الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1434

»

تاريخنا في الميزان

»

19 - هل التاريخ مؤامرةٌ كبرى؟


طارق السويدان
من أفضل وسائل التهرب من المسؤولية ادعاء وجود المؤامرات الكبرى التي يعجز الانسان عن مواجهة تخطيطها المحكم .. فهل هذه هي الحقيقة ؟ أم أن سنة التدافع البشري تكذب هذه النظرية؟

ما هو السر في تهويل وتضخيم إمكانات الماسونية العالمية؟

وهل كان أتاتورك متآمرا عميلا أم شخصية سياسية لها أخطاءها ؟



المقدمة

مع مستجدات بحجم الربيع العربي ظهرت صورة شهيرة في الانترنت اعتبرها البعض وكأنها دليل على وجود مؤامرة محبوكة ومعدة مسبقا كسيناريو مدروس تجاه الوطن العربي ضمن نظرية الفوضى الخلاقة

هل المؤامرات موجودة؟

ينقسم الناس تجاه هذا السؤال إلى 3 توجهات:

الأول : يرى أن كل ما يحدث في العالم إنما هو نتيجة تخطيط مسبق ومتقن تتوفر له إمكانيات عسكرية وتقنية وسياسية واستخباراتية الأمر الذي تجعل محاولة التصدي له ضرب من العبث واللهو وأن الأحداث التي تسير من سيئ إلى أسوأ وعدم ظهور أي بارقة أمل بالخلاص من الفقر والبطالة لأدلة مؤكدة على قوة المؤامرة وصعوبة مواجهتها خاصة في ظل أنظمة يعتبرها هذا الفريق جزء من المؤامرة باعتبارها مندوب سامي وضع في السلطة لإكمال المخطط التآمري الرهيب، ويمكن أن نستدل بتوجه هذا الفريق من خلال نظرنه لبعض الجماعات السرية مثل الماسونية

و الماسونية : الماسونية أو (بالإنكليزية: Freemasons أي "البناؤون الأحرار"). هي عبارة عن منظمة أخوية عالمية يتشارك أفرادها عقائد وأفكار واحدة فيما يخص الأخلاق ا وتفسير الكون والحياة وهي منظمة سرية وغامضة وبالذات في شعائرها في بدايات تأسيسها مما جعلها محط كثير من الأخبار والشائعات، لذلك يتهم البعض الماسونية بأنها "من محاربي الفكر الديني" و"ناشري الفكر العلماني".

هناك الكثير من نظريات المؤامرة حول الماسونية، حيث يعتقد البعض أن في هذا رمزاً إلى مهندس الكون الأعظم. ومنهم من ينسبهم إلى حيرام أبي المعماري الذي أشرف على بناء هيكل سليمان. ومنهم من ينسبهم إلى فرسان فرسان الهيكل الذين شاركوا الحروب الصليبية.. كما يرى بعضهم إنه إحياء للديانة الفرعونية المصرية القديمة.

لكن من المهم مثلا معرفة الموقف الشرعي الذي جاء في بيان المجمع الفقهي التابع لـ رابطة العالم الإسلامي بياناً مما جاء فيه:وقد تبين للمجمع بصورة لا تقبل الريب من مجموع ما اطلع عليه من كتابات ونصوص ما يلي:

ـ إن الماسونية ذات أهداف سياسية ولها في معظم الانقلابات السياسية والعسكرية ضلع وأصابع ظاهرة أو خفية.

ـ إن الماسونية في أصلها وأساس تنظيمها يهودية الجذور ويهودية الإدارة العليا والعالمية السرية، وصهيونية النشاط.

ـ إن الماسونية في أهدافها الحقيقية السرية ضد الأديان جميعها لتهديمها بصورة عامة وتهديم الإسلام بصفة خاصة.

ـ إن الماسونية تحرص على اختيار المنتسبين إليها من ذوي المكانة التي يمكن أن تستغل نفوذاً لأصحابها في مجتمعاتهم، ، ولذلك تحرص كل الحرص على ضم الملوك والرؤساء وكبار موظفي الدولة ونحوهم.

ـ إن الماسونية ذات فروع تأخذ أسماءً أخرى تمويهاً وتحويلاً للأنظار من أبرزها منظمة الروتاري والليونز. إلى غير ذلك من المبادئ والنشاطات الخبيثة التي تتنافى كلياً مع قواعد الإسلام وتناقضه مناقضة كلية.

