الحقوق محفوظة لأصحابها

طارق عوض الله
مادة شرح متن البيقونية

لفضيلة الشيخ/ طارق عوض الله

الدرس (6)

إنَّ الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.

وبعد:

اليوم -بإذن الله تعالى- سنتناول أنواعًا أخرى من أنواع علوم الحديث التي ذكرها البيقونيُّ في منظومته المعروفة.

أول الأنواع التي سنتناولها اليوم -إن شاء الله تعالى- ما يُسمَّى عند علماء الحديث بـ(العالي والنَّازل).

فعلماء الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- كان من شأنهم وعادتهم الحرص على العُلو في الإسناد، حتى قال قائلُهم: "الأعلى أغلى"، بمعنى أنَّهم حينما يريدون أن يسمعوا الأحاديث من شيوخهم ينظرون إلى الشيخ الذي عنده إسنادٌ أعلى من غيره، ومعنى كونه أعلى: أنَّ الوسائط وعدد الرواة في روايته أقل من عدد الرواة في رواية شيخٍ آخر.

وهنا يتجلى معنى العُلو، فعلماء الحديث مثلًا إذا أرادوا أن يسمعوا أحاديث معينةً ينظرون إلى مَن عنده أعلى إسناد أو رواية لهذا الحديث، فيحرصون على سماع الأحاديث التي أسانيدها عالية، والعكس صحيحٌ في تعاملهم مع الأحاديث التي أسانيدها نازلة، أي أنَّ الوسائط فيها وعدد الرواة أكثر، فكلما قلَّ عددُ الرواة في الإسناد بين الراوي ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان الإسنادُ أعلى، وكلما كثُرَ عددُ الرواة بين الراوي ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان الإسنادُ أنزل، وبطبيعة الحال قلَّة الوسائط لها فوائد عظيمة سنتناولها -إن شاء الله تعالى.

علماء الحديث كان عندهم هذا الحرص، حتى تجد الواحد منهم قد يسمع الحديث أكثر من مرةٍ من أكثر من شيخٍ رغبةً في حصول العُلو، فربما طلب الحديثَ أو سمعه أولًا من بعض الشيوخ الذين لهم في الحديث إسنادٌ نازلٌ، أي أنَّ عدد الرواة في الإسناد كثيرون، ثم يبلغه أنَّ هناك شيخًا من الشيوخ يروي الحديثَ نفسه بأسانيد عالية، فيسمعه ثانيةً، وهكذا حتى يحصل على أعلى إسنادٍ لكلِّ حديثٍ عنده عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

ويُشير المؤلفُ -رحمه الله تعالى- إلى هذا المعنى في بيتٍ قائلًا:

وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ عَلَا *** وَضِدُّهُ ذَاكَ الَّذِي قَدْ نَزَلَا

فهو يُشير إلى العُلو والنُّزول، فكلما قلَّ عددُ الرواة في الإسناد كلما كان الإسناد عاليًا، وكلما كثُر عدد الرواة في إسنادٍ من الأسانيد كان ذلك الإسناد نازلًا.

لكن علماء الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- وهم يتعاملون مع العالي والنَّازل قد تفننوا في تقسيم هذا النوع، فذكروا أنَّ هذا النوع منه ما يُسمَّى بـ(العُلو المُطلَق)، ومنه ما يُسمَّى بـ(العُلو النِّسبي)، وبالمناسبة: كلُّ أنواع علوم الحديث منها ما يصدق عليه وصف المُطلَق، ومنها ما يصدق عليها وصف النِّسبي.

فالصَّحيح مثلًا منه الصَّحيح المُطلَق، ومنه الصَّحيح النِّسبي. كيف هذا؟

نقول مثلًا: هذا حديثٌ صحيحٌ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذه صحَّة مُطلقة، أي أنَّ الحديث صحيحٌ إلى مَن أُضيف إليه ونُسِبَ إليه وهو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن قد يقولون هذا حديثٌ صحيحٌ بالنِّسبة إلى راوٍ من رواة الإسناد، لا بالنسبة إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

فمثلًا لو أنَّ محمد بن شِهاب الزُّهري -وهذا من أئمَّة التابعين- روى حديثًا مُرسلًا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا الحديث إذا نظرنا إلى صحته عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- هل هو صحيحٌ؟ لا يُوصَف بأنَّه صحيحٌ، لماذا؟ لأنَّه من نوع المُرسَل، والمُرسَل من الأنواع التي سقط فيها بعضُ الرواة، وإذا ما سقط بعضُ الرواة من الإسناد لم يكن الحديثُ من قسم المقبول؛ بل هو من قسم المردود؛ لأنَّ التابعي لم يُدرِك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا ما روى الحديثَ عن رسول الله فبالضَّرورة بينه وبين رسول الله رجلٌ أو أكثر، فقد يكون صحابيًّا، وقد يكون تابعيًّا مع الصَّحابي، وهكذا.

لكن يأتي العلماء فيقولون: هذا حديثٌ صحيحٌ إلى الزُّهري، مع كونه مُرسَلًا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فماذا يقصدون؟

يقصدون أنَّ هذا الحديث صحَّ أنَّ الزُّهري رواه بهذا الإسناد المُرسَل، فهل الصحة بالنسبة إلى إضافة الخبر إلى رسول الله أم بالنسبة إلى إضافة الخبر إلى الزُّهري؟ إلى الزُّهري فحسب، فهذه صحَّة بالنسبة إلى الزُّهري فقط، لا بالنسبة إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

إذن كما أشرتُ سابقًا أنَّ ما من وصفٍ من أوصاف الحديث، وما من لقبٍ من ألقاب الحديث، وما من نوعٍ من أنواع الحديث؛ إلا وله في كلام العلماء إطلاقٌ يُراد به المعنى المُطلَق، وإطلاقٌ يُراد به المعنى النِّسبي.

كذلك في هذا الباب -الذي هو العالي والنَّازل- هناك إطلاقٌ يُراد به المعنى المُطلَق لمعنى العُلو، وربما يقولون: عالٍ. ويقصدون معنىً نسبيًّا لا معنًى مُطلقًا، فكيف نُميِّز؟

يقول العلماء: إذا أردت بالعُلو النظر إلى قلَّة عدد الرواة بينك وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا من العُلو المُطلَق.

