الحقوق محفوظة لأصحابها

متنوعات

»

الأكاديمية الإسلامية المفتوحة (2)

»

06 - متن ثلاثة الأصول (6)


راشد الزهراني
بسم الله الرحمن الرحيم..

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي الصالحين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى مَن سلك سبيلهم أو سار أو استنار بهدي النبي الكريم، صلوات ربي وسلامه عليه.

أما بعد -أيها الأحبة- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم كما جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك أن يجمعنا جميعًا في دار كرامته، وفي مستقر رحمته، وأن يجعلنا ممن يجتمع في هذه الحياة على طاعته، ويوم القيامة في جنته، إنه -عز وجل- جواد كريم.

أما بعد -أيها الأحبة..

كنا في الدرس الماضي قد شرعنا في الحديث عن الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها العبد في دنياه، ويسأل عنها في قبره، ويسأل عنها في آخرته، كما قال الله -جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

قال -رحمه الله:

(فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟

فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟

فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ...).

ذكرنا لكم أن الآيات على نوعين:

- آيات كونية.

- وآيات شرعية.

وأن المصنف -رحمه الله- عطف المخلوقات على الآيات من باب عطف الخاص على العام.

قال -رحمه الله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟).

هذا الآن شروع في الحديث عن الأصل الأول، وهو: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ.

قال: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟

فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ).

وهذا ذكرنا فيه أنه من التربية، إما من الملك، أو إنه من إسداء النعم إلى عباده.

قال: (وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ).

قلنا لكم إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.

قال: (وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ للَهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الفاتحة: 2]).

ما معنى الحمد؟

نحن ذكرنا لكم أن الألف واللام هنا لماذا؟ للاستغراق.

طيب، ما معنى الحمد؟

هو الثناء على الله ، قالوا: بالجميل الاختياري.

ما معنى الجميل الاختياري؟

لا يشترط أن يكون مَن تثني عليه أن يكون قد أسدى إليك معروفًا؛ بل الله -جل وعلا- يُثنى عليه أولًا على أسمائه، وعلى صفاته، وعلى عظمته، ويُثنى عليه -جل وعلا- على النعم التي أسداها لعباده.

طيب، ذكرنا لكم الفرق بين الحمد والشكر. ما الفرق بينهما؟

الحمد أعم من جهة السبب، فيكون مقابل نعمة ولا يكون مقابل نعمة.

والشكر أعم من جهة المتعلَّقات، وهي: اللسان والقلب والجوارح.

أفادَتْكُمُ النَّعْمُاءُ مِنِّيْ ثَلاثَةً

يَدِيْ ولِسَانِي والضَّمِيْرَ المُحَجَّبَا

قال -رحمه الله: (وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ).

يعني أنت حينما تقول: الحمد لله رب العالمين. من هم العالمون؟ هم كل مَن سِوى الله -سبحانه وتعالى.

ثم قال -رحمه الله: (قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54]).

طيب، استمعوا معي: هذه الآية تدل على أن الله خلق السماوات والأرض في كم؟ ستة أيام.

استمعوا إلى هذا الحديث في صحيح مسلم: يقول -صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وكل المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيهما الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة». كم يوم؟ سبعة.

الحديث بدأ بالسبت وانتهينا بالجمعة. كيف نجمع بين الأمرين؟

هناك رسالة دكتوراه جميلة بعنوان: الجمع بين الآيات والأحاديث التي ظاهرها التعارض في العقيدة.

رسالة جميلة في مجلدين قام بإعدادها عدد من الطلاب.

هذا الحديث قالوا إنه يخالف قول الله -عز وجل.

قال الإمام البخاري -رحمه الله: "وهذا الحديث شاذ لا يصح لمخالفته للآية".

طبعًا صحيح البخاري وصحيح مسلم فيه أحاديث صحيحة، بعض الأحاديث وردت إما بشكل التعليق، أو بعض الأحاديث -وذكر العلماء -رحمهم الله- فيه إما شذوذًا أو علة، وليس المجال مجال بحث هذا الموضوع، ولكن أحببت أن أبين هذا الفرق بين هذه الآية وبين الحديث.

قال -رحمه الله: (وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ).

ثم استدل بقول الله -جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21، 22].

