الحقوق محفوظة لأصحابها

طارق السويدان
رغم أن تاريخ الأمم الأخرى لا يخلو من خطايا كالجبال لكن لا نعلم لماذا لا يحلو للبعض إلا تضخيم الأخطاء في تاريخنا الإسلامي .. ؟

وما هي وسائلهم الماكرة لتحقيق هذا التشويه ؟

وما هي وسائلنا نحن في المقابل للتصدي لهذا التشويه ؟

ولماذا مناهجنا التعليمية بها العديد من القصور ؟

وما سر تهجم المستشرقين على ابن تيمية؟

وهل قتل محمد الفاتح اخية حتى لا ينافسه على كرسي الخلافة؟



المقدمة

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أسباب تشويه التاريخ ، وسنخصص هذه الحلقة للحديث عن أهم وسائل التشويه لتاريخنا العظيم



1. اختلاق الأخبار الكاذبة التي لا أصل لها .

من الذين كانوا يختلقون القصص والأخبار والحوادث عيسى بن داب الليثي المدني، الذي كان يسامر موسى الهادي، وقد أجازه مرة بثلاثين ألف دينار، وكان وافر الأدب عالما بأيام الناس حافظا للسير. لكنه اشتهر بالوضع وكان يضع الشعر وأحاديث السمر وكلاما ينسبه إلى العرب . وأنشد فيه إبراهيم بن المنذر:

ومن يبغي الوصاة فان عـــندي وصاة للكـهول وللشبـــــاب

خذوا عن مالك وعن ابن عون ولا ترووا أحاديث ابن داب



2. اعتماد مصادر وراويات مختلقة.

وهناك قصة من القصص المشهورة جدا ويعرفها الكثير من طلبة العلم ويرويها الخطباء في المساجد أحيانا، والقصة تروي أن ربيعة الرأي كان من علماء المدينة ، وكان قد خرج أبوه وأمه حامل به، فخرج أبوه يجاهد في سبيل الله، فمكث في الجهاد ثلاثين سنة، ثم أتى وقد أنجبت امرأته ولداً فنشأ هذا الولد - ربيعة- فتعلم العلم وأصبح معلم أهل المدينة ، وهو جالس في المسجد، فأتى والده فدخل المسجد وعجب من هذا العالم؟ أي: ربيعة وهو لا يعرف أنه ابنه، ثم ذهب إلى البيت فوجد امرأته عندها رجل وهو ربيعة وهو لا يعرفه، فقام يقاتله، قالت المرأة: من أنت؟قال: أنا فروخ ، قالت: أنت والده وهذا ابنك.هذه القصة أبطلها الذهبي ، وهي مذكورة في بعض كتب التاريخ المعاصرة ، لكن هذه لا تثبت، بإسناد ثابت وبالتالي يجب العودة إلى المصادر المعتمدة والأصلية وليست المعاصرة التي لم تتثبت من الرواية.



3. إضعاف المناهج التاريخية في المدارس

من يعتقد أن أمر المناهج التعليمية بسيط وخاصة التاريخ فليسمع هذه القصة : في سبتمبر عام 1982م تناقلت وكالات الأنباء أخبار أزمة بين الصين واليابان، هدّدت الصين عندها بقطع كل الصلات الاقتصادية والاتفاقات التعاونية والعلاقات الدبلوماسية بعد أن كانت هذه العلاقات قد بلغت قمة المتانة والقوة بين البلدين.

والسبب أن بعض مؤلفي المناهج المدرسية اليابانية قرروا تغيير الناهج لتخفيف الصورة السلبية لقادة اليابان في الحرب العالمية الثانية والذين كان لهم دور رئيسي في الهجوم الياباني على الصين

فهل تنبه أحد منا لخطورة المناهج التاريخية التي تعاني من :

ـ تقديم الأحداث التاريخية بصورة مبعثرة ومجزأة ومختصرة،

ـ إهمالها الجانب البحثي في تعلم التاريخ.

ـ تركز على تاريخ السلطة وتتجاهل تاريخ الشعوب.

ـ تفتقد لميزة طرح الأسئلة فى موضوعات جدلية وكأن الهدف من التاريخ هو حفظ التواريخ وأسباب الأحداث فقط لا التفكير فيها ومن ثم لا يخرج الطالب من ذلك بدروس مستفادة لحاضره ومستقبله

ـ مناهج جبانة، تحرص على عدم إثارة أية قضايا، وتجنب كل المشكلات التاريخية والصراعات والمنعطفات.

ـ تقدم التاريخ الرسمى وهو تاريخ أحادى لا يقدم كل وجهات النظر المختلفة.

ـ وهذا غير الأخطاء التاريخية الفاضحة .



4. الاعتماد على التحليل الاستشراقي للتاريخ الإسلامي.

فصوروا التاريخ الإسلامي على أنه

ـ تاريخ حروب دموية وصراع سياسي بين الفرق الإسلامية حول السلطة،

ـ أن الإسلام كان ثورة الفقراء الجياع من عرب الجزيرة ضد أغنياء قريش،

ـ وتحدثوا عن الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم قادة أحزاب سياسية يسعون لتلبية رغباتهم، ويتهافتون وراء أطماع سياسية للحكم،

ـ وصوروا المنافقين والمرجفين من دعاة الفتنة وأهل الأهواء الخارجين على الأمة على أنهم "أبطال الوطنية" ودعاة الإصلاح الذين كانوا ينشدون العدل والحرية والصلاح.



5. تضخيم دور الفرق الضالة والباطنية على انها فرق تبحث عن الحق والحرية.