بمعنى: عندنا رجلان في عصرٍ واحدٍ، وفي زمانٍ واحدٍ؛ كلاهما يروي حديثًا واحدًا عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والأول بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- خمسة رواة، والآخر بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ستة رواة.

إذن مَن أعلى ومَن أنزل؟

الذي بينه وبين رسول الله خمسة يكون أعلى من الذي بينه وبين رسول الله ستة.

كيف يقع ذلك؟

يقع ذلك بأن يكون الذي بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- خمسة قد سمع الحديثَ من شيخٍ يرويه بإسنادٍ له عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أمَّا الآخر الذي بينه وبين رسول الله ستة، من أين جاء هذا الرجل الزائد في الإسناد؟ من جهة أنَّه تأخَّر في سماع الحديث، فلم يُدرِك الشيخَ الذي سمع منه الراوي الأول، فإذا به يرويه عن رجلٍ سمعه من الشيخ الذي سمعه منه الراوي الأول، فصار هناك رجلٌ زائدٌ.

فمثلًا: أنا قد أسمع حديثًا من بعض الشيوخ الكبار كالشيخ الألباني، وكالشيخ ابن باز، وكالشيخ العُثيمين -عليهم رحمة الله تعالى- ويأتي آخر لم يُدرِك هؤلاء الشيوخ، فيضطر إلى أن يسمع الحديثَ من بعض تلامذة هؤلاء الشيوخ، فتكون في إسناده زيادةُ رجلٍ، بخلاف الذي سمع الحديثَ من الشيوخ الكبار، فلا تكون هناك واسطة بينه وبين هؤلاء الشيوخ، فلأجل هذا تقل الوسائطُ في الإسناد الأول، بينما تزيد الوسائطُ في الإسناد الثاني، ومن هنا يكون الإسنادُ الأول أعلى، والإسناد الآخر نازل.

أنا بالضَّرورة إذا أردتُ أن أسمع الحديث، وبين يدي شيخان، كلاهما يروي الحديث، أحدهما بينه وبين رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- خمسة، والآخر بينه وبين رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- ستة، إلى مَن سأذهب لأسمع منه الحديث؟ ممن بينه وبين رسول الله خمسة أم ممن بينه وبين رسول الله ستة؟ ممن بينه وبين رسول الله خمسة؛ لأنَّ هذا يُعطيني مزيَّة العُلو، والعُلو له فوائد سنذكرها -إن شاء الله.

فمزية العُلو يشعر بها في هذا الزمان الذين يحرصون على سماع القرآن أو قراءة القرآن على الشيوخ -القُرَّاء- فيقولون: الشيخ الفلاني أعلى إسنادًا على وجه الأرض، أو الشيخ الفلاني إسناده أعلى مقارنةً بإسناد الشيخ الآخر. فتجد الطالب الذي له همَّة والحريص على ختم القرآن على مشايخ؛ يحرص على أن يقرأ القرآن ويحصل على إجازات الشيوخ الذين أسانيدهم عالية، بخلاف الشيوخ الآخرين الذين أسانيدهم نازلة.

هناك مَن يجمع بين الحُسنيين، فيسمع من هذا ويسمع من هذا؛ فإنَّ هذا للعالم المُتخصص مهمٌّ جدًّا؛ لأنَّه ينتفع به بعد ذلك في المقارنة بين رواية هذا ورواية هذا، وينتفع به بعد ذلك إذا أراد أن يحكم على روايةٍ بالصحة أو بالضَّعف، أو بأنَّ الراوي أصاب فيها أو أخطأ، فإنَّ من شأن علماء الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- الإكثار من سماع الحديث، أو من سماع روايات الحديث الواحد.

كان بعضُ العلماء كالإمام يحيى بن معين يقول: "إنَّا لنسمع الحديثَ من ثلاثين وجهًا".

وقيل لبعض العلماء: أُريد أن أسمع منك حديث أبي بكر الصديق. فذكر الحديث. فقال للجارية في بيته: هاتِ الصندوقَ الثاني المجلد الخامس من حديث أبي بكر الصديق -سبحان الله! هو طبعًا يعرف هذه الصَّناديق التي يضع فيها كتبه فكيف يُرتِّبها؟- فقال: هاتِ الصندوق الثاني، المجلد الخامس. فتعجب السَّائل وقال له: يا إمام، إنَّ أبا بكر الصديق ليس له من الحديث إلا القليل، فكيف يكون عندك عن أبي بكر الصديق هذا الكم الهائل من الأحاديث؟! فماذا قال له؟ قال: يا ابن أخي، إني إذا لم أسمع الحديثَ من ثلاثين وجهًا فأنا فيه يتيمٌ، كأنني لم أسمعه.

فكانوا يسمعون الحديثَ الواحد من هذا الشيخ وهذا الشيخ وهذا الشيخ وهذا الشيخ، بعُلُوٍّ وبنزولٍ؛ ليُقارن بين الروايات بعد ذلك ويعرف صواب مَن أصاب، وخطأ مَن أخطأ، وهذا ما يُسمَّى عندهم بـ(الاعتبار) وبـ(التَّتبُّع) وبـ(السَّبْر)، وقد أشرنا إلى هذا سابقًا عندما كنا نتكلم عن ضبط الراوي وكيفية معرفته، ولعلنا نُعرِّج عليه بعد ذلك -إن شاء الله- بنوعٍ من التَّفصيل.

إذن العُلُو المُطلَق هو: قلَّة الوسائط بينك وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مُقارنةً برواية غيرك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا هو العُلُو المُطلَق.

هناك العُلُو النِّسبي: وهو أيضًا يشترك مع العُلو المُطلَق في قلَّة الوسائط، لكن -كما أشرنا سابقًا- العُلُو المُطلَق: الوسائط بين الراوي ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن العُلُو النِّسبي لا يكون كذلك؛ إنَّما هو قلَّة الوسائط بين الراوي وأحد الرُّواة المعروفين المشهورين المُعتمدين الذين يدور عليهم إسنادُ الحديث.

فعندما ننظر إلى قضية النِّسبية هاهنا -أي العُلو النِّسبي- نجد مثلًا أنَّ عندنا رجلين كليهما يروي الحديثَ نفسه، فأحدهما بينه وبين الإمام مالك -لم نقل: بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- خمسة أنفس، والآخر بينه وبين الإمام مالك ستة أنفس، فمَن أعلى ممن؟ مَن بينه وبين الإمام مالك خمسة يكون أعلى ممن بينه وبين الإمام مالك ستة.