قَالَ الإمام ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللهُ- في تفسيره بعد أن ذكر هذه الآية، قال: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.

هنا قال -رحمه الله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ).

هو تحدث -رحمه الله- في البداية عن كيف تعرف الله، الأصل الأول وهو: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ.

قال لك: يجب أن تعرف الله، كيف تعرف الله؟

تعرف الله بآياته ومخلوقاته، وتعرف الله كذلك بأسمائه وصفاته -عز وجل.

طيب، عرفت الله -سبحانه وتعالى- ما الواجب عليك بعد هذا؟

قال: أن تعبده وألا تصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله -جل وعلا.

قال -رحمه الله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: 18]).

يقول -رحمه الله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ). ما هي العبادة؟

العبادة في اللغة مأخوذة من التذلل، يقال طريق مُعبَّد أي طريق مذلل.

وأما تعريف العبادة فهي كما يقول بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- يتحدث عن جملة من تعاريف العلماء للعبادة -وهو شيخ الإسلام رحمه الله- قال: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".

العبادة التي يتقرب بها العبد إلى الله على نوعين:

- العبادة الظاهرة: الصلاة، الزكاة، الصيام، الذبح. هذه تسمى عبادات ظاهرة، تمارسها الجوارح.

- هناك عبادة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس، وهي العبادات القلبية التي تعود إلى القلب.

مثل ماذا؟ الخوف من الله، ذاك الذي يبكي من خشية الله -جل وعلا-، أصلها خوفه من الله.

قال -صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله -جل وعلا».

فهذه العبادة العظيمة يجب على المسلمين أن يحرصوا عليها، أن يكون رجاؤك فيما هو عند الله، ورغبك ورهبك وكل متعلقات القلب أن تكون لله -سبحانه وتعالى.

العبادة لا يجوز صرفها لغير الله.

المؤلف له كتاب اسمه "كشف الشبهات"، ذكر لك في "كشف الشبهات" كيف تناظر مَن تزل بهم الأقدام في مسائل التوحيد، فقال: "لابد أن تكون قويًّا، وقوتك تنبع من أنك تستدل في كل أقولك وأفعالك بالقرآن والسنة".

وأتى بالدليل المجمل والدليل المفصل في "كشف الشبهات"، لعلكم تراجعون الكتاب وتنظرون كيف استطاع -رحمه الله- أن يأتي بالأصول العظيمة ويثبتها من خلال هذا الكتاب.

قال -رحمه الله: (وكل هذه)، حينما ذكر عدد من العبادات الظاهرة والباطنة، قال:(وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا أن تكون لله -جل وعلا- وَالدَّلِيلُ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: 18]).

هو الآن يقرر لك أن الله -عز وجل- هو المستحق للعبادة، وأن العبادة قد تكون عبادات ظاهرة، وقد تكون عبادات باطنة.

فإذا ثبت أن الله هو المستحق للعبادة، وأن العبادات منها الظاهر والباطن؛ فيجب أن تكون جميع هذه العبادات خالصة لله -جل وعلا.

وَالدَّلِيلُ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾.

ترون هذه الآية تكررت معنا تقريبًا في كل درس.

ما وجه الشاهد من هذه الآية على أنه لا يجوز لنا أن نصرف العبادة لغير الله؟

نعم، أن الله قال: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾، و﴿أَحَداً﴾ نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تعم سواءً صغيرا أو كبيرا، عظيما أو حقيرا؛ فلا يجوز أن تصرف العبادة لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما.

الآن ثبت أن العبادة لا يجوز صرفها لغير الله، طيب من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فقد كفر.

قال -رحمه الله: (فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ). لماذا؟

لأن الله -جل وعلا- أمر بإفراد العبادة له وحده، ونهى عن الشرك به، فقال -سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].

ما الدليل على أن مَن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر؟

قال: (وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]).

فسمى دعاء غير الله كفرًا كما في هذه الآية.

الآن المصنف ذكر لك أن العبادة يجب أن تكون لمَن؟ لله، وأنها إذا ثبت أنها لله فلا يجوز صرفها لغيره، وأن مَن صرفها لغيره فهو مشرك كافر.

بدأ -رحمه الله- يذكر نماذج لبعض هذه العبادات.

