحسان، فأنت إذا قرأت القرآن سوف تجد أن هناك أوامر لأداء عبادات شعائرية، وأن هناك أوامر لأداء عباداتٍ تعاملية.

لذلك العلماء قالوا: كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.

وأتمنى على كل أخٍ مشاهد أنه إذا قرأ القرآن أن يسجل بعض الملاحظات، هذا أمر، هذا نهي، فإذا نفذ أمر الله عز و جل وانتهى عما نهى الله عنه، فقد حقق الهدف من وجوده.

الأستاذ معتز:

ما جعلني أسأل هذا السؤال هو آيةٌ كريمةٌ قرأتها تقول: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الجاثية الآية: 21 ]

الآيات التالية تؤكد أن الله يطمئن عباده المؤمنين ويتوعد عباده الشاردين:

الدكتور راتب:

بارك الله بك على هذه الآية، أستاذ معتز، هذه الآية تملأ صدر الإنسان طمأنينةً، أي مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيلُ وألف ألفِ مستحيل أن تعصيه وتربح، وهذا شيء لا يتناقض مع عدل الله بل مع وجوده

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾

هؤلاء الذين تفلتوا، وأكلوا مالاً حراماً، واغتصبوا، وانتهكوا أعراض الناس، وأذلوا الناس، وابتزوا أموالهم، هؤلاء

﴿ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ﴾

هل يعقل أن يعاملوا كما يعامل الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟.

أنت أمام شابين، شاب مؤمن يتقي الله، رحيم، يؤدي عباداته، يتقن عمله، يأخذ المال الحلال مع شابٍ متفلت لا يعبأ بحرمةٍ ولا بحل، هذا المتفلت أيعامل كهذا الشاب المؤمن؟ مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل.

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة الجاثية الآية: 21 ]

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[ سورة السجدة الآية: 18 ]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية: 61 ]

شيء دقيق جداً، فكل هذه الآيات تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يطمئن عباده المؤمنين، ويتوعد عباده الشاردين.

الأستاذ معتز:

وماذا عن التشريع الأرضي وعلاقته بالشرع السماوي في كلمةٍ مختصرة؟.

التشريع الأرضي وعلاقته بالشرع السماوي:

الدكتور راتب:

والله التشريع الأرضي من صنع البشر، ولا يوجد قانون سنه البشر إلا عُدّل ثم عُدّل ثم عُدّل إلى أن ألغي، لكن التشريع السماوي تشريعٌ خالد، من عند الخبير، من عند العليم، من عند الحكيم، من عند الذي يعلم حقيقة النفس، ويعلم ما يسعدها، ويدلها على طريق سلامتها.

الأستاذ معتز:

وعن السنة النبوية الشريفة هل فيها تشريعٌ أيضاً؟.

السنة تشريع لأن أقوال النبي وأفعاله وإقراره تشريع:

الدكتور راتب:

السنة تشريع، لأن النبي مشرع، النبي له وظيفتان، أن يبين ما شرعه الله، وأن يشرع تشريعاً مستقلاً عن الله عز و جل، إذا قال الله عز و جل:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 92 ]

هذا تشريع، النبي عليه الصلاة والسلام بيّن لنا أنصبة الزكاة، بيّن لنا الصلوات الخمس، بيّن لنا أشياء كثيرة جداً، لو ذهبت تحصي ما جاء في تشريع النبي عليه الصلاة والسلام لأخذك العجب العجاب، لأن الله عز و جل يقول:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7 ]

أمر إلهي، هو القرآن فيه كل شيء، فيه أصول التشريعات، والنبي بيّن وفصل.

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

[ سورة النحل الآية: 44 ]

لكن النبي مشرع، النبي وحده وليس أحدٌ غير النبي مشرعاً، في كلامه تشريع لذلك قالوا: أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، أقواله وأفعاله وإقراره.

(( فأم العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنهم اقتسموا للمهاجرين قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا عثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين فوالله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي، قالت: فوالله ما أزكي بعده أحداً أبدا ))

[ أخرجه الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

لأنه لو سكت كان كلامها صحيحاً، أقواله تشريع، وأفعاله تشريع، وإقراره تشريع، والتشريع ما كان في الكتاب والسنة، لذلك:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم ]

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

الأستاذ معتز:

ما وظيفة هذا الشرع في السنة؟ إكمال الشرع الإلهي في القرآن الكريم؟.

الدكتور راتب:

لا تبيين فقط،

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

الأستاذ معتز:

جزاكم الله خيراً، وقد وصلنا الآن إلى المادة العلمية لهذا اليوم إن شاء الله.