إذن هنا العُلو بالنِّسبة إلى رواية الراوي عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أم بالنسبة إلى رواية الراوي إلى الإمام مالك؟

بالنسبة إلى رواية الراوي إلى الإمام مالك.

فواحدٌ يقول: ما الفرق؟ فكلاهما يروي حديثًا واحدًا عن مالك، ومالك يرويه عن نافع عن ابن عمر، فبين مالك ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الروايتين عددٌ واحدٌ، فإذا كان هناك عُلو بالنسبة إلى مالك فبالضَّرورة هو عُلو أيضًا بالنسبة إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم!

نقول: لا، ليس هذا لازمًا؛ لأنَّه أحيانًا يروي الإمامُ الواحد الحديثَ بروايتين، رواية بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها رجلان مثلًا، ورواية أخرى بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها ثلاثة، أو بينه وبين رسول الله واحد.

مثل الإمام الزهري -عليه رحمة الله تعالى- وهو من المُكْثِرين من رواية الحديث، فقد يروي الإمامُ الزهري الحديثَ الواحد بأكثر من إسنادٍ، فنجد مثلًا الزُّهري يروي الحديثَ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذن بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- رجلان.

وأحيانًا هو قد يسمع من أنس بن مالك -رضي الله عنه- فأحيانًا يروي الحديثَ عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذن بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- رجلٌ واحدٌ.

فلو أنَّ أحد الرجلين يروي الحديثَ عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، والآخر يروي الحديثَ عن الزُّهري عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فحينئذٍ إذا نظرنا إلى مَن فوق الزهري فالأعداد مختلفة، والوسائط مختلفة، فلأجل هذا نحن لا ننظر فيمَن فوق الزهري في الإسناد، وإنَّما ننظر فيمَن دون الزهري، فبيني وبين الزهري ستة، وبينك وبين الزهري خمسة، فمَن بينه وبين الزهري خمسة أعلى ممن بينه وبين الزهري ستة، فهذا يُسمَّى عُلُوًّا نسبيًّا، أي عُلو بالنِّسبة إلى إمامٍ من الأئمَّة المُعتمدين المعروفين برواية الحديث وحفظه، لا بالنسبة إلى الراوي ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

هناك صورةٌ أخرى من العُلو النِّسبي، ألا وهي: العُلو بالنِّسبة إلى كتابٍ من كتب الحديث المعروفة المُعتمدة المشهورة.

إذن النوع الأول من العُلو النِّسبي مُتعلِّق بأحد رواة الحديث المعروفين المشهورين. لكن الصُّورة الثانية مُتعلِّقة بكتابٍ من كتب الحديث المعروفة المشهورة المُتداولة، يعني مثلًا: صحيح الإمام البخاري -عليه رحمة الله تعالى.

ولابُدَّ أن يكون عندنا إدراكٌ أن كتب الحديثَ التي صنَّفها علماءُ الحديث وصلت إلينا بالإسناد أيضًا، فلابد أن نفهم هذا الموضوع، فكلُّ كتب الحديث التي صنَّفها علماءُ الحديث -عليهم رحمة الله تعالى- نحن في زماننا هذا عندنا أسانيد إلى هؤلاء المُصنِّفين أصحاب هذه الكتب، وهذا لا تكاد تجده إلا في كتب الحديث، فالإسناد هو عماد هذا الدين كما قال الإمام سفيان الثَّوري: "الإسناد من الدين، ولولا الإسنادُ لقال مَن شاء ما شاء". وقال عبد الله بن المبارك: "لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء".

فهذه الأُمَّة مبنية على الخبر، على الرواية، على النقل، فليس الدينُ بالرأي، وليس الدين بالمِزاج الشَّخصي.

الدِّينُ لا يَثْبُت إِلَّا بِخَبَر *** لَا يَثْبُت الدِّينُ بِرَأيٍ ونَظَرْ

وَإِنَّمَا سَبِيلُهُ الإِسْنَادُ *** فَهْوَ الَّذِي عَلَيهِ الِاعْتِمَادُ

فإذن هذه الكتب المُصنَّفة التي صنَّفها علماءُ الحديث مثل صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، والكتب الأربعة، ومسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، وغيرها من كتب الحديث؛ وصلت إلينا بالأسانيد المشهورة، بل المُستَفِيضَة إلى هؤلاء المُصنِّفين، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجة وأحمد بن حنبل والإمام مالك وغيرهم.

فلأجل هذا صار هناك عُلوٌّ بالنسبة إلى هؤلاء المُصنِّفين أصحاب هذه الكتب، فتجد مثلًا رجلان كلاهما يروي صحيح البخاري عن الإمام البخاري، وأحدهما إسناده إلى صحيح البخاري -أي إلى الإمام البخاري صاحب الصحيح- بينه وبين البخاري فيه ستة أنفس، والآخر يروي أيضًا صحيح البخاري، ولكن بينه وبين الإمام البخاري خمسة أنفس.

إذن مَن أعلى ممن؟ الذي بينه وبين البخاري خمسة أعلى من الذي بينه وبين البخاري ستة.

إذن كلُّ الباب مبنيٌّ على النظر إلى عدد الرواة في الإسناد، فكلما قلَّ عددُ الرواة كلما كان الإسنادُ عليًا، وكلما كثُرَ عددُ الرواة كلما كان الإسنادُ نازلًا.

واحد يقول: ما الفائدة من العُلُو والنُّزول؟ فالحديث صحيحٌ أو ضعيفٌ، فإن تحقَّقت فيه شرائط الصحة فهو صحيحٌ، وإن لم تتحقق شرائطُ الصحة فهو غير صحيحٍ، بصرف النظر أهو من العالي أو من النازل!

نقول: لا، ليس الأمر كذلك. لماذا؟

لأنَّ العلماء يتعاملون مع رواة الحديث على أنَّهم بشرٌ من البشر، وهذا أمرٌ لا خلاف عليه، فهم يُصيبون كما يُصيب الناسُ، ويُخطئون كما يُخطئ الناس، ومهما كان الراوي مُتوغِّلًا في الحفظ والإتقان والثِّقة فلابُدَّ أن تقع له أخطاء ولو قليلة؛ لأنَّه ليس معصومًا من الخطأ.