فعل سبيل المثال وليس على سبيل الحصر: أول هذه العبادات التي ذكرها: الدعـاء.

فلا يجوز دعاء غير الله -سبحانه وتعالى-، ولا يجوز أن يُدعى غير الله كما يُدعى الله -سبحانه وتعالى.

ما الدليل؟

قال: (﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]).

قال: (وَفِي الْحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ»).

هذا الحديث لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ضعفه العلماء وإن كان معناه صحيحا، ولهذا ورد في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة».

الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه -سبحانه وتعالى-، وهي التي يكتسب فيها العبد ذله وخضوعه وفقره وحاجته للملك العلام -سبحانه وتعالى.

يقول الأول:

الله يغضب إن تركت سؤاله

وبني آدم حين يسأل يغضب

الله -جل وعلا- عنده خزائن السماوات والأرض، «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيء إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر».

حينما تأخذ إبرة وتضعها في البحر ثم ترفعها، يبقَ شيء؟ حتى القطرة قد تعود مرة أخرى، فلا ينقص منه شيء.

والله -جل وعلا- عنده خزائن السماوات والأرض، «يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم ينقص من ملكه شيء»، أو كما قال سيدي رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه.

الدعاء له آداب، إذا أردت أن تدعو الله -جل وعلا- فماذا تفعل؟

ستقابل رب العالمين، فيجب أن تتأدب بأدب الدعاء.

أعظم سورة وهي سورة ماذا في القرآن؟ الفاتحة.

سورة الفاتحة تعلمنا كيف ندعو الله -جل وعلا-، كيف ذلك؟

إذا أردت أن تدعو الله:

- فأولًا: أكثر من الثناء على الله، كما في الحديث: «إن ربكم يحب المدح، ويحب الثناء» سبحانه وتعالى.

فأكثر من ثنائك على الله -عز وجل، بل أحيانًا الداعي قد كتفي بنائه على الله عن سؤال حاجته.

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي

حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا

كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِكَ الثَّنَاءُ

لأن الله يعلم السر وأخفى.

لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أحد الصحابة وهو يقول: يا أحد يا صمد يا مَن لم يلد ولم يولد.

قال -صلى الله عليه وسلم: «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب».

فليكثر العبد من ثنائه على الله -سبحانه وتعالى.

إذا وقف المخلوق -ولله المثل الأعلى- لو يقف فقير أمام ملك من ملوك الأرض؛ يقدم بين يدي طلبه ثناءً ومدحًا ورفعة، وقد لا يستحقها هذا المخلوق، فيكف بثنائك على الله -جل وعلا؟

فبقدر ثنائك على الله بقدر حبك لله، وبقدر ما يعطيك الله -جل وعلا.

كيف أثنى الله على نفسه في سورة الفاتحة؟

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة 2-4]. فهذا كله ثناء على الله.

- ثم بعد ذلك دلت السنة أن الدعاء محجوب حتى يصلى على المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

فتثني على الله -وما أعظمها من عبادة- ثم تصلي على رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه.

- قال: ثم بعد ذلك الأمر الثالث: أن تتقرب إلى الله -عز وجل- بعمل صالح، تتقرب إلى الله بعمل صالح.

ما هو العمل الصلح؟ قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

ودائمًا ابحث عن عبادة لا يعرفها البشر، عبادة لا يعرفها إلا الله تؤديها، صدقة بذلتها، مالًا قدمته، برًّا فعلته، لا يعرف عنه المخلوق شيئًا، فتتقرب إلى الله -جل وعلا- بهذا العمل.

والسلف -رحمهم الله- كانوا يقولون: ينبغي للمسلم أن يكون له خبيئة من عمل صالح لا يعرفها إلا الله -سبحانه وتعالى.

ومما يدل على التوسل إلى الله بالعمل الصالح: حديث الثلاثة الذين أغلقت عليهم الصخرة وانحدرت عليهم، فقالوا: إنه لا ينجيكم اليوم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم.

هم يتوسلون إلى الله بأعمالهم أو بأعمال غيرهم؟ بأعمالهم.

