الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد راتب النابلسي
التفسير المطول - سورة التوبة 009 - الدرس ( 29-70 ) : تفسير الآيات 34 - 35 ،التعميم من العمى.

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-12-03

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

القرآن علمنا الموضوعية و عدم التعميم:

أيها الأخوة الأكارم، مع الدرس التاسع والعشرين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الرابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[سورة التوبة]

أيها الأخوة الكرام، أول ملمح في هذه الآية الموضوعية الرائعة التي نلمحها في القرآن، لم يقل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إن الأحبار والرهبان، هذا تعميم، والتعميم دائماً يجانب الحقيقة، والتعميم من العمى، وأنا أنصح أخوتي الكرام ألا تعمم، ألا تطلق حكماً عاماً على كل الناس، قل: إن بعض الناس.

﴿ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾

، وإن من أهل الكتاب من يفعل كذا وكذا، القرآن كلام خالق الأكوان، علمنا أن نأتي بأحكام موضوعية، أحكام متوازنة، فلذلك أحياناً يوصف الأمي والجاهل بأحكامه التعميمية.

مثلاً زار إنسان مدينة فانزعج من بعض المعاملات، يقول: كلهم كذابون، كلهم غشاشون، علامة الأمية والجهل التعميم، والإنسان المؤمن والمثقف لا يعمم، والقرآن علمنا الموضوعية.

التعميم من العمى وهو من خصائص الجهلاء:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾



، لو تصورنا أن الآية يا أيها الذين آمنوا إن الأحبار والرهبان، وكان هناك حبر- الحبر من علماء اليهود، والرهبان من عباد النصارى- قرأ هذه الآية على هذا الشكل: إن الأحبار والرهبان، ولم يكن كذلك يشك في القرآن، القرآن يعطي أحكاماً موضوعية.

﴿ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾



، عود نفسك ألا تطلق أحكاماً عامة، لا تقل كل أصحاب هذه الحرفة غشاشون، إياك أن تقول هذا، لأن التعميم من العمى، والتعميم من خصائص الجهلاء، والتعميم فيه فجاجة وعدم نضج، والتعميم يبعدك عن الموضوعية.

أيّ منفعة بنيت على مضرة فهي حرام وأي منفعة بنيت على منفعة فهي حلال:

أيها الأخوة،

﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



، إذا قال الله عز وجل: يأكلون أموال الناس بالباطل، معنى ذلك أن هناك أكلاً لمال الناس بالحق، كيف؟ أنت فتحت بقالية، ذهبت إلى السوق المركزي فجراً، واشتريت خمسين صنفاً من الخضراوات والفواكه، وجئت بها إلى محلك التجاري، جيرانك استيقظوا صباحاً، مشوا أمتاراً، وجدوا الفواكه والخضار، طبعاً بسعر أغلى من سعر التسوق، هذا الفرق بين التسوق وبين البيع، هي أرباح التاجر، هو خدمك وذهب للسوق المركزي وجاء بهذه الأصناف، أضاف عليها ربحاً، باعك إياها وأنت إلى جانب بيتك، قدم لك خدمة، أكاد أقول: إن الدخل الحلال فيه صفة رائعة أنه منافع متبادلة، البائع انتفع بهذا الفارق بين سعر الشراء والبيع، وأنت انتفعت وجدت حاجتك إلى جانب البيت، أنت انتفعت بوجود الحاجات إلى جانبك، وهو انتفع بهذا الفرق بين الشراء والبيع، فكل منفعة متبادلة في الأعمّ الأغلب تنطوي تحت الحلال.

لكن أوضح سرقة، المنتفع هو السارق وصاحب المال هو الخاسر، إنسان انتفع وإنسان خسر، وكأن الحرام منفعة يقابلها خسارة، مضرة، منفعة قامت على مضرة، لو تتبعت الأموال الحرام، الربا، السرقة، الاحتيال، الغش، لوجدت أن مالاً أُخذ بغير حق، منفعة انتفع بها البائع بناها على مضره، ضرّ بها الشاري، أي منفعة بنيت على مضرة في الأعمّ الأغلب هذه الطريقة في كسب المال تصنف تحت الحرام، وأي منفعة بنيت على منفعة في الأعمّ الأغلب هذه العلاقة التي من شأنها أنها تنضوي على منفعتين أو على منافع متبادلة تنضوي تحت الحلال.