يقول الشاعر:

شَخَصَ الأَنَامُ إِلَى كَمَالِكَ فَاسْتَعِذْ *** مِن شَرِّ حَاسِدِهِم بِعَيبٍ وَاحِدِ

ويقول الآخر:

وَمَن ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا *** كَفَى المَرْء نُبْلًا أَن تُعَدَّ مَعَايبُه

فالخطأ سمةٌ من سمات الإنسان، وإنَّما يتفاضل الناسُ في كثرة ما عندهم من الصواب، وقلَّة ما عندهم من الأخطاء، لكن لا وجودَ لإنسانٍ ليست عنده أخطاء بالمرة.

وعليه؛ فلو أنَّ الإسناد مُشتملٌ على عدد رواةٍ كثيرين فاحتمال الخطأ أكثر، لماذا؟ لأنَّ كلَّ راوٍ من رواة الإسناد يُحتمَل أن يكون أصاب، ويُحتمَل أن يكون أخطأ، وكلما زاد عددُ الرواة كان احتمال الخطأ أكثر، بخلاف قلَّة عدد الرواة فإنَّه يقل احتمال الخطأ في الإسناد؛ لأنَّ قلَّة هؤلاء الرواة ستُقلل هذا الاحتمال.

هيا بنا نُشبهه بأمرٍ نحن نعيشه ونتعايش معه في حياتنا اليومية: هل إذا اشتريت سيارةً من المستورد الرئيس -وهو الوكيل- يكون مثلما تشتريها من معرضٍ اشتراها من واحدٍ، والواحد هذا اشتراها من واحدٍ، والواحد اشتراها من الوكيل؟

فحين تأخذها من الوكيل مباشرةً فأنت تأمن أن تكون هذه السيارةُ قد أصابها بعضُ الخلل، أو بعض العيوب؛ نتيجة تنقُّلها من بائعٍ إلى آخر، فأنت تأخذ السيارة من المصدر الرئيس وأنت مُطمئنٌّ، ولذلك يدفع بعضُ الناس أموالًا أكثر للمصدر الرئيس للسيارات ويقولون: نطمئن ونحن نشتري السيارات من المصدر الرئيس. بخلاف مَن يشتري سيارته من رجلٍ بائعٍ صغيرٍ، أو معرضٍ صغيرٍ؛ فربما يكون قد اشتراها من آخر، وآخر اشتراها من آخر؛ فربما تُصاب السيارة ببعض العيوب نتيجة تنقُّلها من واحدٍ إلى واحدٍ، أو من بائعٍ إلى بائعٍ، فأنت لا تأمن أن تكون السيارةُ بعد أن اشتريتها من هذا البائع الصغير أصابها شيءٌ من الأشياء التي تعيبها، وهذه هي الفكرة التي تُوضِّح لك الفرق بين العالي والنَّازل.

فالعُلو أنَّك تأخذ السيارة من المستورد الرئيس، والنُّزول أن تأخذها بالوسائط.

فالفرق بين هذا وذاك، والميزة التي تُميز الذي يشتري السيارة من المستورد الرئيس عمَّن اشتراها من بائعٍ آخر صغير؛ هو الفرق بين العالي والنَّازل في رواية الحديث، فالذي يأخذ الحديثَ بعُلُوٍّ يأخذه من مصدره الرئيس، والذي يأخذ الحديثَ بنزولٍ يأخذه من بائعٍ صغيرٍ.

كذلك أيضًا: عندما تريد أن تبحث عن حديثٍ من الأحاديث، فتفتح صحيح البخاري وتطلع في الكتاب نفسه على الحديث الذي تُريده، فتأخذه من كتاب البخاري مباشرةً، هل يستوي هذا في التَّوثيق مع مَن يأخذ الحديثَ من كتابٍ نقل عن البخاري أنَّه روى الحديث الفلاني؟ بالطبع لا، فربما أخطأ هذا الناقل الذي نقل الحديثَ عن البخاري في النَّقل، أو اختصر الحديثَ، أو رواه بالمعنى، أو نحو ذلك.

فهناك فرقٌ بين أن تأخذ الحديثَ من مصدره الرئيس وأن تأخذه بواسطةٍ، فالواسطة لا يُؤمَن معها أن يقع خللٌ في النَّقل، أو خللٌ في الرواية، أو خللٌ في حكاية ما في الكتاب عن الإمام البخاري -عليه رحمة الله تعالى.

ولهذا كان علماؤنا -رحمهم الله- دائمًا وأبدًا ينصحون بالأخذ من الأصول، والأخذ من المصادر الرئيسة، وعدم الأخذ من الكتب الفرعية التي تحكي وتنقل عن العلماء أو عن الكتب الأصلية، طبعًا هذا إذا تمكَّنت من ذلك واستطعت، فإن استطعت أن تأخذ الحديثَ من كتابٍ أصلي كالبخاري ومسلم مثلًا فهذا أفضلُ بطبيعة الحال ممن يأخذ الحديثَ من كتابٍ آخر ينقل عن هذه الكتب، أو ينقل عن كتبٍ نقلت عن تلك الكتب، هذا هو المعنى المقصود من نوع العالي والنَّازل.

انتقل بنا المؤلفُ -رحمه الله تعالى- بعد ذلك إلى نوعٍ آخر، فقال:

وَمَا أَضَفْتَهُ إِلَى الأَصْحَابِ مِنْ *** قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَهْوَ مَوْقُوفٌ زُكِنْ

أي أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.

وزُكِن: أي عُلِم.

هنا يتكلم عن الحديث الموقوف: وقد تكلَّمنا في لقاءٍ سابقٍ عن المرفوع والموقوف والمقطوع. وقلنا: إنَّ المرفوع هو: ما يُضاف إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

والموقوف هو: ما أُضِيف إلى واحدٍ من صحابة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عنهم أجمعين.

والمقطوع هو: ما أُضيف إلى أحد التابعين -رحمهم الله جميعًا.

وحين تكلَّمنا عن المرفوع والمقطوع سابقًا لم يكن المؤلفُ قد نظم الموقوف، فنحن تكلَّمنا عن الموقوف لكونه من جملة الكلام عن المرفوع والمقطوع، لكنَّه هنا أفرده ببيتٍ، فنكتفي بما ذكرناه سابقًا عن الموقوف عندما تكلَّمنا عن المرفوع والمقطوع؛ لأنَّ الكلام الذي قلناه سابقًا هو الذي سنقوله الآن، فلا جديدَ نحتاج إلى ذكره هذه المرة.