وفي 28 نوفمبر عام 1984 م أصدر الأزهر فتوى كان نصها: «أن المسلم لا يمكن أن يكون ماسونياً لأن ارتباطه بالماسونية انسلاخ تدريجي عن شعائر دينه ينتهي بصاحبه إلى الارتداد التام عن دين الله»

يعتبر البعض من المؤمنين بـنظرية المؤامرة أن المنظمة في حقيقتها عبارة عن منظمة عملاقة هدفها الرئيسي هو الهيمنة على العالم عن طريق السيطرة على وسائل الإعلام والاقتصاد العالمي .

في عام 1979م أصدرت جامعة الدول العربية القرار رقم 2309 والتي نصت على اعتبار الحركة الماسونية حركة صهيونية لأنها تعمل بإيحاء منها لتدعيم أباطيل الصهيونية وأهدافها كما أنها تساعد على تدفق الأموال على إسرائيل من أعضائها الأمر الذي يدعم اقتصادها ومجهودها الحربي ضد الدول العربية حسب بيان الجامعة.



الفريق الثاني : وهو على عكس الفريق الأول فريق لا يرى بالمؤامرة ويعتبر أن ذلك تبرير للعجز وإلقاء للوم على الآخرين ، وأن الأنظمة العربية تسوق لهذا الفكر حتى تبرر لشعوبها ضعف التنمية التخلف والفقر بسبب مؤامرات الأعداء الخارجية الأمر الذي تتخذه ذريعة لأي حركة إصلاحية بداعي أنها تتآمر مع جهات خارجية على الوطن ومقدراته ،وهذا فرعون يصف الدعوة الإصلاحية لموسى عليه السلام بالمؤامرة (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) الأعراف:123 ففرعون بهذا التبرير عجز عن مواجهة حجج موسى عليه السلام فادعى وجود مؤامرة عليه ،وبالتالي هذا الفريق لا يؤمن بوجود المؤامرة وأن الموضوع هو تخطيط منظم وحرص على المصالح الوطنية وهذا لا يلام عليه الآخرون.



الفريق الثالث : هو الذي يعتقد بوجود المؤامرة لكن ليس بالمبالغة التي يصفها الفريق الثاني بحيث أن المؤامرة يمكن مواجهتها بسنة التدافع البشري، كما يرى هذا الفريق أن المؤامرة لا تتم بالضرورة من خلال تخطيط مسبق ومحكم بل من خلال أدوات اخرى أقرب للواقع ومنها :

1. استثمار الحدث : فعند وقوع حدث سياسي أو عسكري تحاول الدول الكبرى قراءته في ضوء مصالحها الوطنية الكبرى والعمل سياسيا ومن خلال الضغوط الدبلوماسية على توجيهه نحو غاياتها .

2. التوظيف : فهناك مراكز دراسات وبحوث فكرية وسياسية في الدول الغربية تساعد صانع القرار السياسي على توظيف مجموعات وأحزاب من الدول لتحقيق المصالح الغربية ، وقد يحدث هذا التوظيف بغفلة من تلك الأحزاب التي ربما تعتقد أنها تنفذ أجندة وطنية خالصة ، وهذا لا يمنع في بعض الأحيان من التقاء وتقاطع مع مصالح الغرب مع تك الأحزاب فهذا توظيف لصالح الطرفين ، مثلما حدث في حرب الأحزاب الأفغانية ضد الروس بدعم من امريكا لتحقيق مصالح مشتركة.

3. التواطؤ : وهو التوظيف الذي يقبل صاحبه أن يحقق مصالح الطرف الآخر مع تعارض تلك المصالح مع المصلحة الوطنية لقاء مصالح ذاتية وأجندة شخصية ، ويبرز مثل تلك الأمثلة كثيرا في حال وصول الإسلاميين إلى الحكم حيث تسعى النخبة العلمانية المتغربة بعد أن رفضتها صناديق الانتخابات إلى تحريض الغرب و الجيش إلى التدخل في الشئون الداخلية للبلد لإسقاط الإسلاميين بدعوى الخوف على الديمقراطية التي هم اول من كفر بها بعد أن رفضتهم الجماهير ورفضت مشروعهم التغريبي،كما يمكن أن نتحقق من ذلك من خلال آلاف الوثائف التي أظهرتها ويكيليكس!!



