الحقوق محفوظة لأصحابها

طارق السويدان
ما الذي ميز الفتوحات الإسلامية لتحقق هذا الانتشار الجغرافي الواسع في سنوات قليلة ؟

وما هي مزايا العرب التي أهلتهم للقيام بهذا الدور الحضاري الذي أذهل العالم ؟

وكيف يتصرف عبدالله بن الزبير عندما يرى جيش الأعداء كبير العدد؟

المقدمه

الفتوحات الإسلامية ليست مجرد حركة عسكرية لتغيير الخريطة السياسية للعالم ، بل هي انطلاقة حضارية كبرى لإعادة البشرية إلى الطرق القويم في ظل منهج رباني يصلح من حال البشرية، والفتوحات الإسلامية هي الحروب والمعارك التي خاضتها الأمة الإسلامية في عهود الخلافة المختلفة عبر التاريخ للقيام بواجب الدعوة لتبليغ دين الله ورسالة الإسلام للبشرية ولإقامة العدل الرحمة والتسامح في المجتمعات البشرية بهدي من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.



وأهداف الفتوحات الإسلامية هي

1. كسر شوكة السلطات الطاغية والمتجبرة،

2. حرب وقائية لحماية الدولة الإسلامية ورد الظلم والبغي والعدوان عن الدين والوطن

3. تحرير للشعوب المستضعفة وإزالة عوائق الحرية العقلية.



أمة مختارة

لكن السؤال هل نجحت تلك الفتوحات لهذه المساحة الجغرافية الشاسعة من العالم وخلال فترة زمنية قصيرة لمجرد أن المسلمين اخلصوا النية وآمنوا إيماناً عميقا بهذا الدين وبذلوا الغالي والنفيس لتقديم المنهج والأرواح لتحقيق منهجه على الأرض.

أم ان هذه الأمة اختارها الله ولوجود مزايا لا تخطئها العين للقيام بواجب نشر هذا الدين ورسالته العظيمة .

وسنخصص هذه الحلقة لإبراز ما تتمتع به هذه الأمة من مزايا عقلية ونفسية ومادية جعلتها مؤهلة لاختيار الله لها كأمة نحمل المنهج الراني والرسالة الخاتمة للبشرية.



المزايا الشخصية

‌أ. رقة الإحساس

وتظهر رقة الاحساس مثلا في المعلقات السبع حيث عادة ما يبدأ بالحديث عن الأطلال ومفارقة الديار والحنين لها حيث يقضي العربي حياته متنقِّلاً هنا وهناك، ما أن يستقر ويضرب أوتاده خيامه في الأرض حتى يقتلعها،ويحزم أمتعته استعداداً لرحلة جديدة ، وفي كل مرة يترك قلباً متفجراً بالأسى والذكريات،وهو الذي يعيش على الفطرة والعفوية بعيدا عن التكلّف والمدنيّة.



ب. قوة الذاكرة

كانوا أحفظ شعب عرف في ذلك الزمن نظرا لبساطة الحياة وامتداد الصحراء والأفق أمامهم.

واتساع لغتهم دليل على قوة حفظهم وذاكرتهم ، فإذا كان للعسل ثمانون اسمًا وللثعلب مائتان وللأسد خمسمائة، ولا شك أن استيعاب هذه الأسماء يحتاج إلى ذاكرة قوية حاضرة وقَّادة.

وكانوا يحفظون القصائد الطوال بمجرد سماعها لأول مرة، وكان أحدهم يرتجل القصيدة الطويلة بدون سابق إعداد لها.

وهذا كان له أثره الكبير في حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية التي وصلت بروايات مختلفة يسند بعضها البعض والسيرة المطهرة التي وصلت لنا بتفاصيل شديدة بالأسماء والأيام والمواقع والأشخاص والتواريخ .

حتى كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : (سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل) .



ج. قوة المنطق

كانت قلوبهم صافية , ولهم عقول راجحة ومنطق حكيم

وكان من أمر فطنتهم أنهم يستخدمون الإشارة فضلا عن العبارة، ولهم من الحيل التي تدل عل واسع ذكائهم وحسن تصرفهم ومنطقهم .