ثم قال:

وَمُرْسَلٌ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ سَقَطْ

يتكلم هنا عن الحديث المرسل:

ونحن قلنا قبل ذلك: من شروط الحديث الصَّحيح أن يكون الإسنادُ مُتَّصلًا، وقلنا: إذا لم يتَّصل الإسنادُ بأن كان هناك راوٍ قد سقط أو أكثر من الإسناد؛ يتولَّد عن ذلك أنواع، وكلُّ هذه الأنواع تندرج تحت قسم السَّقط من الإسناد، فذكرنا: (المُرسَل، والمُعَلَّق، والمُنْقَطِع، والمُعْضَل، والمُدَلَّس أو الإرسال الخفي)، ستة أنواع.

وقد ذكر المؤلفُ هنا المُرسَل، فقال:

وَمُرْسَلٌ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ سَقَطْ

ماذا يُريد أن يقول هنا؟

يعني هو ما يرويه التابعي عن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- لأنَّ التابعي عادةً يروي عن صحابيٍّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا لم يُذكَر الصَّحابي فسيكون من رواية التابعي عن رسول الله؛ فيكون ذلك من قبيل المُرسَل الذي ليس هو من المُتَّصل.

فهو يُريد أن يقول: إنَّ المُرسَل: هو ما رواه التَّابعي عن رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- فعبَّر بهذا التعبير، فقال: ما سقط منه الصَّحابي، ولكن هذا التَّعبير تعبيرٌ ناقِصٌ.

والتعبير الأتم والأصح هو ما ذكره الحافظُ ابن حجر العسقلاني -عليه رحمة الله تعالى- فقال في تعريف المُرسَل: هو ما رفعه التابعيُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لماذا؟

إذا قلنا: رفعه التابعي إلى رسول الله، أي هو ما يرويه التابعي عن رسول الله، سواء من قوله أو من فعله.

أمَّا إذا قلنا: ما سقط من إسناده الصحابي، وإن كان يُفهَم منه أنَّه من رواية التَّابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن هنا قد يُوهِم معنًى غيرَ مرادٍ؛ لأنَّ التابعي لا يروي دائمًا عن صحابيٍّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وإنَّما أحيانًا يروي عن تابعيٍّ آخر عن صحابيٍّ عن رسول الله، أو يروي عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يعني حتى الحديث المشهور -وهذا يعني نحتاجه كثيرًا في دراسة علم الحديث- حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، يرويه مَن؟ يحيى بن سعيد الأنصاري -وهذا تابعي- عن محمد بن إبراهيم التَّيمي -وهذا تابعي- عن علقمة بن وقَّاص الليثي -وهذا تابعي- عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، وهذا صحابي- عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

فلو أردنا أن نُطبِّق تعريف المؤلف من أنَّ المُرسَل ما سقط من إسناده الصَّحابي، بمعنى أن يسقط في هذا الإسناد مثلًا ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فهنا مُرسَل أم ليس مُرسَلًا؟ نعم هو مُرسَلٌ؛ لأنَّه سيكون من رواية علقمة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لكن لو أنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري قال: عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أليس هذا مُرسَلٌ أيضًا؟ مُرسَلٌ؛ لأنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري تابعي، وهو يروي الحديثَ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا يصدق عليه اسم المُرسَل؛ لأنَّه من رواية التابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

طيب، هذا الإسناد بهذه الكيفية، هل سقط منه الصَّحابي فقط، أم سقط منه صحابيٌّ وتابعيَّان؟

إذن تعريف المؤلف لا يشمل هذه الصورة، ونحن ندرس في العلوم يقول لك: التعريف لابُدَّ أن يكون جامعًا مانعًا، ما معنى (جامعًا مانعًا)؟

أي يجمع هذا التَّعريف كلَّ الصور التي تدخل تحت هذا المُعرَّف، ويمنع من دخول أيّ صورةٍ أخرى لا تدخل في هذا المُعرَّف.

فعندما أقول: إنَّ المُرسَل ما سقط من إسناده الصَّحابي، سيأتي واحدٌ ويقول: لا، أحيانًا قد يسقط من المُرسَل الصَّحابي والتَّابعي، وليس الصَّحابي فقط، فيما إذا قال مثلًا: يحيى بن سعيد الأنصاري عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهذا سقط منه حينئذٍ تابعيان وصحابي، ولم يسقط صحابيٌّ فقط.

فتعريف المُرسَل بأنَّه: "ما سقط من إسناده الصَّحابي"؛ لا يشمل هذه الصُّورة، مع كونها داخلةً في المرسل.

إذن التعريف هنا ليس جامعًا، ولا يشمل كلَّ صور المُرسَل، وإنَّما التعريف الأصح الذي ذكره العلماءُ -كابن حجرٍ وغيره- هو: ما رفعه التابعيُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بصرف النظر عن عدد الوسائط التي سقطت بين هذا التابعي ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

فالإمام الزُّهري معدودٌ من صغار التابعين، ما معنى "من صغار التَّابعين"؟

عندنا شيءٌ اسمه الطَّبقات، فالرواة طبقات، والصحابة عندنا كبار الصَّحابة، مثل الخلفاء الأربعة، وهناك أواسط الصحابة، وهناك صِغار الصَّحابة.

فصغار الصَّحابة: هم الذين أدركوا رسولَ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولكن مات رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهم صغارٌ في السن، مثل أنس بن مالك، وأبي الطُّفيل عامر بن واثلة، فهؤلاء صحابة، ولكنَّهم صغارٌ في السن، فمات عنهم رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهم صغارٌ في السن، وهؤلاء الصِّغار طال عمرهم فأدركهم صغارُ التابعين، بينما كبارُ التابعين أدركوا كبارَ الصحابة، مثل سعيد بن المُسيب، وقيس بن أبي حازم، فقيس بن أبي حازم يُقال أنَّه أدرك العشرة المُبَشَّرين بالجنة من كبار الصَّحابة.

