الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1428

»

المبدعون

»

05 - عبد الله بن المبارك (2)


طارق السويدان
أقوال العلماء في ابن المبارك

يقول عبد الرحمن بن مهدي : "ما رأت عيناي مثل أربعة، ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري - ولا أشد تقشفا من شعبة ، ولا أعقل من مالك , ولا أنصح للأمة من ابن المبارك " كان يحب الأمة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.

حب المسلمين يجري في دمه، حتى يؤثر عنه أنه قال: ""ياليت أن الله يجعلني فداء لأمة محمد ""

يقول سفيان الثوري وهو عالم الدنيا: "إني لأشتهي عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك فما أقدر أن أكون مثله ثلاثة أيام".

كان ابن المبارك يجاهد نفسه حتى يجلس اليوم الطويل لا يتحدث إلا بطاعة، وكان يقول: ""إن عليكم ملائكة يكتبون ما تتكلمون به "" فكان يحصي كلامه؛ ماذا يقول، وكيف ينطق؛ لأنه يخاف الله.

قال ابن عيينة : "نظرت في أمر الصحابة وأمر عبد الله بن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلا إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه عليه الصلاة والسلام".

وقال سويد بن سعيد : "رأيت ابن المبارك بـمكة فلما طاف وأتى زمزم -والناس ينظرون إليه- أخذ شربة بيده ثم استقبل القبلة وقال: ""اللهم إن ابن أبي الموالي -هذا راوي، يعرض السند على الله، لأنه يتعامل بالسند- حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن نبيك عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له " اللهم إني أشرب هذا لظمأ ذاك اليوم "".

، ابن المبارك لم يطلب علما لأنه عالم، ولا مالا ولا رزقا بل قال: ""اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم ""

قال نعيم بن حماد : ""كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء، لايجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه، كان إذا أقبل عليه سائل يرده في صدره "" يبكي لا يستطيع يتكلم وقالوا: كان إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على جهة.

قال أبو حاتم الرازي وهو يروي حديثا عن ابن المبارك عن أحد أهل العلم قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو؛ فلما التقى الصفان خرج من العدو رجل فدعا إلى -المبارزة- فخرج إليه رجل مسلم فقتله يعني الرومي قتل المسلم- ثم خرج رجل آخر فقتله الرومي، ثم خرج رجل مسلم فقتله الرومي الكافر، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، قال: فلما فتك هذا الرجل الرومي بالناس خرج ابن المبارك ملثما -وكان بطلا قويا شجاعا- فتبارز هو والرومي، فذبحه ابن المبارك ، ثم قتل في تلك المعركة سبعة، ودخل خيمته فقال قائد المعركة: التمسوا لي من هذا -وكان قد خمر وجهه حتى لا يعرف في المعركة- فذهبوا فوجدوه ابن المبارك ، قالوا: القائد يريدك ليعرفك قال: ""لكن الله يعرفني "" إذا عرفني الله انتهى الأمر.

وما مصلحة أن يعرفه القائد وما مصلحة الدعايات إذا برزوا في سبيل الله إذا عرفه الله فكفى.

توقيره للحديث ولآل البيت

وقال: جاء رجل من بني هاشم إلى عبد الله بن المبارك ليسمع منه، وأسرة بني هاشم أسرة النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يحدثه، يقول ابن المبارك : أنا لا أحدثك، فقال الشريف لغلامه: قم فإن أبا عبد الرحمن لا يرى أن يحدثنا، فلما قام ليركب فرسه، جاء ابن المبارك ليمسك بركاب الفرس، فقال: يا أبا عبد الرحمن تفعل هذا ولا ترى أن تحدثني قال: ""أذل لك بدني ولا أذل لك الحديث "" أنا أترجم لكم القصة.

يقول ابن المبارك : ""السيف الذي وقع بين الصحابة فتنة، ولا أقول أن أحدا منهم مفتون "" يقول: الذي وقع بين الصحابة في الجمل وصفين فتنة، لكن لا أقول لأحد منهم: مفتون؛ لأن الله عصم الصحابة في مجموعهم من الفتنة فليسوا بأهل فتنة رضي الله عنهم، بل كلهم -إن شاء الله- في الجنة، لكن أن نقول: أنهم مفتونون أو نخوض فيهم، فحذار حذار من هذا، وليس من السداد أن يتكلم الإنسان في أعراض الصحابة، أو يخوض فيما شجر بينهم فإن الله قد غفر لهم سيئاتهم، وتقبل منهم حسناتهم، أسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.

الأتقياء لا يأمنون من أربع

يقول ابن المبارك : ""إن البصراء -يعني: الأتقياء- لا يأمنون من أربع: ذنب قد مضى لا يدرى ما يصنع الله سبحانه وتعالى فيه "" فأنت خائف دائما من الذنب الماضي، لا تدري ماذا يصنع فيه، لأنه ليس عندك وثيقة أنه قد غفر لك ""وعمر قد بقي لا يدرى ما فيه من الهلكة "" لا تدري ما يأتي من الفتن، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قد يفاجأ العبد بفتنة تذهب عليه دينه، فعليه أن يعتصم بالله، وأن يخلص وأن يلتجئ إلى الله أن يعصمه من الفتن ""وفضل قد أعطيه العبد لعله مكر واستدراج "" بعض الناس يمكر به سبحانه وتعالى بمال أو بغنى أو بمنصب حتى يتلفه بهذا الشيء ويظن أنه خير، ولكنه قد يكون شرا وضلالة قد زينت وهو يراها هدى ""وزيغ قلب في ساعة "" فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر، ببدعة وهوى وارتكاب الشبهات والشهوات، هذا مما يزيغ به قلب العبد.