وهذه القوة في المنطق ساعدتهم على تلقي المنهج الإسلامي الذي ينسجم مع فطرة الانسان ويحترم العقول السوية ويدعو لأحياء التفكير والتأمل قال تعالى : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} سورة البقرة: 111

لذا نجد منهم عبارات هي من درر الحكمة حتى اشتهرت بينهم التواقيع وهي الجمل البليغة في الكلمات القليلة مثل توقيع أبي بكر في رسالته لخالد بن والوليد: "ادن من الموت توهب لك الحياة"



هـ. تقدير الجمال

لذلك تجد العربي يبرع ويتميز في فن الوصف وتقدير الجمال.

وكان الإعرابي يقدر جمال المرأة ويجمع تقديره لهذا الجمال مع فخره بأفضل صفاته وهي الشجاعة

ومن معلقة عنترة يقول:

هلا سألت الخـيل يا ابنـة مالـك إن كنت جاهـــــلة بما لـم تعـــلمـي

يخبرك من شهد الوقيعـة أننـي أغشى الوغى وأعف عند المغنمي

ولقد ذكرتـك والرمـاح نواهــل مني وبـــيض الهند تقـطر من دمي

وهذا التقدير للجمال جعلهم مع قوة لغتهم العربية إلى الانبهار بجمال القرآن حتى أن صناديد كفار قريش كانوا يتسللون ليالي كثيرة للاستماع إلى القرآن الكريم من النبي وهو قائم يصلي بالليل.

وتجاوز إحساس الجمال فيهم إلى ابتكار فنون خاصة بالحضارة الإسلامية مثل فن الخط العربي وجمالياته الرائعة وأنواع المختلفة بالإضافة إلى إجادتهم تشكيل الرسوم الهندسية وزخرفة المساجد التجريدية كبديل رائع لصور المجسمات وصور ألأشخاص في الحضارات السابقة فتميز المسلمون بالعمارة ووضع كل لإقليم إسلامي بصمته وهويته ضمن وحدة الهوية الجامعة.



القوة الممادية

‌أ. الصبر والتحمل

واشتهروا بقوة أجسادهم مع عظمة النفس وقوة الروح، وإذا اجتمعت البطولة النفسية إلى البطولة الجسمانية صنعتا العجائب،

وهذا ما حدث بعد دخولهم في الإسلام. كما كانوا ينازلون أقرانهم وخصومهم، حتى إذا تمكنوا منهم عفوا عنهم وتركوهم، يأبون أن يجهزوا على الجرحى .

وكانت لهم قدرة عجيبة على تحمل المكاره والصبر في الشدائد، وربما اكتسبوا ذلك من طبيعة بلادهم الصحراوية الجافة ، فألفوا اقتحام الجبال الوعرة، والسير في حر الظهيرة، ولم يتأثروا بالجوع، ولا الظمأ، ولما دخلوا الإسلام ضربوا أمثلة رائعة في الصبر، والتحمل وكانوا يرضون باليسير، فكان الواحد منهم يسير الأيام مكتفيا بتمرات يقيم بها صلبه، وقطرات من ماء يرطب بها كبده.

وهذا الصبر وقوة التحمل من الأسباب الهامة لانتصارهم على عدوهم في معاركهم وجهادهم ، فطبيعة الجزيرة العربية تفرض قلة الزاد وقوة البنية الجسدية واحتمال الظروف المناخية القاسية وكان شعارهم في ذلك إنما النصر صبر ساعة.



ب. الشجاعة والإقدام

أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه إلى هانئ بن مسعود الشيباني، ورحل إلى كسرى فبطش به، ثم أرسل إلى هانئ يطلب منه ودائع النعمان، فأبى، فسير إليه كسرى جيشًا لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم

فقال: «يا معشر بكر، هالك معذور، خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من قدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد»، واستطاع بنو بكر أن يهزموا الفرس في موقعة ذي قار.