والزُّهري رغم أنَّه أدرك من الصَّحابة أنس بن مالك؛ لكن عند مُحققي العلماء هو لم يُدرِك ولم يسمع من أحدٍ من الصحابة إلا من أنس بن مالك، فإذا ما روى عن أنس بن مالك فالإسناد مُتَّصل، وإذا سمع الحديثَ من أنسٍ ثم رواه مباشرةً عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فهنا قد أسقط فقط الصَّحابي، لكنَّه في غير ما سمعه من أنس في الأعم الأغلب يكون بينه وبين رسول الله رجلان أو أكثر؛ لأنَّ بينه وبين أبي هريرة مثلًا رجلين؛ لأنَّ من عادته أن يروي عن سعيد بن المُسيب عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

إذن إذا روى الحديثَ عن رسول الله مُباشرةً فما تحمَّله عن سعيد بن المُسيب عن أبي هريرة؛ فيكون بينه وبين رسول الله رجلان: أبو هريرة، وسعيد بن المُسيب. فهذا المُرسَل قد سقط منه رجلان: صحابي وتابعي؛ لأنَّ سعيد بن المُسيب من التابعين وليس من الصحابة.

فإذن لا تدخل هذه الصُّورة في تعريف المؤلف؛ لأنَّه سقط مع الصَّحابي تابعيٌّ.

كذلك الزُّهري يروي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذن بينه وبين رسول الله صحابي وتابعي، فإذا ما روى مثل هذا الحديث عن رسول الله مُباشرةً يكون قد أسقط صحابيًّا وتابعيًّا وهو سالم بن عبد الله بن عمر.

إذن التعريف الذي يقول: إنَّ المُرسَل هو ما سقط من إسناده الصَّحابي. هذا تعريفٌ ناقصٌ غير جامعٍ؛ لأنَّه لا يشمل كلَّ الصُّور التي يصدق عليها اسم المُرسَل، وإنَّما التعريف الأصح هو أن نقول: المُرسَل ما رواه التَّابعي عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- مُباشرةً من غير واسطةٍ بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

قال الناظم:

وَقُلْ غَرِيْبٌ مَا رَوَى رَاوٍ فَقَطْ

نحن ذكرنا الغريب والعزيز والمشهور في اللِّقاء الماضي، فقلنا: الغريب: هو ما رواه واحدٌ.

والعزيز: هو ما رواه اثنان في رأي الحافظ ابن حجر. أو رواه اثنان أو ثلاثة في رأي غيره.

والمشهور: هو ما رواه ثلاثةٌ فصاعدًا -أيّ فأكثر- في رأي الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أو هو ما رواه أكثر من ثلاثةٍ في رأي غيره من علماء الحديث.

إذن هنا جاء ذكر الغريب الذي لم يذكره الإمامُ سابقًا، فقال:

وَقُلْ غَرِيْبٌ مَا رَوَى رَاوٍ فَقَطْ

فنقول فيه ما قلناه سابقًا أيضًا.

ثم انتقل إلى نوعٍ آخر، وهو ما يُسمَّى بالمُنْقَطِع:

في أيِّ قسمٍ يدخل المُنْقَطِع؟

تعالوا نقرأ البيتَ ونحاول أن نُصنِّفه، وطالب العلم لابُدَّ أن يكون عنده تصنيفٌ للعلم، ما معنى تصنيفٌ للعلم؟

هذا العلم عبارةٌ عن أقسامٍ: فأقسامٌ تُعالِج جانبًا، وأقسامٌ تُعالِج جانبًا، وأقسامٌ أخرى تُعالِج جانبًا، فلابُدَّ أن تعرف في كلِّ جانبٍ الأقسام التي تندرج تحته حتى تستطيع أن تُصنِّف العلم.

قال الناظمُ:

وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَالِ *** إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأَوْصَالِ

إذن يتكلم عن قضية اتِّصالٍ أم قضية رواةٍ أم قضية روايات؟

اتِّصال، فلكي تُصنِّف العلمَ تأمَّل تعريف الحديث الصَّحيح، فالحديث الصَّحيح هو ما اتَّصل إسنادُه بنقل العدل الضَّابط عن مثله إلى مُنتهاه من غير شذوذٍ أو عِلَّةٍ.

إذن عندنا ثلاثة أقسامٍ:

- قسمٌ مُتعلِّقٌ بالاتِّصال وعدمه.

- وقسمٌ مُتعلِّقٌ بالرواة جرحًا وتعديلًا.

- وقسمٌ مُتعلِّقٌ بالرواية نفسها، سواء حفظ أو عدم حفظٍ، صواب أو خطأ من قِبَل مَن رواها، وهذا يدخل فيه الشُّذوذ والعِلَّة.

فأيُّ نوعٍ من أنواع الحديث لابُدَّ أن تُصنِّفه، والصِّنف هذا مُتعلِّقٌ بالراوي، أم مُتعلِّقٌ بالرواية، أم مُتعلِّقٌ بقضايا الاتِّصال والانقطاع؟

حين نتكلم عن المُرسَل فإنَّه مُتعلِّقٌ بالاتِّصال والانقطاع.

والمُعْضَل، والمُنْقَطِع، والمُدَلَّس، فكلُّ هذه مُتعلِّقة بقضية السَّقط من الإسناد، فإمَّا أن يكون مُتَّصلًا أو ليس مُتَّصلًا.

فهنا يتكلم عن قضية اتِّصالٍ، إذن هو يندرج تحت باب المُرسَل والمُعْضَل والمُعَلَّق والمُدَلَّس والمُرْسَل الخَفِي.

فيقول المُنْقَطِع هو: ما لم يتَّصل بحالٍ. وهنا اعتمد التعريف العام لكلمة "مُنْقَطِع"؛ لأنَّ المُنْقَطِع عند علماء الحديث أحيانًا يُطلَق على السَّقط مهما وقع، فكلُّ أنواع السَّقط -التي هي ستة- يُسمِّيها العلماءُ مُنقطع، وأيضًا يُسمُّونها مُرسَل، فلفظ المُرسَل ولفظ المُنْقَطِع أحيانًا كثيرةً يأتيا في استعمال أهل العلم بمعنى عدم الاتِّصال، بصرف النظر عن موضع هذا السَّقط أو عدد السَّاقطين في الرواية.