ولهذا توسل أحدهم بأبويه، وتوسل الآخر بعفَّته، وتوسل الآخر بأمانته، ففرج الله عنهم الصخرة. طيب، هل يجوز التوسل بالأموات وجعلهم واسطة بين العبيد وبين الله؟ لا يجوز، لأن الله -عز وجل- حينما تحدَّث عن أهل مكة، قال -سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذا، وقد ورد في الحديث.

طيب، ماذا تقولون؟ قالوا: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك -صلى الله عليه وسلم-، وإنا نتوسل إليك بعم نبيك -صلى الله عليه وسلم.

التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته بدعائه، هذا أمر مشروع.

والتوسل بالعباس وهو من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يدعو لك؛ هذا أيضًا من الأمور المشروعة ما دام أنه على قيد الحياة.

الدعاء على نوعين:

- النوع الأول: دعاء المسألة.

- والنوع الثاني: دعاء العبادة.

من يعرف الفرق بينهما؟

دعاء المسألة: هو سؤال الله -جل وعلا- الحاجة والتضرع إلى الله، أنت تسأل الله حاجتك.

دعاء العبادة: هو مثل الصلاة، الصلاة من الدعاء الذي يتقرب به العبد إلى ربه -سبحانه وتعالى.

قال -رحمه الله: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175]).

الخوف عبادة لا يجوز صرفها لغير الله -سبحانه وتعالى.

ما الدليل؟

قال: (﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175]).

الخوف على أنواع ثلاثة:

- الأول: خوف السر: وهذا الخوف لا يجوز صرفه لغير الله، فمن صرفه لغير الله؛ فقد أشرك بالله -جل وعلا.

- الخوف الثاني: ويسمى "الخوف المحرم" وهو أن تترك العبادة خوفًا من الناس مع عدم اليقين بإلحاق الضرر بك.

- الخوف الثالث: الخوف الطبيعي، إنسان خرج له أسد، فيقول: لا أنا لا أخاف؟! خرج له ثعبان، خوف الرجل من زوجته.

طيب، هذا الخوف يسمى الخوف الطبيعي، وهذا الخوف الطبيعي ما حكمه؟ جائز، فمن خاف من أهله فلا حرج عليه.

قال: (وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:175]).

ما وجه الشاهد؟

أولًا: أن الله نهانا عن الخوف من غيره -سبحانه وتعالى.

والأمر الثاني: أن الله علق الإيمان بالخوف منه -عز وجل- قال: ﴿إِن كُنتُم﴾، فجعل الخوف من الله شرطا في الإيمان.

قال -رحمه الله: (وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ:).

ما هو الرجاء؟ من يعرف معنى الرجاء؟

الرجاء: الطمع والرغبة، وأيضًا من معانيه: حسن الظن بالله -جل وعلا-، مهما عمل العبد من معصية، مهما أسرف على نفسه في الذنوب والمعاصي؛ فيعلم أن الله يغفر الذنوب جميعًا.

ذاك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فلما أتى إلى عابد ليس لديه علم، قال: قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل لي من توبة؟

قال: أعوذ بالله، لا توبة لك.

قال: ما دام لا توبة لي، فأكمل به المائة.

فذهب إلى رجل عالم، قال: هل لي من توبة؟

قال: ومَن يحول بينك وبين التوبة، باب التوبة مفتوح وفضل الله عظيم وواسع، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].

قال -رحمه الله: (وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: 110]).

تأتي إلى بعضهم وتقول له: اعمل، صلِّ، أدِّ ما أمرك الله، يقول لك: لا، رحمة الله واسعة. وهذا حسن ظن بالله.

فهل هذا محمود أم مذموم؟ مذموم.

يقولون لك: الرجاء المحمود هو الذي يبعثك على العمل، والرجاء المذموم هو الذي يصدك عن العمل، وهذا من الأمن من مكر الله.

العبد -كما يقول الإمام أحمد رحمه الله- يسير في الحياة كالطائر، بصدر وجناحين، الصدر: المحبة، والجناحان: الخوف والرجاء، يسير بينما بتوازن.

في بعض المواطن قد يغلب الخوف، مثلًا إذا قصَّر، ويغلب الرجاء وهو عند موته، لكن في بقية الأحوال يسير بتوازن في هذه الحياة.

