الحقوق محفوظة لأصحابها

طارق السويدان
نتفهم أن يتم تشويه تاريخنا بسبب أخطاء في الكتابة أو تحليل التاريخ لكن ما لا نفهمه تعمد تشويه تاريخنا العظيم ليصبح ضحية الدوافع المذهبية أو السياسية ..لماذا امتدت صناعة تشويه الإسلام لتشمل الحاضر والماضي ؟

كيف انصاع الحجاج الظالم الغشوم لحكم الله؟

ولماذا تهكم يزدجر على المسلمين في فتوح فارس و كيف ردوا عليه؟

وما هي أسباب محاولة تشويه الخليفة عمر بن عبد العزيز ؟

وما أثر الإسلامفوبيا على محاولات تزوير التاريخ؟

المقدمة

من أكبر ما يواجهه التاريخ الإسلامي من تحديات هو مواجهة التشويه الذي امتلأت به كتب المعاصرين خاصة في محاولة منهم لإضلال الناس وخلق صور ذهنية مخالفة للواقع.

وهنا سنطل بإطلالة على الأهداف التي يقصدها المشوهون لتاريخنا من وراء فعلتهم هذه.

قواعد أساسية

1. تشويه التطبيق البشري للإسلام وصولا لتشويه الإسلام نفسه.

ذكر خالد محمد خالد في كتابه "من هنا نبدأ" –قبل أن يرجع عن مقولاته: "لا تقولوا عهد الراشدين، فعهد أبي بكر سنتين شغلتا بحروب الردة وغيرها، وعهد عثمان كان عهد فتنة انتهت بمقتله، وعهد علي حروب أهلية، فلم يبق إلا عهد "عمر" كان "فلتة" يصعب أن يتكرر، وبعد ذلك كانت العصور كلها انحرافا عن الإسلام وشريعة الإسلام وقيم الإسلام".

وهذا الكلام فيه كثير من التجني حيث واجه أبو بكر حروب الردة لمدة 9 شهور ، وبعدها انطلق الفتح الإسلامي الرحيم بالشعوب وبدأت حضارة الإسلام تشع على المنطقة ثم جاء عمر فقدم للبشرية نموذجا في العدل والحكم لم يتكرر وحكم 10 سنوات ثم عثمان بن عفان الذي حكم 12 سنة وجمع القرآن وأعطى للمسلمين أول نصر بحري وكان حكمه خير ورحمة للأمة ولم تنل الفتنة من حكمه إلا في آخر سنتين لكن ذلك لم يمنع المسلمين من تحقيق الريادة الحضارية وتقدم العلوم خاصة التي تربط بالقرآن مثل النحو واللغة والفقه والأدب والسيرة والتاريخ .

وهنا أضرب مثالاً يبين الإذعان للشريعة وظهورها حتى مع أحد أعتى الأمراء الطغاة:"

أدخَلوا على الحجاج بن يوسف الثقفي رجلا مُقَيّدا، فقال له الحجاج : ما شأنُكَ يا هذا ؟

فقال الرجل : أصلح الله الأمير، أرعني سمعك، واكفف عني سيفك، فإن سمعت خطأ أو زللاً دونك والعقوبة.

قال الحجاج: قل،فقال الرجل : عصى عاصٍ مِن عُرض العشيرة ؛ فحُلِّقَ على اسمي (أي جُعلت في القائمة السوداء)، وهُدِّمَ منزلي، وحُرِمتُ عطائي (عطائي من بيت المال). (مجمل كلامه أنّه أُخذ بذنب غيره) قال الحجاج : هيهات هيهات، أو ما سمعت قول الشاعر :

جانيك من يجني عليك وقد -- تُعدي الصحاحَ مباركُ الجُربِ

ولَربَ مأخوذ بذنب عَشيرة -- ونَجا المقارفُ صاحب الذنبِ ... ؟

(جانيك مَن يجني عليك : أي أن لا يجدر بك أن تقتص إلا مَن تسبب لك بالأذى، تعدي الصحاح مبارك الجرب : هذا استثناء لصدر البيت، ويعني انّ الجمال الجرباء تتسبب بالعدوى للجمال السليمة، فبهذا يمكنك أن تُحاسب بالذنب غير صاحبه)