وَأَطْلَقُوا المُرْسَلَ وَالمُنْقَطِعَ *** تَوَسُّعًا لِلسَّقْطِ مَهْمَا وَقَعَ

لكن علماء الحديث يُميزون بين المنقطع وغيره من أنواع السَّقط من الإسناد بقيودٍ مُعينةٍ، وبأوصافٍ معينةٍ، فيقولون: إنَّ المُنْقَطِع: هو ما سقط منه راوٍ من أثناء الإسناد، وليس من أول الإسناد، ولا من آخر الإسناد، وإنَّما سقوط راوٍ واحدٍ من أثناء الإسناد، فهذا نُسميه مُنقطعًا.

والمُرسَل أين يكون موضعه؟ في آخر الإسناد الذي هو أقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم.

والمُعَلَّق عكسه -والمُعَلَّق ليس من مباحث هذه المنظومة- فيكون من بداية الإسناد، أي في طرفه الذي هو أقرب إلى المُؤلف الذي خرَّج الحديثَ في كتابه، والمُعْضَل سيأتي بعده.

قال:

وَالمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ

ما معناه؟

نحن قلنا: المُنقَطِع: هو ما سقط منه واحدٌ من أثناء الإسناد، أي من الوسط، فلا هو من بداية السَّند، ولا من نهاية السند، فإن كان من بداية السَّند فهو مُعلَّق، وإن كان من نهاية السَّند فهو مُرسَل، وإن كان من وسط الإسناد فهو مُنقَطِع.

ثم قال:

وَالمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ

إذن هناك فرقٌ بين المُعْضَل والمُنقَطِع: فالمُنقطع سقط منه واحدٌ، والمُعْضَل سقط منه رجلان.

لكن هنا قيدٌ مُهمٌّ جدًّا: أن يكون هذان الرَّجلان اللذان سقطا من هذا الإسناد متواليين، ما معنى متواليين؟ أي مُتتابعين، ما معنى متتابعين؟

يعني مثلًا: طارق عوض الله -هداه الله عز وجل- سمع حديثًا من محمد، ومحمد سمعه من علي، وعلي سمعه من إبراهيم، فيروي عليٌّ الحديثَ عن إبراهيم. فهل هذا مُتَّصل أم غير مُتَّصل؟ هو مُتَّصل.

لكن يأتي محمد فيروي الحديثَ عن إبراهيم، فيسقط من الوسط واحدٌ.

إذن هذا اسمه مُنقطع.

لكن علي وإبراهيم كلاهما سقط؛ فيكون مُعْضَلًا، فالراوي وشيخه، أو الشيخ وتلميذه، أيُّهما سقط الأول ليس مشكلةً، المهم أنَّ الاثنان يسقطان -الراوي وشيخه- فهذا نُسميه مُعْضَلًا.

إذن سقوط راويين من موضعٍ واحدٍ مع التوالي، مع التتابع -الراوي والشيخ.

طيب واحد يقول لك: لو سقط راويان غير متواليين، يعني عندنا راوٍ سقط وشيخه موجود، لكن شيخ شيخه غير موجودٍ، فماذا نُسمِّي هذا؟ أمُنقطع أم مُعْضَل؟

لو قلنا مُنْقَطِع، فنحن قلنا أنَّ المُنْقَطِع يسقط فيه واحدٌ؛ لكن هذين اثنان.

ولو قلنا مُعْضَل، فنحن قلنا أنَّ المُعْضَل لابُدَّ فيه من سقوط رجلين من موضعٍ واحدٍ، وهنا هما ليسا من موضعٍ واحدٍ. فأين نُدخله؟

العلماء قالوا -كابن حجر وغيره: "هو من المُنقَطِع أيضًا، لكن يُقال فيه: مُنقَطِع من موضعين"؛ لأنَّ الانقطاع هو سقوط راوٍ من موضعٍ، فإذا سقط راوٍ آخر من موضعٍ آخر؛ فهو مُنقَطِع من موضعٍ، ومُنقَطِع من موضعٍ آخر، فله عِلَّتان:

- علَّة الانقطاع في موضعٍ.

- وعلَّة الانقطاع في الموضع الآخر.

فهناك سقطان في الإسناد، فكلُّ سقطٍ منه يندرج تحت نوع المنقطع، فهو مُنقَطِع من موضعين اثنين، وبهذا يتميز عن المُعْضَل.

فالمُعْضَل سقط منه راويان، لكنَّهما من موضعٍ واحدٍ.

والمُنْقَطِع قد يسقط منه راويان، ولكنَّهما ليسا من موضعٍ واحدٍ.

وبهذا يتميز المُعْضَل عن المُنْقَطِع.

نكتفي بهذا القدر؛ لأنَّ التَّدليس -نوع المُدَلَّس، وهذا من أصناف السَّقط من الإسناد- فيه كلامٌ يحتاج إلى تفصيلٍ، فنُرجِئه -إن شاء الله تعالى- للقاء القادم، ونُعطي الفرصة للإجابة على الأسئلة التي بين أيديكم، أو التي جاءتنا عن طريق الإيميل. تفضل.

{هل المُرسَل كلُّه ضعيفٌ، أم يوجد منه ما يصلح للاحتجاج؟}

كلامٌ جميلٌ، المُرسَل نحن قلنا في تعريفه أنَّه: ما رواه التابعيُّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ونحن لماذا لا نحتجُّ بالمُرسَل؟ ألأنَّ هناك صحابيًّا سقط؟ لا؛ لأنَّ ذكر الصَّحابي وعدم ذكره سواء، فالصحابة كلُّهم -رضي الله عنهم جميعًا- عدولٌ أُمناء، فمعرفتنا باسم الصَّحابي أو عدم معرفتنا باسمه لا تضُر، فإذا تحقَّقنا أنَّ التابعي أسقط بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- صحابيًّا فقط؛ فهو حُجَّة بطبيعة الحال إذا تحققنا من هذا.

واحدٌ يقول: كيف نتحقق من هذا؟

نتحقق من هذا من رواياتٍ أخرى، فهذه الرواية وقعت مُرسلةً، لكن جاء الحديثُ بروايةٍ أخرى بيَّنت ما سقط ذكرُه في هذه الرواية، فإذا تحققنا من أنَّ الذي سقط في الرواية المُرسَلة هو صحابي؛ فالحديث صحيحٌ.

هذا هو الأمر الأول.