وهذا الباب -وهو الرجاء- من المسائل العظيمة التي بحثها شيخنا ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "مدارج السالكين"، فجعل الرجاء من منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

قال -رحمه الله: (ودَلِيلُ التَّوَكُلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]).

ما هو التوكل؟

التوكل: تفويض الأمر إلى الله -سبحانه وتعالى.

وهو من العبادات القلبية العظيمة التي تبث في قلب العبد قوة التوكل على الله -سبحانه وتعالى.

تعرفون في قصة بني المصطلق بعد أن فرغ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغزوة، وسار هو وأصحابه، كانوا قد أُجهِدوا، فنزلوا في وادٍ كثير العضاة -أي كثير الشجر- فتفرق الصحابة، كل واحد منهم نزل تحت شجرة، نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة، وأخذ سيفه وعلقه بأحد أغصانها، ونام -صلى الله عليه وسلم.

لحق بهم أحد المشركين، كان يمني نفسه أنه هو الذي يغتال النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه ما علم قول الله -عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

فتسلل حتى وصل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، أخذ السيف وأشهره إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: يا محمد.

فاستيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- والسيف في وجهه، وأصحابه بعيدون عنه.

قال: مَن يمنعك مني الآن؟

أنت بين يدي، والسيف فوق رأسك، وأصحابك بعيدون عنك، قال: من يمنعك مني الآن؟

التفت إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «الله يمنعني منك».

فإذا بالسيف يسقط من يد الرجل، أخذه النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «أنت الآن مَن يمنعك مني؟».

قال: يا محمد، اعف عني.

فعفا عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في مقابل ألا يقاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى، فعاد إلى قومه فقال: أتيتك من أبرِّ الناس، وأكرم الناس، وأعفا الناس -عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

قال -رحمه الله: (ودَلِيلُ التَّوَكُلِ: -لا يجوز أن نفوض الأمر إلى غير الله عز وجل- : ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]).

ما وجه الشاهد؟

وجه الشاهد: أن الله -عز وجل- قدَّم الجار والمجرور، وإذا تقدم ما حقه التأخير، دلَّ على الحصر.

مثل قول الله -عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، أصلها: نعبد إياك ونستعين بك.

فإذا تقدم ما حقه التأخير دلَّ على الحصر، وعلى أنه لا يجوز أن نصرف هذا الأمر لغير الله -سبحانه وتعالى.

والتوكل من العبادات التي يرضاها الله، قال الله -عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

هذه ثمرة من ثمار التوكل على الله -عز وجل.

وقوله -سبحانه وتعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

التوكل أنواع:

أولًا: التوكل على المخلوق والاعتماد عليه كالاعتماد على الخالق. تذهب إلى مخلوق وتقول: ارزقني، تقول: أعطني، تقول: أغثني. فهذا لا يجوز.

وكما قال -إما شوقي أو حافظ إبراهيم- رحمه الله:

يقول:

أحياؤنا لا يرزقون بدرهم

وبألف ألف ترزق الأموات

فرحمه الله.

فلا يجوز الاعتماد على غير الله -عز وجل- كما يعتمد القلب على الله -سبحانه وتعالى.

حينما تذهب إلى شخص وتعتمد عليه، وتظن أن بيده جلب النفع ودفع الضر؛ فقد توكلت على غير الله، وصرفت هذه العبادة لغير الله -عز وجل- طيب.

ما حكم التوكل على المخلوق؟

يجوز بشروط ثلاثة، يجوز أن تتوكل على المخلوق أن يجلب لك خيرًا أو يدفع عنك ضرًّا، ولكن بشروط ثلاثة:

- الشرط الأول: أن يكون حيًّا. تذهب إلى شخص،وتقول له: أريدك أن تعينني على كذا وكذا.

- والشرط الثاني: أن يكون قادرًا.

- والشرط الثالث: أن يكون حاضرًا أمامك.

فإذا فعلت هذه الأمور؛ فإنه يجوز؛ قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15].

تذكرون أننا تحدثنا عن قول أنه لا يجوز أن يقال: "لولا الله وفلان"، بل يجب أن يُقال: "لولا الله ثم فلان".

هل يجوز أن يقال: "توكلت على الله ثم عليك"؟

بعض العلماء يقول: يجوز، لا بأس بها.