الطرائق لكسب المال الحرام لا تعد ولا تحصى وكلها مبنية على الوهم والتضليل:

لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



، يقدم له وهماً، يقدم له فكرة لا أصل لها، يلقي في روعه أنه بهذا المبلغ سيغفر له، لذلك رجال الدين في العصور الوسطى، باعوا صكوك الغفران، تدفع ثمن الصكوك تغفر لك كل ذنوبك، هذا الذي أعطاك هذا الصك هل يملك أن يغفر لك كل ذنوبك؟ دائماً أكل الأموال بالباطل لها مليون طريق وطريق، والله الطرائق لكسب المال الحرام لا تعد ولا تحصى، وكلها مبنية على الوهم، والتضليل، والإيهام، وأساليب لا يقبلها الله عز وجل، تدليس، تضليل، إيهام، كذب، غش.

لذلك البطولة أن يكون دخلك حلالاً، إن كان الدخل حلالاً أنت من أسعد الناس، دائماً وأبداً الدخل الحرام له نتائج سيئة جداً، هذا اللحم الذي ينبت من حلال يبارك الله فيه، هناك لحم ينبت من سحت، من مال حرام، فهذا الأب الذي يأكل المال الحرام ويطعم أولاده هناك مشكلة في حياته كبيرة.

والله التقيت بإنسان، قال لي: عمري ست و تسعون سنة، البارحة أجريت تحليلاً كاملاً للدم والبول، سبحان الله! كله طبيعي، لا يوجد شيء خلاف النسبة الطبيعية، ثم قال لي: والله ما أكلت بحياتي قرشاً حراماً، ولا أعرف الحرام، أول حرام حرام المال، وثاني حرام حرام النساء.

الاستقامة عين الكرامة:

لذلك:

((استقيموا ولن تُحْصُوا))

[أخرجه مالك في عن بلاغ مالك]

الاستقامة عين الكرامة، كما أنه في التجارة يمكن أن تضغط التجارة بكل نشاطاتها، والله فيها أكثر من مئة ألف نشاط، نشاط متنوع، شراء، بيع، دعاية سفر، أخذ وكالات، إنشاء معارض، ترويج بضاعة، طبع فواتير، شراء مستودعات، أكثر من مئة ألف نشاط، كل هذه النشاطات تضغط في كلمة واحدة، إنها الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، قياساً على هذا وكل نشاطات الدين، تؤلف كتاباً، تلقي محاضرة، تنتسب لمعهد شرعي، تذهب للحج و للعمرة، لو هناك مئة ألف نشاط ديني، كل هذه النشاطات يمكن أن تضغط بكلمة واحدة إنها الاستقامة، فإن لم تستقم لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، دين من دون استقامة ثقافة، عادات، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، طموحات إسلامية، اهتمامات إسلامية، مشاعر إسلامية، بطاقة إسلامية، زخرفة إسلامية، أقواس إسلامية، الدين شيء والإسلاميات شيء آخر، الآن الدول مهما انحرفت، مهما انتشر فيها الفسق والفجور، يقال لك: بلد إسلامي، لأن فيه أبنية إسلامية، و بطاقات إسلامية، و معالم إسلامية، وآثار إسلامية، الدين شيء آخر، الدين منهج يومي، لذلك لا تهتم كثيراً بما يقال، أرضية إسلامية، خلفية إسلامية، اهتمامات إسلامية، مؤلفات إسلامية، مشاعر إسلامية، فن إسلامي، الإسلام شيء آخر، الإسلام منهج مطبق، إن لم يطبق أصبح الدين ثقافة، وأصبح الدين تراثاً، وأصبح الدين من منجزات الأمة الفكرية.