الأمر الثاني: التابعيُّ قد يُسقط تابعيًّا وصحابيًّا، والتَّابعون فيهم الثِّقات وغير الثِّقات، فإذا تحقَّقنا أنَّ هذا التَّابعي لا يروي إلا عن الثِّقات، وليس له شيخٌ إلا وهو ثقة، فهنا نقبل المُرسَل؛ لأنَّه حتى وإن أسقط ذلك التَّابعي، ويُحتمَل أن يكون غير ثقةٍ، لكن هذا التابعي الذي أحدث الإرسال نحن نعلم من شأنه ومذهبه وعادته في روايته للحديث أنَّه إذا ما أسقط لا يُسقِط إلا الثِّقات، فحينئذٍ نطمئن إلى أنَّ هذا المُرسَل من قبيل الصحيح.

أو أن تأتي روايةٌ أخرى تُبين اسمَ التابعي الذي سقط في الرواية المُرسَلة، ويتبين لنا أنَّ هذا التابعي الذي أُسقِط في الرواية المُرسَلة من جملة الثِّقات، فحينئذٍ يكون المُرسَل صحيحًا، والعلماء لهم تفاصيل في التَّعامل مع مثل هذه الروايات.

يعني مثلًا: أبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود؛ لأنَّ سيدنا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- لما مات كان ابنُه أبو عُبيدة في بطن أُمِّه –أي كانت حاملًا فيه- فقد وُلِدَ بعد وفاة أبيه.

إذن نحن نفهم بالضَّرورة أنَّه لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود، فإذا روى عن أبيه فبالضَّرورة بينه وبين أبيه رجلٌ سقط على الأقل، فهذه روايةٌ مُنقطعة؛ لأنَّ التابعي يروي عن صحابيٍّ، إذن السَّقط من أثناء الإسناد.

لكن العلماء قالوا: إنَّ أبا عُبيدة رغم أنَّه لم يسمع من أبيه إلا أنَّه أخذ علم أبيه من أهل بيت ابن مسعودٍ، وأهل بيت ابن مسعودٍ ثقات، فأبو عُبيدة أخذ الأحاديثَ من ثقاتٍ يروون عن أبيه عبد الله بن مسعودٍ، فاطمأننا إلى صحَّة هذه الروايات، مع أننا لم نعرف عين الراوي أو عين مَن حدَّث الحديثَ لأبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود.

ومثل حُمَيد الطويل في روايته عن أنس بن مالك، فهناك أحاديث لم يسمعها من أنس بن مالك، لكن العلماء قالوا: إنَّ هذه الأحاديث التي يرويها عن أنس من غير سماعٍ إنَّما أخذها من ثقات أصحاب أنس، مثل: قتادة بن دعَامَة السَّدوسي، وثابت بن أسلم البناني، وهما من كبار أصحاب أنس بن مالكٍ الثِّقات المُعتَمَدين.

فإذن نحن اطمأننا إلى صحَّة المخارج، وأنَّها مأخوذةٌ عن الثِّقات.

إذن المسألة فيها تفاصيل، وللعلماء في هذه المجالات صَوَلات وجَوَلات تدلُّ على إدراكهم الواسع ومعرفتهم واطِّلاعهم على مخارج الروايات.

{إذا سقط راويان من أول الإسناد؟}

إذا سقط راويان من أول الإسناد، يعني مثلًا البخاري.

{سقط راويان بعد البخاري}.

هل تقصد شيخ البخاري وشيخ شيخه؟

{نعم}.

هذا مُعَلَّق، فهو داخلٌ في المُعلَّق، فما دام السَّقط في بداية السَّند فيُسمَّى مُعَلَّق.

{هل الانقطاع في طبقة التابعين كالانقطاع في الطَّبقات التي بعد ذلك؟}

يختلف بناءً على استقراء العلماء؛ لأنَّ العلماء لما استقرؤوا الروايات وتتبعوها وعرفوا مخارجها؛ عرفوا أنَّ الضَّعف في الرواة في الطَّبقات النازلة أكثر منه في الطَّبقات العالية.

فالتابعون مثلًا فيهم الثِّقات وفيهم غير الثِّقات، لكن أغلبهم من الثِّقات، بخلاف تابعي التابعين، وتبع أتباع التابعين، فكلما نزلنا بالإسناد كلما كان عددُ الضُّعفاء أكثر، وشدَّة الضَّعف أكثر.

فالتَّابعون نعم فيهم ضُعفاء لكن لا تجد فيهم كذَّابين، فلا تكاد تجد فيهم مَن عُرِفَ بالكذب، لكن عُرِفَ الكذبُ في طبقة تابعي التَّابعين، وتبع أتباع التابعين، فكلَّما نزلنا بالإسناد كلَّما كان مُوجِب الضَّعف أقوى، وكلما علونا بالإسناد واقتربنا من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان مُوجِب الضَّعف أخفَّ.

فلهذا تعامل العلماءُ -عليهم رحمة الله تعالى- مع هذه الرِّوايات بهذا الفقه وهذا الفهم، فقد يكون أحدُ الرواة ضعيفًا في طبقة التابعين، وراوٍ آخر ضعيفًا في طبقة تابعي التابعين أو الطَّبقات التي بعد ذلك، فهم يعلمون أنَّ هذا ضعيف وهذا ضعيف، لكن ضعف هذا يختلف عن ضعف هذا، فضلًا عن أنَّنا نحتاج هذا الأمر في مسألةٍ أخرى، وهي ما يتعلَّق بمسألة التَّفرد، فتفرد أهل الطَّبقات العُليا القريبة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد يُحتمَل، ولا يُحتمَل التَّفرد في الطَّبقات النازلة، حتى قال الإمامُ الشافعي -عليه رحمة الله تعالى- في كتابه "الرسالة": "ومَن نظر في العلم بخبرةٍ وقِلَّة غفلةٍ استوحش من مُرسَل كلِّ مَن دون كبار التابعين بدلائل ظاهرةٍ فيها".

فالإمام الشافعي يُعطينا فقهًا في المسألة، فيُبيِّن أنَّ ما أرسله كبارُ التابعين يختلف عما أرسله صغارُ التابعين، فهذا مُرسَلٌ وهذا مُرسلٌ، لكن مُرسَل كبار التابعين أحسن حالًا من مُرسَل صغار التابعين، وهذا -كما قلتُ- له تفاصيل مُطوَّلة في بحوث أهل العلم.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلمَ النافع والعمل الصَّالح، وأن يُفهِّمنا من العلم ما يُعيننا على تقواه والعمل بما تعلَّمناه، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.

سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

http://islamacademy.net/cats3.php