ومن العلماء مَن له رأي آخر، فقال: إن التوكل من الأعمال القلبية، والأعمال القلبية لا يجوز أن تكون مقرونة بالمخلوق، فلا يجوز أن يقول: "توكلت على الله ثم عليك".

والصحيح أن الأمر بسيط، إن قالها فجائز، وإن أراد أن يبلغ مرتبة أعلى، فلا بأس بذلك.

قال -رحمه الله: (وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ:). هذه أيضًا أعمال قلبية.

ما هي الرغبة؟ هو رجاء من نوع خاص.

والرهبة: خوف من نوع خاص.

والخشوع: الاطمئنان والذل، فإذا اطمأنت الأرض فإنها تكون من الخشوع، فهذه أيضًا من العبادات.

لعلنا نمضي سريعًا؛ كذلك الخشية لا يجوز صرفها لغير الله، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150].

والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة.

ما الفرق بين الاستعاذة واللِّياذ؟

الاستعاذة أيضًا من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله.

يقولون: الاستعاذة هي في طلب دفع الشر، واللِّياذ هو في طلب جلب الخير.

يا من ألوذ به فيما أؤمله

ومن أعوذ به مما أحاذره

فهذا الفرق بين الاستعاذة واللِّياذ.

قال: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ: قَوْلُ الله -عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]).

فهذا دليل على انه لا يجوز الاستعاذة بغير الله.

كذلك الاستغاثة، قال الله:﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: 9].

من العبادات العظيمة: قال: (الذَّبح. وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]).

فقرن الله -جل وعلا- النسك وهو الذبح -المراد به في هذه الآية- بالصلاة، فدل على أنه لا يجوز الذبح لغير الله -سبحانه وتعالى.

وقال -صلى الله عليه وسلم: «لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ».

والذبح من العبادات العظيمة، حتى ورد في بعض الأحاديث: «وإن الدم ليقع من الله بمكانه قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسًا».

ما الفرق بين الذبح الذي يكون للإكرام، والذبح المنهي الذي يكون للتعظيم؟

يقول ابن عابدين -رحمه الله- وهو من علماء الحنفية -رحمه الله- في الدر المختار، قال -رحمه الله: "والفرق أن مَن ذبح للإكرام فإنه يذبح ليأكل مَن استضافه، والذبح للتعظيم أن يذبح للعظيم، ثم يقدم هذا الطعام للفقراء".

والذبح كذلك من الأمور الحميدة، تعرفون قصة إبراهيم -عليه السلام: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26].

أخيرًا، قال: (وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾[الإنسان:7]).

النذر من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله -سبحانه وتعالى.

طيب، سؤال: ورد في هذه الآية قال في ثنائه على المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾[الإنسان:7].

في الحديث: النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بالخير، وإنما يستخرج به من البخيل».

كيف نجمع بين الأمرين؟

قال العلماء: النذر على نوعين:

- النذر المطلق: وهذا كأن ينذر الإنسان أن يحرص على الصلاة، أن يحج، أن يأتي بأعمال البر؛ فهذا النذر هو الذي أثنى الله على المؤمنين بالوفاء به.

- أما النذر المقيَّد الذي يكون مقابل نعمة، إن شفيت مريضي فسأفعل كذا، إن نجحت في دراستي سأحج بيت الله الحرام، فهذا النذر جائز ويجب الوفاء به، لكنه مكروه كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر.

هذه بعض العبادات التي ذكرها -رحمه الله-، لكن القاعدة: إذا كان الله هو المستحق للعبادة؛ فلا يجوز أن نصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ومَن صرف منها شيئًا لغير الله فقد ضل سواء السبيل، كما ذكر ذلك الباري -سبحانه وتعالى.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأسأل الله -عز وجل- أن يجمعنا في هذه الحياة على طاعته، ويم القيامة في مستقر رحمته.

اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل متقبل مبرور، وتجارة لن تبور يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا عسيرا إلا يسرته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا مبتلًى إلا عافيته، ولا عقيمًا إلا ذرية صالحة رزقته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام آمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم مَن أراد مصر وأراد بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره يا ذا الجلال والإكرام، اجمع يا رب كلمتنا على الحق والدين.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات 180- 182].

http://islamacademy.net/media_as_home.php?parentid=60