تحري الحلال وغض البصر عن محارم الله حصنان يقيان المؤمن من أخطر انحرافين:

لذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾



، فإذا كان الحبرُ أو الراهب يأكل المال الحرام فما قولك ببقية أتباع هذا الدين؟ أي يمكن أن تضغط كل المعاصي والآثام في بندين، بند متعلق بالمال، وبند متعلق بالنساء فقط، كل الفضائح بالعالم بتاريخ البشرية فضائح مالية، أو جنسية، شهوتا المال والجنس وراء جميع الانحرافات.

فلذلك المؤمن حينما يحصن نفسه من موضوع المال الحرام، والعلاقة الآثمة المحرمة مع النساء، نجا من أكبر مطبات الإنسان، أكبر مطبين ينتظران الإنسان مطب المرأة ومطب المال، ولو استعرضت الفضائح في تاريخ البشرية لا تزيد عن نوعين من الفضائح، فضيحة مالية اختلاس، فضيحة جنسية زنى فقط.

لذلك تحري الحلال وغض البصر عن محارم الله حصنان يقيان المؤمن من أخطر انحرافين في الحياة، أما أكل المال بالحق، درست اختصاصاً، صرت طبيباً، جاءك مريض عالجته، تقاضيت الأجرة، هذه تأخذها بالحلال، درست هندسة، أنشأت مخططاً لبناء، تلقيت الأجر، درست صيدلة، فتحت صيدلية، بعت الدواء، تلقيت ربحاً، كل حرفة مقبولة مادامت مشروعة، لذلك في الإسلام بدائل، ما حرم عليك شيء إلا جعل لك بدائل له.

مثلاً يقول لك: نحن بحاجة إلى التأمين، هناك تأمين محرم، التأمين التجاري محرم، والتأمين التعاوني مندوب، تصور مئة تاجر أقمشة، عملوا صندوقاً للتأمين، وضع كل واحد بهذا الصندوق مئة ألف، أي عشرة ملايين، عشرة ملايين هذا مال لهم وظفوه بمشاريع، إن صار هناك عطب لأحد التجار، أخذ من هذا الصندوق تعويضاً، تأمين تعاوني، هذا من أرقى أنواع التأمين، أنت مالك محفوظ لك، وقد يستثمر، وإذا أصاب أحد زملائك مصيبة يدفع من هذا الصندوق، لا يوجد أروع من التأمين التعاوني، والآن بدأ ينتشر، هذا حلال، بل مندوب، لا تصدق شيئاً حرمه الله ليس له بديل حلال.

أنواع المال الحرام لا تعد ولا تحصى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



والله الذي لا إله إلا هو لو أردت أن تستوعب وأن تستقصي أنواع المال الحرام، والله لا تعد ولا تحصى، يكفي أن توهم الشاري أن هذه البضاعة سوف يمنع استيرادها، والفكرة ليس لها أصل، أنت أوقعته بحالة نفسية قلقة، فاشترى ولم يسأل عن السعر، أنت استغليت قلقه ورفعت السعر، هذا مال حرام، والله أكاد أقول لكم: أكثر من تسعين بالمئة من طريقة كسب المال في العمل التجاري المحرم مبني على الوهم، أو الاحتكار، أو الإيهام، أو الغش.

لذلك هذا الإنسان الذي يغير الواقع في البيع والشراء لا يظن نفسه ذكياً، أحياناً إنسان يجمع مالاً حراماً خلال عشر سنوات، يذهب بمصادرة واحدة، يذهب بكارثة واحدة، أنت جمعتهم خلال عشر سنوات و ذهبوا بليلة واحدة.

والله إنسان أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداًً، احترق محله التجاري، فأنا أمامه والمحل يحترق، لكن أظنه صالحاً، قال لي: أنا أعمل بهذا العمل منذ ثلاثين سنة، لعلي أكلت مالاً حراماً بهذه السنوات، فجمع الله لي إياهن بهذا الحريق، وجدته راضياً، هناك عدل إلهي، لعلي أكلت مالاً حراماً خطأ بالبيع والشراء، عنده معمل نسيج، وعنده محل للبيع، محل البيع احترق، فخسر حوالي عشرة ملايين ليرة بضاعة، قال لي: هناك خطأ مني، لعلي أكلت مالاً حراماً بثلاثين سنة.

ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة:

يجب أن تعتقد يقيناً أنه لا يوجد مصاب ينزل بلا سبب، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، حاول ألا تجامل نفسك، حاول ألا تحابي نفسك، الله عز وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً ﴾



، ما قال إن كل الأحبار والرهبان، تعلم الموضوعية، تعلم ألا تطلق أحكاماً عامة، تعلم ألا تتهم الكل، لا يتهم الكل إلا الأحمق، وكلما ارتقت علاقتك الموضوعية ترتقي عند الله، وكلما عممت تعميماً سريعاً باطلاً تسقط من عين الله.

﴿ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



، الباطل الشيء الزائل، والباطل الشيء العابث، العبث والزوال من صفات الباطل، والثبات والنماء من صفات الحق، سبحان الله! إذا كان المال حلالاً فالمال ينمو وينمو وينمو، يقول لك: بدأنا بمئة ألف، الآن معنا مئات الملايين، هناك مال حلال لأنه ينمو، يأتي إنسان يحاول أن يكون ذكياً وهو بهذا من أغبى الأغبياء لأنه أكل أموال الناس بالباطل، وجمع ثروة طائلة، فوقع في أخطاء مدمرة، وخسر جميع ماله، وأدبه الله.

أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تجد خيراً في المعصية، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تجد سوءاً في الطاعة، الطاعة كلها خير، والمعصية كلها شر، لكن لحكمة بالغة قد يكون الشر غير واضح، لكن الواضح هو المبلغ الكبير، هذا المبلغ الكبير قد يُدفع على صحة الإنسان، بتعبير آخر الله عز وجل عنده ملايين الخيارات، تجمع مالاً كثيراً بطريق غير صحيح مرض واحد يمنعك من التمتع بهذا المال.

كان عندي طالب له قريب صاحب دار سينما، فهو يأتي بالأفلام الساقطة كي تروج مشاهدتها عند الناس، وهذه السينما من الدرجة الخامسة أو العاشرة، وانحرافات، وهو في الأربعينات صار معه ورم خبيث، فزاره طالبي لأن هذا الشخص يكون خاله، بكى وقال له: أنا حاولت عن طريق الأفلام أن أجمع ثروة طائلة لأتمتع فيها بخريف عمري، ها قد وافتني المنية بوقت مبكر.

أي لا تظن أنه يمكن أن تقوم بعمل يؤذي الناس وتنجو من عذاب الله.

من صفات المجتمع المنحرف أكل أموال الناس بالباطل وصدّ عن سبيل الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾



، إن أردت أن تصف المجتمع المنحرف، صفتان جامعتان مانعتان، أكل أموال الناس بالباطل، وصدّ عن سبيل الله، مال حرام، ومحاربة للدين، وهذا عمل العالم كله الآن، البنوك، والمصارف، والأموال الربوية، والابتزاز بوسائل مشروعة وغير مشروعة، وصد عن ذكر الله.

أيها الأخوة الكرام،

﴿ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



المنفعتان المتبادلان من خصائص المال الحلال، والمنفعة التي تقوم على مضرة من خصائص المال الحرام، من أكل أموال الناس بالباطل أن تستخدم الإيهام، والكذب، والدجل، ومع أكل أموال الناس بالباطل هناك صدّ عن سبيل الله.

على الإنسان أن ينطلق في كسب المال لا من حاجته بل من قدرته:

ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

أيها الأخوة من ملامح هذه الآيات أن الإنسان ينبغي أن يكسب لا بقدر حاجته بل بقدر إمكاناته، لماذا؟ لو كسب بقدر حاجاته وأنفق الذي كسبه على حاجاته هناك أشخاص كُثر لا يملكون القدرة على كسب المال، هؤلاء يموتون من الجوع، فكل مؤمن ينبغي أن يكتسب بحسب قدرته على الكسب، والفائض ينفقه بحسب أموال الزكاة أو الصدقة على من لا قدرة له على كسب المال فصار هناك توازن بالمجتمع.

فدائماً يجب أن تنطلق في كسب المال لا من حاجتك بل من قدرتك، مادام الإنفاق واجباً، إذاً ينبغي أن تكتسب المال بطريقة تزيد عن حاجتك كي تعطي الفقراء والمساكين.