وكان ابن المبارك رحمه الله يعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السجود

يقول ابن المبارك : ""من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته "" وهذا كلام عجيب، يقول: من استخف بأهل العلم واستهزأ بهم ولم يتأدب معهم أذهب الله عليه آخرته؛ لأنهم خلفاء الأنبياء، ومن استهزأ بالسلطان وسخر منه ذهبت دنياه، يقول: احذروا السلطان واحذروا بطشه لأنه إذا قال فعل ""ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته "" فيصبح بلا أخ.

ويقول: ""الحبر في الثوب خلوق العلماء "" أي: الحبر في الثوب خضاب العلماء، ما أجمل الحبر في ثوب طلبة العلم وهو شرف لهم

وقد تفقه ابن المبارك بـأبي حنيفة وأحبه، وهو معدود في تلامذته، ولو أنه لا يوافقه في كثير من المسائل، لأن ابن المبارك محدث وعالم في الحديث، ومن ضمن ما اختلفوا فيه: أن أبا حنيفة صلى إماما وعلى ميمنته ابن المبارك ، فكبر أبو حنيفة فرفع ابن المبارك يديه، والأحناف لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الإحرام، أما ما بعدها من التكبيرات فلا يرون الرفع، وابن المبارك محدث يرى أن ترفع الأيدي مع التكبيرات الأربع، فكان أبو حنيفة لا يرفع يديه وكان ابن المبارك كلما قال أبو حنيفة : "الله أكبر" وهو إمام قال ابن المبارك : الله أكبر، ورفع يديه، فلما سلم قال أبو حنيفة : خشيت أن تطير من جانبي -أي: كأن له جناحين وكأنه طائر- قال ابن المبارك : لو أردت أن أطير لطرت في الأولى، أي أنا وإياك كبرنا سويا في تكبيرة الإحرام، لكن لم نطر والحمد الله، والصواب مع ابن المبارك .

وقد رأى الحسن البصري رجلا ينظر إلى موكب ظالم، قال: ""لا تنظر إليه، قال: وماذا يضر النظر قال: يقول الله: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار "هود:" "".

ابن المبارك عند الإمام مالك

وقال يحيى بن يحيى الليثي : ""كنا عند مالك بن أنس إمام دار الهجرة- فاستأذن لـعبد الله بن المبارك بالدخول فأذن له، فرأينا مالكا تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بجانبه "" كان مالك لا يتزحزح لأحد ولا يقوم، لكن لما أتى ابن المبارك ، تزحزح وأجلسه بجانبه، قال: ""وما رأيت مالكا يتزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك فربما مر بشيء فيسأل مالك ما مذهبكم في هذا أو ما عندكم في هذا فرأيت ابن المبارك يجاوبه بسكوت وصمت لا يسمعه إلا مالك "" هذا من الأدب، الناس جلوس أمام الإمام مالك : في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وابن المبارك بجانب مالك فكان مالك إذا مر به الحديث يقول: ""ما هو مذهبكم في هذه المسألة "" وابن المبارك عالم مثل مالك أو أكثر في الحديث، وذاك يمكن أن يكون أكثر في الاستنباط، فكان يدني رأسه ويكلم مالكا في أذنه حياء من الإمام مالك وأدبا،

وقالوا: سئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة فقال: ""إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا "" ما شاء الله ابن عيينة أكبر منه سنا، وابن المبارك أصغر، فسئل وابن عيينة جالس فقال: ""نهينا أن نتكلم عند أكابرنا ""

وفاة ابن المبارك وماله من المبشرات

لما احتضر ابن المبارك حضرته سكرات الموت وكان على فراش الانتقال إلى الله عز وجل، جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله، فأكثر عليه والسنة إذا لقنت المحتضر لا إله إلا الله ألا تعيدها عليه إلا إذا تكلم بكلام أو أغمي عليه فقل: قل لا إله إلا الله، أما أن تبقى عند رأسه وتقول: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله فلا، ويكفي مرة فإذا قال: لا إله إلا الله فاصبر لأن هذه هي السنة، لأنه في حشرجة وفي هول، وفي ساعة ما مر بالعالم مثلها، الساعة التي يذعن فيها الجبار، ويذل فيها المتكبر، ويضعف فيها القوي ويتوب فيها العاصي، ساعة أليمة سوف نمر بها جميعا، أسأل الله أن يسهلها علينا وعليكم.

فمن السنة ألا تضجره فإن أمامه هول وفزع وخوف ومشقة، يتذكر صحفه وعمره وسيئاته، ثم تلاحقه: قل لا إله إلا الله قل: لا إله إلا الله.

فأكثر عليه فقال له: ""لست تحسن -يقول ابن المبارك - وأخاف أن تؤذي مسلما بعدي، إذا لقنتني فقل: لا إله إلا الله ثم إذا لم أحدث كلاما بعدها فدعني، فإذا أحدثت كلاما فلقني حتى تكون آخر كلامي من الدنيا "" هذه السنة، علمه السنة وهو في سكرات الموت

المصدر: http://www.alresalah.net/morenews.htm?id=264_0_2_0