هذه الشجاعة هي التي مكنتهم من الصمود أمام جحافل جرارة من الجيوش بأعداد قليلة ، كنار يبعث العرب في قلوب ألأعداء لأنهم كانوا يرجون السلامة بينما المسلمون كانوا يبحثون عن الشهادة



ج. الفروسية

قال الجاحظ: لم تكن أمة قط، أشد عجباً بالخيل، ولا أعلم بها، من العرب، وللعرب في الجاهلية ايام مشهورة تعكس هذه الفروسية

أكثم بن صيفي أوصى قومه بالخيل فقال: عليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب.

ومن شدة محبة العرب للخيل••• كان أشرافهم يخدمونها بأنفسهم ولا يتكلمون في القيام بخدمتها على غيرهم• وقال بعض الحكماء: ثلاثة لا يأنف الشريف من خدمتهم: الوالد•• والضيف•• والفرس.

وكان الناشئ من أبنائهم لا يكاد يصل إلى الثامنة من عمره حتى يحتم عليه أن يتعلم ركوب الخيل ويتدرب على فن الفروسية.

كان للفروسية والفرسان عند العرب في الجاهلية المقام الأكبر والمكانة الأولى بين العشائر والقبائل، وكان الدفاع عن الضعيف والانتصار للمرأة والشهامة وغيرها من الصفات التي يفخر بها فرسانهم، وكانوا يسجلون بطولاتهم بأشعارهم، فتنتشر بين القبائل.

كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وهو لم يجاوز السابعة والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الإسلامية ،

وفي فتح إفريقية وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا ، وألقى عبد الله نظرة على قوات العدو فعرف مصدر قوته التي تكمن في ملك البربر وقائـد الجيش ، الذي يصيح بجنده ويحرضـهم على الموت بطريقة عجيبـة ،

فأدرك عبـد الله أنه لابد من سقوط هذا القائد العنيـد ، ولكن كيف؟

فنادى عبد الله بعض إخوانه وقال لهم :(احموا ظهري واهجموا معي ) وشق الصفوف كالسهم نحو القائد حتى إذا بلغه هوى عليه في كرَّة واحـدة فقتله ، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطـون بملكهم فصرعوهـم ثم صاحوا :( اللـه أكبـر)000

وعندما رأى المسلمون رايتهم ترتفع حيث كان قائد البربر يقف ، أدركوا أنه النصر فشدّوا شدَّة رجل واحد وانتهى الأمر بنصر المسلمين .



د. عشق الحرية

فقد نشأ العربي في جو طليق، وفي بيئة طليقة، ومن ثم كانت الحرية من أخص خصائص العرب،

جلس عمرو بن هند ملك الحيرة لندمائه وسألهم: هل تعلمون أحدًا من العرب تأنف أمه خدمة أمي؟

قالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك ،

فدعا الملك عمرو بن كلثوم لزيارته، ودعا أمه لتزور أمه، وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك، فلما جاءت قالت لها ذلك،

فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها الكرة وألحت، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم: وا ذلاه يا لتغلب.. فسمعها ابنها فاشتد به الغضب فرأى سيفا للملك معلقا بالرواق فتناوله وضرب به رأس الملك عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب، وانتهبوا ما في الرواق، ونظم قصيدة يخاطب بها الملك

قائلا:

بأي مشـــــــيئة عمرو بن هند نكون لقـيلكم فيها قطـــينا

بأي مشـــــــيئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا

تهـــددنــا وتوعدــنا رويــــــدًا متى كنا لأمك مقـــــــتوينا

إذا ما الملك سام الناس خسفًا أبيــنا أن نقر الــذل فيــــنا

القيل : هو الملك دون الملك الأعظم. والقطين : الخدم مقتوينا : خدم الملوك

وعشقهم للحرية كان من أسباب التحرر من الخضوع والعبودية لغير الله فلم يطيقوا الرق للملوك وساحوا في أنحاء الأرض لنصرة الشعوب المظلومة والمقهورة من ملوكهم المستبدين.

وقد لخص ربعي بن عامر بعبارته الشهيرة هذا المفهوم حينما سأله رستم عن سبب مجيء المسلمين فقال : الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه, فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا, ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله .



ميزان الحلقة:

اللغة العربية قوة قول والفروسية قوة فعل وهما جناحي الفكر والدعوة

http://www.suwaidan.com/node/6607