الموضوع العلمي:

حنان الدلفين على صغاره :

الدكتور راتب:

الآن المادة العلمية حول حيوانٍ يعيش في البحر اسمه الدلفين، يُرى في الدلفين أجمل أمثلةٍ للتكافل بين الأم وصغيرها، تربي الأم صغارها لمواجهة كل الأخطار، تضطر أثناء هذه التربية إلى سلوكٍ قاسٍ غير مقصود لذاته، هذه الدلافين اليافعة تتسابق مع سفينة يقتربُ أحد هذه الدلافين من القاربِ كثيراً دون أن يشعر، من الممكن أن تجرحهُ مروحة القارب جرحاً عميقاً، لذلك تدرك الدلفينُ الأم خطر هذه اللعبة، وتأتي إلى صغيرها فوراً، وتدفع الصغير إلى قاع البحر، وترسل الأمُ الغاضبة موجات صوتٍ ذاتُ ذبذباتٍ عاليةٍ بأنفها إلى جسم الصغير، هذه الموجات تدل على غضبِ الأمِ، إضافةً إلى تألمِ الصغير قليلاً هو حزين جداً، تبدأ الأم بالسباحةِ مع صغيرها بعد هذا التوبيخ الشديد، وتمسحُ كما نرى برحمةٍ زعانفها بزعانف صغيرها، وهذا يعني المصافحة في لغة الدلافين، بهذا التصرف تُري صغيرها أنها ما زالت تحبهُ، وسعَ علم اللهِ كل كائن، وفي كل مكان، وقد قال الله عز و جل:

﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ﴾

[ سورة فصلت ]

الأستاذ معتز:

جزاكم الله خيراً، و أريد قبل أن أنهي الحلقة أن ندخل في نقطة أخيرة عن السنة و كتاب الله تعالى، من مقتضيات حفظ كتاب الله تعالى وحفظ سنتهِ.

تولي اللهُ عز وجل حفظ كتابه و سنة رسوله:

الدكتور راتب:

هذه نقطة دقيقة جداً، اللهُ عز وجل تولى حفظ كتابه:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

[ سورة الحجر ]

لكن لو صدر الآن قانون، وصدر مرسوم تشريعي في تفسير هذا القانون، القانون مثلاً عبارة عن ثلاث وعشرين مادة، والمرسوم التشريعي الذي يفسر هذا القانون عبارة عن ست وخمسين مادة، لو أننا حفظنا القانون وضيعنا التفسير، هل نكون قد حفظنا القانون؟ أبداً.

من لوازم حفظ القانون حفظ التشريع، فلذلك الشيء البديهي أن الله تولى بذاته العلية حفظ هذا القرآن.

ومن لوازم حفظه أنه تولى أيضاً حفظ سنته، كيف؟ عن طريق أنه ألهم ومكّن علماءً كباراً أعطاهم قدرات فائقة في نخل السنة، وتدقيقها، وفرز ضعيفها عن صحيحها، وموضوعها عن حسنها، وأصبحت العلوم في الحديث بالغةً درجةً عاليةً جداً، فعندك الآن كتب كثيرة، كتب الصحاح، كتب الأحاديث الحسنة، وهناك كتب الموضوعات والضعيفة.

فمن لوازم حفظ القرآن الكريم، أن الله تولى أيضاً حفظ سنة نبيه عليه أتمّ الصلاة وأتمّ التسليم، فيجب أن نطمئن إلى أن الله عز و جل تولى حفظ كتابه، في حين أنه لم يتولَ حفظ الكتب السابقة، لكن كلف الأنبياء أن يحفظوها بما اُستُحفظوا من كتاب الله، وأتباع الأنبياء لم يحفظوها، بينما كتابه تولى حفظه بنفسه، لأن معجزة النبي في كتابه، الأنبياء السابقون انفصلت معجزاتهم عن كتبهم، فسيدنا عيسى يحيي الموتى ومعه الإنجيل، سيدنا موسى يلقي عصاه فإذا هي ثعبان ٌمبين ومعه التوراة، لكن النبي معجزته في كتابه، ولأنه خاتم الكتب ولآخر الدوران فلابد من أن يحفظ الله كتابه بذاته، ومن لوازم حفظ كتابه أن يحفظ سنة نبيه.

الأستاذ معتز:

جزاكم الله خيراً، لقد أجبتموني عن جميع الأسئلة التي وردت إلى ذهني، ولكن إذا كان لديكم أي شيء تحبون أن تضيفونه في هذا التشريع.

الدكتور راتب:

هذا المنهج هو الصواب، وهو الضابط لميزاني العقل والفطرة، العقل ميزان والفطرة ميزان، لكن الضابط لميزاني العقل والفطرة هو الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.

خاتمة و توديع:

الأستاذ معتز:

جزاكم الله كل خير، مشاهدينا الكرام في نهاية هذه الحلقة لا يسعني إلا أن أشكر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، شكراً جزيلاً لكم، وعلى أمل اللقاء بكم إن شاء الله في حلقاتٍ قادمة، مشاهدينا الكرام نلتقي بكم في حلقةٍ قادمة.

والحمد لله رب العالمين

http://nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=5256&id=189&sid=799&ssid=811&sssid=1211