قال الرجل : أصلح الله الامير، ولكني سمعت الله عز وجل يقول غير هذا! قال : وما ذاك ؟ قال : قال عز وجل "ياأيها العزيزُ إن له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مكانهُ إنًا نَراك مِن المُحسنين، قال معاذ اللهِ أنْ نأخُذَ إلا مَن وَجدنا مَتاعَنا عِندهُ إنًا إذاً لظالمون".

فقال الحجاج : عَليَّ بيزيد بن أبي مسلم، فمثل بين يديه. فقال له : افكُك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطاء، وابن له منزله، ومُر منادياً ينادي : صدق الله وكذب الشاعر .

2. نزع الدوافع الدينية والقيم الروحية من نفوس الناس في الحراك البشري.

فيحاولون من خلال إظهار الجوانب السلبية وتشويه الجوانب الإيجابية إلى إسقاط قدوات المجتمع المسلم وبيان أن التاريخ مليء بالمثالب التي تغطي عين الشمس فتضعف الحماسة في استجلاب النماذج والقدوات ليتأسى بها.

وهنا نذكر أنه في معارك فتح فارس كانت هناك حوارات مطولة بين قادة الفرس والمسلمين

منها حوارتكلم فيه يزدجرد فقال: إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس ولا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.. فأسكت القوم،

فقام المغيرة بن شعبة فقال: أيها الملك إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، ... فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم له الجنة، ومن بقي منكم له النصر على من ناوأه. فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.

3. نشر اليأس بمثالية الإسلام

زعم كثير من المؤرخين المستشرقين أو العرب أن تطبيق الشريعة ونظام الحكم الإسلامي فكرة مثالية تستعصي عن التطبيق عند مواجهة الواقع ، والدليل أنه لم يطبق إلا في الحقبة الزمنية الأولى من التاريخ الإسلامي المتمثل في 30 سنة بل ليس كلها.

4. القضاء على النموذج

وهذا النموذج مرعب ومخيف لأعداء الإسلام ودعونا نتعرف على طريقة تأسيس النموذج لأول مرة بقلم المؤرخ (بيشر) في كتابه (تاريخ أوربا): (لم يكن هنالك في جزيرة العرب قبل الإسلام أثر لحكومة عربية أو جيش منتظم أو طموح سياسي عام، كان العرب شعراء خياليين محاربين وتجاراً لم يكونوا سياسيين و كانوا على نظام منحط من الشرك. وبعد مائة سنة حمل هؤلاء المتوحشون والخاملون لأنفسهم قوة عالمية عظيمة، ففتحوا سورية ومصر وبــلاد فارس، ملكوا باكستان الغربية وانتزعوا إفريقية من البيزنطيين والبربر وإسبانيا إلى حدود فرنسا في الغرب والقسطنطينية في الشرق، ومخرت أساطيلهم المصنوعة في الإسكندرية وموانئ سورية في البحر المتوسط، واكتسحت الجزائر اليونانية، وتحدت القوة البحرية للإمبراطورية البيزنطينية. لم يقاومهم الفرس وبربر جبال الأطلس إنهم شقوا طريقهم بسهولة حتى صعب أن يقف في وجههم واقف ويعرقل سيرهم في الفتح والاستيلاء أحد، لم يعد البحر المتوسط بحر الروم، بل اصبح حوضاً عثمانياً لا سيطرة فيه لغير الترك ووجدت الدول النصرانية من أقصى أوربا إلى أقصاها منذرة مهددة بحضارة شرقية مبنية على دين شرقي).

5. صناعة الخوف من الإسلام وتطبيقه في المجتمعات الإسلامية.