6. الاعتماد على الدراما في تقديم التاريخ للأجيال وقد يتم تحريف التاريخ لأسباب درامية.

وسنفرد للدراما والأدب حلقات منفصلة.



وسائل التصدي لتشويه التاريخ

1. ربط فلسفة التاريخ وتعليله بالقرآن وقوانينه التاريخية

فالتاريخ الإسلامي وثيقة وسجل في مدى نجاح الأمة في ترجمة قيم الإسلام في واقع الحياة في بيئات جغرافية مختلفة وأزمان ممتدة معطيات حضارية متنوعة ومتغيرة ومتجددة.

فهذا الربط يعيننا على فهم الصورة الكلية لمجريات الأحداث وعدم الغرق في التفاصيل، كما تساعد على فهم المستقبل وفق هذه السنن وبالتالي تحديد مآلات الأمور قياسا على ما حدث عبر التاريخ.



2. اعتماد المنهج العلمي في نقد الروايات والأشخاص.

وهو منهج مطلوب لنقد المصادر التاريخية بالدرجة الأولى والترجيح بين الروايا، وتنزيه التاريخ عن اتخاذه غرضا لدعم واقع سياسي معاصر بلوي الحقائق وتزييفها .

وعدم تفسير التاريخ تفسيرا ماديا يفرغ تاريخ الأمة من هويته الحقيقية ليصنع هوية وهمية مضادة لهوية الأمة.

ومن الروايات الضعيفة التي لا تستند إلى مصدر موثوق الرواية التي تتهم السلطان محمد الفاتح بقتل أخيه أحمد ليتخلص من منافسته له على الخلافة وهي تهمة لا تصمد أمام منهج التحقيق العلمي ، والأدلة على هذه كذب القصة :

1ـ الثابت أن أحمد مات غريقا في حوض الماء بعد أن غفلت عنه مربيته .

2ـ هل يعقل أن سلطاناً كبيراً يغار من أخ له رضيع .

3ـ إن السلطان محمد الفاتح تربى تربية إسلامية على يد ثلة من علماء عصره فكيف يقدم على مثل هذه الجريمة؟!

4ـ طريقة الوراية سخسفة وضعيفة: حيث زعموا أن السلطان محمد الفاتح أرسل علي بك أحد قواده إلى جناح النساء لقتل أخيه الرضيع ، فلما علم علي بك أن الطفل موجود في حمام النساء حيث تقوم مربيته بغسله ، اقتحم الحمام وأمسك بالطفل الرضيع وغطسه تحت الماء حتى مات مختنقاً غرقا ..

وهل يصدق عاقل أن محمد الفاتح ، وهو الذكي المحنك يقدم على قتل أخيه الرضيع بهذه الصورة الساذجة؟

وهل يصدق عاقل أن الفاتح كان عاجزاً عن تكليف إحدى النساء ، بالقتل من دون إثارة انتباه أحد

وهل من المقبول أن يقبل الفاتح ، بأن يقتحم هذا الرجل حمام النساء .. حيث يكن متحللات من حجابهن ومتخففات من كثير ملابسهن ، وفي ذلك ما فيه من خروج مستهجن عن .

والحقيقة أن المربية التي كانت موكلاً إليها أمر العناية بالطفل الرضيع أحمد ، انشغلت لبعض شأنها بينما كانت تغسله ... فوقع في حوض الماء .. فمات مختنقا غرقا قبل أن تتداركه الأيدي التي امتدت لإنقاذه بعد فوات الأوان .



3.ربط المناهج التعليمية للتاريخ بالأهداف التربوية والتنموية.

رسائل التاريخ التربوية من الوسائل الهامة في زرع القيم الإيجابية لدى شباب الأمة فتقديم القدوات الحقيقية عبر التاريخ والظروف الصعبة اولى من الوعظ الجاف الناشف.

والتاريخ الذي يحرك الفكر ويثير الأسئلة الجدلية عن واقع الأمة أفضل من التاريخ الذي يبسط الأمور بين شخصيات ملائكية وأخرى شيطانية.

فيتم اختيار الفترات المشرقة من تاريخنا ويتم تحليل أسباب الريادة فيها لتقدم للطلاب ، مشفوعة بالقيم المحركة لهذه الريادة.، وبدلا من الحديث عن صراع الخلافة الأموية مع أعدائها وتاريخ الحروب والنزاعات ، يفضل الحديث عن القفزة العملية والعمرانية التي حققتها الخلافة مع إبراز الرموز العلمية والأدبية والفكرية والشرعية في هذا العصر .



4. تحقيق التاريخ وإعادة تقديمه للقارئ العربي

وهو ما يجب أن تقوم به جهود مؤسسية وليست فردية فقط.

ويتناول إصدار نسخ محققة بجهود فرق علمي لأمهات الكتب التاريخية ..

وهنا نود أن نشيد بجهود كل من حاول من المعاصرين تقديم تاريخ محقق مثل الدكتور على الصلابي الذي قدم مكتبة متميزة من المؤلفات في التاريخ الإسلامي ومنها السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث الذي حقق روايات السيرة وزاد عليها بتحليله للأحداث ، وهناك الدكتور عماد الدين خليل المتخصص بالتاريخ الإسلامي وهناك الدكتور راغب السرجاني الذي يعطي لنقد الروايات أهمية خاصة وله موقع قصة الإسلام وهو من المواقع المهمة لمحبي التاريخ الإسلامي.



ميزان الحلقه

التاريخ الذي لا يساهم في بناء المستقبل (تاريخ تسلية) لا (تاريخ تنمية)

http://www.suwaidan.com/node/6601