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق:

أيها الأخوة، الله عز وجل جعل من الذهب والفضة أصلين للعُملات، الآن حتى الورقة العملية أصلها ذهب أو فضة، أي مغطاة في المؤسسات النقدية بعدد من الأوزان الذهبية تكافئ هذه الأوراق الورقية المطبوعة.

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾



، معنى ذلك أن الإنفاق ينبغي أن يكون في سبيل الله، والإنفاق كلمة واسعة جداً، أي عمل خيري في سبيل الله، أي عمل دعوي في سبيل الله، أي عمل تعليمي في سبيل الله، أي سدّ لحاجات الفقراء في سبيل الله، أي مشروع ينتفع منه الفقراء في سبيل الله، أي مشروع تعليمي، أي مشروع صحي، لذلك الطرائق طرائق إنفاق المال في سبيل الله لا تعد ولا تحصى، ومن أراد العمل الصالح والله أمامه مليون طريق وطريق.

مرة لفت نظري إنسان عنده بنت كلما جاءه خاطب لا يرجع وهي صالحة جداً وحافظة لكتاب الله، فاشترى لها بيتاً وجعل هذا البيت لها، فجاءها خطاب كثر، شاب لا يوجد عنده بيت، وهي فتاة معها بيت، فهذه الفكرة راقت له فأنشأ بناء، وكل فتاة ممن يعرفها صالحة، حافظة لكتاب الله، محجبة، يكتب لها بيتاً صغيراً فتتزوج سريعاً، انظر هذا العمل لا يأتي ببال إنسان، هيأ زواجاً لفتيات مؤمنات، طاهرات، عفيفات، حافظات لكتابه.

والله الأعمال الصالحة لها طرائق، وأساليب، وأنواع، وصور، لا تعد ولا تحصى، أنا أجمعها بهذه الكلمة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، والله لا يوجد إنسان من الحاضرين وأنا معكم، إلا بإمكانه ضمن عمله أن يعمل عملاً صالحاً، ضمن بيئته، ضمن بيته، ضمن إمكانيته، ضمن أوضاعه، ضمن أوضاعه العامة، له أن يعمل عملاً صالحاً.

من عاش تقياً عاش قوياً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



، سمعت عن أشخاص كثيرين عاشوا سنوات طويلة، و هناك عالم من علماء الشام بلغ من العمر ثمان و تسعين سنة، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، حينما يُسأل يا سيدي! ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.

البطولة في خريف العمر، فالذي نشأ بصلاح وورع وتقى له عند الله خريف عمر كبير.

أخواننا الكرام، لا تبتعدوا كثيراً، مرة أقيم حفل لعلماء الشام، عدد كبير منهم تجاوز المئة، ويتمتع بأعلى درجات الصحة، سبحان الله! من علامات التوفيق أن يطول العمر، ويحسن العمل.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

، أشخاص كثيرون والله التقيت بهم وحدثوني عن استقامتهم، من ثمار هذه الاستقامة أنهم في أعلى درجات، في أكبر أعمارهم كانوا سعداء، ويتمتعون بصحة جيدة.

مهمة الإنسان أن يربي ابناً صالحاً يحسن إدارة المال من بعده:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾



، هذا إنسان أحمق يعيش فقيراً ليموت غنياً، إنسان كان شديداً بالإنفاق شدة مبالغ بها، توفي ترك مئات الملايين في السبعينات، فصديق المتوفى رأى ابن المتوفى، شاب، قال له أين ذاهب؟ اسمحوا لي بهذه الكلمة قال له: ذاهب لأسكر على روح أبي، الإنسان إذا لم يربِ أولاده وترك مالاً، يكون قد ترك المال للفسقة، وقد يتألم ألماً لا حدود له، لذلك تربية الأولاد أهم بألف مرة من جمع المال، هناك و الله أولاد صالحون، والله ترك لهم آباؤهم ملايين مملينة، كلها أنفقت في مشاريع خيرية، وأعمال صالحة، كل بطولتك أن يرثك ابن مؤمن، هذا يحسن إدارة المال من بعدك، هذا يجعل هذا المال في صحائفك.

