الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1434

»

تاريخنا في الميزان

»

24 - العالم العامل


طارق السويدان
حتى يستحق العلماء لقب ورثة الأنبياء ما هو الدور المأمول منهم ؟

وما هي درجة تمكنهم العلمي واجتهادهم ؟

وما هي صفاتهم ووسائلهم ؟

وهل حقا احدثوا فرقا هاما عبر تاريخنا الإسلامي ؟

وكيف تعامل الشيخ المنذر بن سعيد مع الخليفة عبدالرحمن الناصر ورجاء بن حيوة مع الخليفة عمر بن عبيد العزيز ؟

ولماذا بقيت في الذاكرة مواقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام؟



المقدمة

العلماء ورثة الأنبياء مفتاح لفهم دور العالم العامل، فالعالم العامل هو من انشغل بجوانب من العلم أو المعرفة وتمرس فيها، وهو يعمل بما علم من خلال مساهمته في صناعة الوعي في المجتمع.



أهمية العالم العامل:

1. هم ورثة الأنبياء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن العلماء ورثة الأنبياء ، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر ) أخرجه الترمذي

العلماء الذين تركوا أثراً هم الذين لم ينعزلوا في بيوتهم ، أو في حلقاتهم الضيقة ، وإنما اهتموا بقضايا الناس وأصلوا لها وعملوا من أجلها.



2. البلاغ والبيان

العلماء يحملون مسؤولية البلاغ للناس والإصلاح العملي .

قال تعالى :( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينفرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيِتَفَقَّهُوا فِي الدّيِنِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ]

بنى الخليفة عبد الرحمن الناصر الزهراء وأنفق من أموال الدولة في تشييدها وزخرفتها ما أنفق, وهي في حقيقة حالها مجموعة من القصور الفاخرة، وكان يشرف بنفسه على شؤون البناء والزخرفة،

ولما كان يوم الجمعة اعتلى منذر بن سعيد منبر الخطبة، والخليفة حاضر، والمسجد غاصّ بالمصلين، وابتدأ خطبته

فقرأ قوله تعالى: {أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * واذا بطشتم بطشتم جبّارين * فاتقوا الله واطيعون *واتقوا الذي أمدّكم بما تعلمون * أمدّكم بأنعام وبنين * وجنّات وعيون * اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}ثم مضى في ذم الاسراف على البناء بكل كلام جزل وقول شديد, ثم تلا قوله تعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هاو فانهار به في نار جهنّم, والله لا يهدي القوم الظالمين}وراح يحذر وينذر ويحاسب، حتى ادكر من حضر من الناس وخشعوا،

وأخذ الناصر من ذلك بأوفر نصيب، وقد علم أنه المقصود به، فبكى وندم على تفريطه، ، غير أن الخليفة لم يحتمل صدره لشدة ما سمع وعندما أراد ولد الناصر إزالة الجفوة بين الشيخ والخليفة ,

أرسل للمنذر في قصر الخليفة فدخل منذر بن سعيد ناكسا رأسه, فلما أخذ مجلسه أقبلت دموع المنذر تنحدر على لحيته لسوء ما رأى، وقال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ, ولا أن تمكنه من قيادتك هذا التمكن، مع ما آتاك الله وفضلك به على المسلمين حتى ينزلك منازل الكافرين.

فاقشعر الخليفة من قوله، وقال له: انظر ما تقول، كيف أنزلني الله منازلهم؟!

فقال: نعم, أليس الله يقول: {لولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقف من فضة ومعارج عليها يظهرون}.فوجم الخليفة ونكس رأسه مليا, وجعلا دموعه تنحدر على لحيته،

ثم أقبل على المنذر وقال له: جزاك الله [عني] وعن الدين خيرا, فالذي قلت هو الحق.ثم قام من مجلسه, وأمر بنقض سقف القبة، وأعاده أميرها ترابا على صفة غيرها.



3. المرجع عند الفتن

ـ وجوب البيان والنصح للأمة على أهل العلم ليتأكد في أزمنة الفتن وأيام المحن التي يلتبس فيها الحق بالباطل.