لماذا نعتقد بالمؤامرات

هناك أسباب عديدة وراء الإيمان بالمؤامرة أو نظرية المؤامرة:

1. السبب الرئيسي: هو نوع من الثقافة المحلية - الفلكلور- في المحاولة لتفسير بعض الأحداث الغامضة التي لا يعرف سببها بشكل واضح.وتنشأ عادة كنوع من التحليل لبعض الغموض الذي يرتبط بقضية ما وغالباً ما يتم ربطه بعوامل مفقودة.فهو نوع من التبرير للنقص الداخلي من خلال تحميل أسباب المشاكل لجهات خارجية مجهولة أو معلومة تدير التاريخ بحنكة وتخطيط بدون دليل.مثال: الأمة العربية بسبب أنها ترى نفسها أمة عظيمة وكانت لها السيادة الكبرى للعالم ثم تفاجأت بسقوطها ووتنحيها عن هذا العرش، وتلاحقت عليها أسباب الوهن والضعف الداخلي فصار لدى أبنائها ثقافة رمي أسباب التدهور والتخلف إلى الأجنبي الخارجي.. :: فنحن لا نستطيع النهوض والتحضر لأن أمريكا تحيك بنا المؤامرات حتى لا نستطيع أن نصلح حالنا، بينما الهند انصلح حاله، والصين، وتركيا حديثا فأين المؤامرة.

2. التضخيم الإعلامي السياسي: أحياناً يكون الإيمان بنظرية المؤامرة وراء التضخيم الإعلامي لمؤسسة سياسية أو دولة معينة حتى يشعر الناس أن لهذه المؤسسة من القوة بحيث تستطيع أن تتحكم بالقلم الذي يكتب التاريخ.



المؤامرة علي هوية الأمة

مصطفى كمال أتاتورك

ومن ذلك في تاريخنا المعاصر "أتاتورك" الذي قيل عنه أنه من يهود الدونمه، وأنه عميل صهيوني يهودي تحالف مع الإنجليز في خطة ليعظم صيته فظهر على أنه هزم أسطول بحري لهم، فارتفع اسمه وعلا في ربوع السلطنة. وغيرها من تحليلات "نظرية المؤامرة".

بينما الواقع المباشر يقول أن"أتاتورك" شاب تركي من أسرة مسلمة دخل في بداية حياته مدرسة دينية ثم خرج منها، وبدأ ينشر أفكار إصلاحية ضد السلطنة، وحينها رمي بكل تلك التهم وعندما أعلن إنهاء الخلافة جعل المحللون السبب الأول في سقوط الخلافة هو أتاتورك وحركته وانتماؤهم الماسوني دون النظر إلى أن الخلافة كانت في الأصل ميتة وتحتضر.

ومع كل أخطاء أتاتورك المشينة ضد الإسلام والتي تغطي على ما يمكن أن يكون له من محاسن إلا أن له محاسن لا يذكرها المؤرخون الإسلاميون أبداً لسيطرة المؤامرة عليهم،

منها الحفاظ على بلد شرقي بقوميته العريقة من التفكك والدخول تحت سطوة الاستعمار،

ومنها بناء صرح الديمقراطية وتأسيس المجالس النيابية والحكومات المنتخبة، تطوير التعليم والمؤسسات، وغيرها كثير، وهذا ليس دفاعا عن اتاتوك ولكن دفاعا عن المنهج الصحيح والمتوازن في عرض التاريخ



ومع هذا الانصاف نذكر أيضا ما جنت يداه على هوية تركيا الإسلامية :

ـ أغفل الدستور في عام 1347هـ 1928م أن تكون تركيا دولة إسلامية

ـ في عام 1342هـ تم إلغاء الخلافة الإسلامية التي كان المسلمون ينضوون تحت لوائها .

ـ أهمل التعليم الديني ثم أُلغي وأغلقت كلية الشريعة في جامعة استنبول في عام 1352هـ 1933م .

ـ اعترفت الحكومة التركية بدولة اليهود في فلسطين برغم رفض الشعب التركي لذلك .

ـ فرض التعليم المختلط بين الذكور الإناث .

ـ إلغاء المحاكم الشرعية والعمل بالدستور المدني السويسري والقانون الجنائي الايطالي والقانون التجاري الألماني .

ـ حول مسجد آيا صوفيا إلى متحف وحول مسجد محمد الفاتح إلى مستودع .

ـ حدد عدد المساجد ولم يسمح بغير مسجد واحد في كل دائرة من الأرض يبلغ محيطها 500متر .

ـ أُلغيَ حجاب المرأة وأمرت بالسفور وألغيت قوامة الرجل .

ـ فُرض الأحرف اللاتينية بدل من الأحرف العربية .

ـ منع الأذان باللغة العربية .



ميزان الحلقة

قال تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال/30

http://www.suwaidan.com/node/6610