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

المال لا يمكن أن يكون هدفاً إن جعلته هدفاً أخطأت التصرف، المال وسيلة، يقول أحد الصحابة: حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي، هاتان مهمتان كبيرتان للمال.

النار عاقبة من كنز الذهب و الفضة:

﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

هذا العذاب:

﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾

[سورة التوبة الآية:35]

إنسان فقير سألك سؤالاً، فقلت له بجبهتك: لا يوجد معي، هذه الجبهة، وأحياناً تعطيه طرف جسمك، الجنب، وأحياناً تدير له ظهرك، فالأجزاء الثلاث من الجسم التي عبرت على عدم الإنفاق الجبهة والجنب والظهر:

﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾

﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

[سورة التوبة]

والله أيها الأخوة عندي قصص عن أناس تركوا أموالاً طائلة، وتركوا ذرية فاسدة، فهذه الأموال أنفقت في المعاصي والآثام، هم حصّلوها بكد وتعب شديد، وأولادهم أنفقوها في المعاصي والآثام.

لذلك ورد أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي! يا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي.

المال أحد أكبر الأشياء التي سوف يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة:

أخواننا الكرام، أحد أكبر الأشياء التي سوف تحاسب عليها المال من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟ معك جواب؟.

يروى أن إنساناً من كبار أثرياء مصر توفي، وأولاده علموا أن أصعب ليلة للميت هي أول ليلة، فخافوا عليه، فخطر في بالهم أن يكلفوا إنساناً لينام معه أول ليلة، أحضروا إنساناً فقيراً جداً يكاد يموت من الجوع، أعطوه عشرة جنيهات لينام في هذه الليلة مع أبيهم في القبر، جاء الملكان فرأيا شخصين قال أحدهما للآخر: عجيب، هناك اثنان في القبر، يبدو أن الحي خاف فتحرك، فقال أحدهما للآخر: هذا حي وليس بميت، بدؤوا به فأجلسوه، من شدة فقره أحضر كيساً، فتحه من مكان من أجل رأسه، ومن طرفيه من أجل يديه، وربطه بحبل - طبعاً القصة الرمزية – فلما أجلسوه بدؤوا بالحبل، هذا الحبل من أين أتيت به؟ قال لهم: من البستان، كيف دخلت للبستان؟ لم يعرف الجواب فضربوه ضرباً مبرحاً، فهذا عندما خرج من القبر، قال: أعان الله أباكم.

والله الذي لا إله إلا هو سوف نحاسب عن كل شيء، والله عن ابتسامة بغير محلها، إنسان صديقك قال لك: ماذا نفعل إذا الإنسان لا يغش لا يعيش؟ إن قلت له: والله معك حق، أو هززت برأسك أن هذا الكلام صحيح، فهذا إثم كبير، والله لا أبالغ سوف نحاسب عن كل شيء، ما لم نستغفر، ونتوب، القضية ليست سهلة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ﴾

بجبهته رفض، فلما ألح أعطاه جنبه، فلما ازداد في الإلحاح أعطاه ظهره.

أشقى الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً:

﴿ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، والله هناك أشخاص عاشوا حياة الكفاف وتركوا مئات الملايين، والله لا أبالغ أحد أخواننا الكرام، كافح التسول في الشام لسنتين متتاليتين قال لي جمعت تقريباً 1500ألف و خمسمئة متسول، حقق معهم، الفقراء منهم خمسة أشخاص فقط، والبقية معهم مليون بالبنك أو سبعمئة ألف أو ثمانمئة ألف، ومظهره متسول.

لذلك التوجيه القرآني أن الذي يستحق منك صدقة:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾

[سورة البقرة الآية:273]

أخواننا الكرام، الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ﴾



، هذه النقطة تعلمنا الموضوعية، ليس كل الأحبار والرهبان،

﴿إِنَّ كَثِيراً﴾

﴿ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾



، بطرق غير مشروعة، بالإيهام، والكذب، والدجل،

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾



، هذا أشقى الناس، عاش فقيراً ليموت غنياً.

﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

والحمد لله رب العالمين

http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=6997&id=97&sid=101&ssid=257&sssid=258