ـ اطمئنان الناس لدين العالم وبالتالي لحكمه وموقفه في الفتنة

ـ النظر في عواقب الأمر، فبعد أن أصبح عماد الدين زنكى قائداً عسكريا ، حدث تغير كبير في مجرى الأحداث في منطقة الشام الملتهبة حيث توفى أمير الموصل عز الدين مسعود، وحاول بعض المنتفعين توليه ولده الصغير مكانه حتى يستطيعوا الحكم دونه دون أن يهتموا بمصير الأمة والمخاطر التي تحيط بها ودون ان يتمعنوا بعاقبة الأمور، ولكن قاضى الموصل العالم بهاء الدين الشهرزورى أسرع إلى السلطان محمود وطلب منه تعيين أمير قوى وكفء للموصل التي على حدود الشام حيث الوجود الصليبى الكثيف في سواحل الشام منذ ثلاثين سنة والذي أسفر عن قيام أربع ممالك صليبية أنطاكية ـ الرها ـ طرابلس ـ بيت المقدس في الشام هذا غير سيطرة الصليبين علي أغلب بلاد الشام، وبعد إمعان نظر عميق قرر السلطان محمود أن يسند ولاية الموصل وأعمالها إلى عماد الدين زنكى، الذي لم يجد السلطان محمود أفضل منه لهذه المهمة، ، وكان هذا الموقف من القاضي إيذاناً بعهد جديد في الصراع ضد الصليبيين وفاتحة خير على الأمة كلها.



4. إحياء الدين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنَّ اللَّهَ يبعثُ لهذهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ من يجدِّدُ لها دينَها)ابن حجر العسقلاني، مشكاة المصابيح

فتجديد الدين لا تتم دون معايشة الواقع ومعرفة المقاصد الشرعية والنظر العميق في النصوص وفي احوال الناس.

روى رجاء بن حيوة فقال: لما ثقل سليمان بن عبد الملك دخلت عليه فقال لي سليمان: يا رجاء من ترى لهذا الأمر وإلى من ترى أن أعهد؟

قلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله فإنك قادم على الله، وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه

قال: فمن ترى؟ فقلت: عمر بن عبد العزيز

قال: كيف أصنع بعهد أمير المؤمنين عبد الملك إلى الوليد وإلي في ابني عاتكة أيهما بقي؟

قلت: تجعلهما من بعده

قال: أصبت ووفقت جئني بصحيفة فأتيته بصحيفة فكتب عهد عمر ويزيد من بعده وختمها، ثم دعوت رجالاً فدخلوا عليه فقال لهم: إني قد عهدت عهدي في هذه الصحيفة ودفعتها إلى رجاء وأمرته أمري وهو في الصحيفة اشهدوا واختموا الصحيفة؛ فختموا عليها وخرجوا فلم يلبث سليمان أن مات؛ فكففت النساء عن الصياح وخرجت إلى الناس

فقلت: ألستم تعلمون أن هذا عهد أمير المؤمنين وتشهدون عليه؟

قالوا: بلى

قلت: أفترضون به؟

قال هشام: إن كان فيه رجل من ولد عبد الملك وإلا فلا،

قلت: فإن فيه رجل من ولد عبد الملك

قال: فنعم إذا،

فخرجت فقرأت الكتاب والناس مجتمعون، فكان تجديدا للدين بولاية عمر بن عبدالعزيز.



مواصفات العالم العامل

1. عمق العلم الشرعي

وهذا يتطلب طلب العمل الشرعي بطرقه المنهجية الصحيحة وإخلاص النوايا لله



2. عمق فهم الواقع

دور العالم يتعدى أن يصبح فقط مرجعاً فقط في قضايا الأحوال الشخصية والميراث ، وسَرْد قصص التاريخ والقليل من حكايات الصالحين ، بل يتحدث في السياسة والاقتصاد ويبين حكم الله في مستجداتها، ويتحدث عن الحرية والعدالة والمساواة كما جاءت في الدين الحق ولا يخشى في الله لومة لائم.

يُروى أن خلافا كبيرا نشأ بين الأخوين: سلطان الشام الملك الصالح إسماعيل، وسلطان مصر الملك الصالح نجم الدين أيوب . وكان من نتيجته أن استعان الملك إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا،وكذلك قلعة صفد وغيرها بل سمح للصليبيين أن يدخلوا دمشق ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب وما يريدون ! فأثار هذا الصنيعُ المنكر استياءَ علماء الإسلام فقام سلطانُ العلماء العزُّ بن عبد السلام وأنكر على السلطان فعلَه ذلك وأفتى المسلمين بتحريم بيعِ النصارى السلاح . فسُجن بسبب ذلك



3. الجرأة في الحق

عن مالك بن أنس: قال بعث إلي أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس ، فإذا به جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع (النطع قطعة الجلد التي توضع تحت من يجلد أو يقتل) قد بسطت، والشرطة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا، فأطرق عنا قليلاً ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاووس

فقال له حدثني عن أبيك،

قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله : "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل عليه الجور في عدله.

قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه، ثم التفت إليه أبو جعفر

فقال: عظني.

قال: نعم، إن الله عزوجل يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد. (الفجر: 6-14).

قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأها من دمه، فأمسك ساعة حتى اسودَّ ما بيننا وبينه.

ثم قال: يا ابن طاووس، ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه.

فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟

قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها.

فلما سمع ذلك قال: قوما عني.

فقال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي،

قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله.



4. لا يعيش لنفسه

هناك من العلماء وعلى صلاحهم وصلاح أفكارهم إلا أنهم لا يساهمون في صناعة وعي المجتمع أو المشاركة فيه. فهؤلاء لا يجلسون في مجالس العامة ولا يخالطونهم بل لهم أبراجهم العاجية وعزلتهم العلمية التي لا يزعجهم فيها أحد ولا يهتمون بهموم الأمة والعامة.

استدعى المندوب السامي الفرنسي الشيخ عبد الحميد الجزائري

وقال له: إما أن تُقلِع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار، وإلا أرسلت جنودًا لإغلاق المسجد الذي تبث فيه السموم ضدنا، وإخماد أصواتكم المنكرة،

فأجاب الشيخ: أيها الحاكم، إنك لن تستطيع إخماد أصواتنا مهما فعلتَ،

فاستشاط غضبًا، وقال: كيف لا أستطيع؟

فقال له: إذا كنتُ في عرس علَّمت أحد الحاضرين، وإذا كنتُ في عزاء وعظتُ أحد المعزِّين، وإذا جلستُ في قطار كلَّمت أحد المسافرين، وإن دخلتُ السجن أرشدتُ أحد المسجونين، وإن قتلتموني التهبتْ مشاعر المواطنين، وخير لكم - أيها الحاكم - أن لا تتعرَّضوا لهذه الأمة في دينها ولغتها.



دور العالم العامل:

1. مرجع في القضايا الكبرى

جاء في سير أعلام النبلاء :قال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان حتى نشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائله فكفوا ،وكان أهل حمص ينتقصون عليا حتى نشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائل علي فكفوا عن ذلك.



2. توجيه القادة نحو الحق

يقول الشيخ الغزالي : "وإذا لم يسمع صوت الدين في معركة الحرية فمتى يُسمع؟!، وإذا لم ينطلق سهمه إلى صدور الطغاة فلمن أُعده إذن؟!".



3. قدوة للناس والعلماء

دخل جبار الشام إبراهيم باشا بن محمد علي حاكم مصر المسجد الأموي في وقتٍ كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسًا في المصلين. ومرَّ إبراهيم باشا من جانب الشيخ، وكان مادًّا رجله فلم يحركها، ولم يبدِّل جلسته. فاستاء إبراهيم باشا، واغتاظ غيظًا شديدًا، وخرج من المسجد، وقد أضمر في نفسه شرًّا بالشيخ.وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون يزينون له الفتك بالشيخ فأمر بإحضار الشيخ مكبلا بالسلاسل.وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ، حتى عاد إبراهيم باشا فغيَّر رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل.وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قَبِله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه، ويسقط هيبته في نفوس المسلمين،.وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية، وهو مبلغ كبير في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من الجميع.وانطلق الوزير بالمال ، واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه، وقال للشيخ بصوت عالٍ: هذه ألف ليرة ذهبية، يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك.فَنَظَر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير، وقال له بهدوء وسكينة: يا بُنَيّ، عُدْ بنقود سيدك وردها إليه، وقُلْ له: إن الذي يمدُّ رجله، لا يمد يده.



4. مساندة القرارات الصائبة

أردا سيف الإسلام قطز – رحمه الله- أن يأخذ من أموال الرعية، ما يكفي لقتال التتار، ودفعهم عن بلاد المسلمين ،فاستشار العلماء في ذلك الأمر ،وعلى رأسهم الشّيخ العز بن عبد السلام– رحمه الله- ،

فكان خُلاصة قول الشيخ : إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كّلهم قتالُهم ، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهادهم ، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء ، وأن تبيعوا ما لكم ، ويقتصر كلٌّ منكم على فرسه وسلاحه ، وتتساووا في ذلك مع العامة وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجنْد من الأموال، والآلات الفاخرة فلا .



ميزان الحلقة:

من عاش لنفسه عاش صغيرا ومات صغيرا ومن عاش للناس عاش كبيرا ومات كبيرا.

http://www.suwaidan.com/node/6615