وبعد الربيع العربي أصبح المطلوب هو النموذج الذي تستند له الرؤية الإسلامية للإصلاح والمتمثل في الحضارة الإسلامية والتاريخ الرائع للأمة وتشويه أيضا محاولات تطبيق هذا النموذج من خلال شيطنة التيارات الإسلامية لإجهاض المحاولة لتقديم النموذج الإسلامي من جديد بعد أن سيطر فقه الحاكم المتغلب على الأمة..ولذلك يقولون أن الربيع العربي تحول إلى خريف إسلامي بامتياز.

6. اثبات عدم صلاحية الإسلام للحياة إلا في البيئة التي بعث بها تاريخيا ولا يصلح لكل العصور ولا لكل البيئات.

وهذه من أكبر الغايات التي يتجه بها أصحاب منهج التشويه للوصول إلى هذه الغاية، واعتبار الدين نتيجة التقاليد والأعراف الصحراوية المرتبطة بالبيئة العربية في القرن السادس الميلادي،

نعم هناك بعض المتغيرات التي تتغير بتغير الزمان والمكان، أما الثوابت- وهي التي يرغبون في إثبات أنها نسبية ومتغيرة أيضاً- فباقية وقائمة في كل زمان ومكان وإلا لما ظل دين ولا شريعة.

وحتى لا يظل الكلام مرسلا دعونا نأخذ مثالا بعيدا عن الطبيعة الصحراوية والجزيرة العربية والعرب على العموم وهي التجربة التركية حيث كانت محكومة حكما عسكريا علمانيا وجاء حزب العدالة والتنمية الإسلامي بعد عقود طويلة من فضائح الفساد و الرشاوى و البؤس المالي و الاقتصادي و في أوضاع اقتصادية معقدة وفي اوربا قمة الحضارة المعاصرة ..فما الذي حدث هل حال منهج الحزب الإسلامي دون تقدم تركيا؟

ـ تركيا في 10 سنوات (2002-2012)

ـ حسب ترتيب الدول الغنية من 27 إلى 17

ـ كان دخل الفرد القومي في تركيا عام2002 يصل إلى 2300 دولار ، ووصل الدخل القومي للفرد 11 ألف دولار للفرد تضاعف 4 مرات ونصف خلال 8 سنوات . ومن المخطط له عام 2023 أن يصل يصل دخل الفرد إلى 25 ألف دولار..

ـ وانخفضت ديونها لصندوق النقد الدولي من 23.5 مليار دولار إلى صفر.

وعندما سُئل أردوغان " كيف جعلت تركيا تصل ضمن الدول الغنية في العالم بعدما كانت متأخرة قبل توليك السلطة .. أجاب بإختصار: لا أسرق

7. الترويج للبديل

وهو المنهج الغربي والهوية الغربية والحضارة الغربية التي اعتبرها بعض مفكريهم نهاية التاريخ وقمة الفكر الانساني فإذا بالأزمة الاقتصادية تفيقهم من أوهامهم وأوهام العلو الكاذب في الأرض ناهيك عن حصاد الدمار الأخلاقي وسقوط والأخلاق والفطر السوية.

وهذه الحقيقة ادركها السلطان عبد الحميد مبكرا وكتبها في مذكراته قائلا : (يبْذل الإنكليز كل جهد مُمكن فِي سَبِيل الْإِسَاءَة الى سمعتنا فِي مصر وَهَا هم خدعوهم بأفكارهم لدرجة أَن الْبَعْض مِنْهُم يُؤمن الْآن بِأَن طَرِيق الإنكليز هُوَ السَّبِيل الى الْأَمْن والنجاة ويفضل القومية على الدّين، أَنهم يظنون أَن حضارتهم ستمتزج بحضارة الغرب دون أَن يشعروا بِأَن هُنَاكَ تضادا بَين الحضارة الْإِسْلَام والحضارة النَّصْرَانِيَّة بِحَيْثُ لَا يُمكن أبدا التَّوْفِيق بَينهمَا ).

ميزان الحلقة:

الأمم لا يمكن أن تنهض بغير تاريخ، أو ذاكرة، فإذا تشوهت الذاكرة ولدت النهضة مشوهة.

http://www.suwaidan.com/node/6600