الحقوق محفوظة لأصحابها

عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إياكم أن تعتقدوا أيها الناس أن بناء الحضارة يكون في دنيا جميلة وزاهية ومن نجاح إلى نجاح، فهو يستلزم وجود الأزمات وكثيرًا ما تكون الأزمات رحمةً من الله تعالى لاختبار صلابة الأمة.

ولا تحزنوا بسبب أن العالم العربي ممتلئ بالأزمات في الفترة الحالية والتي قد تكون أصعب فترة نمر بها، ولكن اعلموا أن زمن الأزمات يبين معادن الناس ويبين المخلصين منهم وينتج ناس تحترمهم الأمة عبر التاريخ، فالأزمات لازمة لكل حضارة، ومن الجميل أن يكتشف الناس مدى الرحمة الربانية التي نزلت عليهم بعد الأزمة، ولكن زمن الأزمات يحتاج رجال همهم كهم عمر رضي الله عنه، ويخافون على الناس كخوف عمر.

اليوم سنتكلم عن عام الرمادة وهو ليس بالعام العادي أبدًا؛ فهو العام الذي حصلت فيه كارثة طبيعية وهي انقطاع المطر، فسبَّب ذلك مجاعةً شديدة، ولأجل أن نُختَبر ويُضرَب مثل فنحن بحاجة في أزماتنا لأشخاص كعمر رضي الله عنه، فلنعلم ماذا فعل عمر أبو العيال الذي يعشق أمته وماذا سيحصل في عام الرمادة.

عام الرمادة..

ليست كل الأيام التي تمر بها الحضارة أيام انتعاش وانفتاح وأموال وإقبال، ولكن يلزم أن يختبر الله عباده وتختبر الدولة الجديدة والحضارة الجديدة ويختبر عمر ويختبر الناس الذين أسسوا الحضارة، فنعرف كيف سيتصرفون وهل ستنتصر قيمهم؟

سنتحدث عن عام الرمادة سنتي 17-18 هـ، وقد سُمي عام الرمادة لأن لون الأرض تغير من شدة الجفاف فأصبح كالرماد، والأرض عندما تهب عليها ريح يتطاير التراب كالرماد والجبال أصبحت رمادية، وفي الحقيقة هاتين السنتين من أصعب السنين التي عاشها عمر من يوم ولدته أمه، فماذا حصل؟

جفت الأرض وتوقف المطر تمامًا لمدة سنتين، فماتت الثروة الحيوانية لدرجة أن الناس أصبحوا في حالة هزال شديد، وحصلت أزمة اقتصادية حادة جدًا فلا يوجد مطر ولا أكل والماشية تموت، والناس في الصحارى لا يعلمون كيف يعيشون فقاموا بخلع خيامهم متجهين إلى المدينة، حتى أصبح 60,000 أعرابي في المدينة يريدون الطعام.

حتى أن الوحوش استؤنست؛ فالذئب أصبح لا يهدد الماشية ولا الراعي لأنه في حالة هزال شديد، وقد كان الرجل يذبح الضأن فلا يجد فيها ما يؤكل؛ كلها عظام، وقد كانت الشام أيضًا في نفس الوقت سنة 17-18 هـ تعاني من الطاعون فقد مات 25000 شخص بسببه، حتى أن قريةً بالكامل ماتت فلم يجدوا أحدًا يرثها!

وعلى هذا أصبح كلا الجزيرة العربية والشام في أزمة شديدة، فكيف سيتصرف عمر؟

الستون ألفًا من الأعراب، والشام، والأمة منتظرين ماذا سيفعل عمر، وكيف سيقوم بتحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة؟ أي كلما رأى نقطة ضعف كان يخشى منها في حضارته يحولها إلى نقاط قوة، فعمر يملك أسلوب إدارة غير عادي فهو يفكر بإقامة الحضارة حتى في أحلك الأزمات، ففكِّروا يا ناس كيف نحوّل نقاط الضعف إلى قوة في ظل الأزمات التي يمر بها العالم العربي.

وكانت هناك خمس نقاط ضعف استفاد منها، وهي:-

1- الأعراب حول المدينة كانوا يهددون الأمن العام، وكان إيمانهم ضعيف وليسوا على تواصل مع المجتمع، فيستفيد من حاجتهم للأكل من مسلمي المدينة بأن يدخلهم فيهم؛ فقام بعمل وليمة يومية من بيت مال المسلمين لأن الدولة كانت غنية، وكان يقول: والله لو لم يبقى إلا درهمٌ واحد لأطعمت أهل البادية، كانت الوليمة للستين ألفًا كل يوم عشرة آلاف يجمع بها الأعراب مع أهل المدينة فيختلطوا بهم ويخدموهم فلا يكون الأعراب نقطة تهديد لأنه آخاهم مع المسلمين وكانت النتيجة أن أمَّنهم إلى يوم القيامة.

2- أسس عمر دولة كبيرة – الشام ومصر والعراق وفارس – ولكن هل كانت الدولة متلاحمة ومتماسكة ويشد بعضها بعضًا؟ فاغتنم عمر وقت الأزمة في الشام والجزيرة وقام بتوحيد الدولة بأن جعلهم يخدم بعضهم بعضًا، وقام بإرسال رسائل إلى الولاة في مصر والشام والعراق يقول فيها: الغوث الغوث أغيثونا ؛ فبعث أبو عبيدة بن الجراح 3،000 بعير عليه دقيق ليأكل الناس، وبعث سعد بن أبي وقاص 3،000 عباءة ليتقوا بها برد الشتاء، وبعث أبو موسى الأشعري 2،000 بعير عليهم أكل وخبز، ويقوم عمر ببعث رسالة إلى عمرو بن العاص يقول فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عبد الله عمرو بن العاص أتهنأ أنت وقومك في مصر تأكلون وتشبعون وأهلَكَ أنا ومن معي في الجزيرة والشام؟ فياغوثاه فياغوثاه، فيرد عليه عمرو بن العاص بخطاب يقول فيه: من عبد الله عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين لبيك ثم لبيك ثم لبيك أتاك الغوث لأرسلنّ بقافلة من بعير أولها عندي وآخرها عندك، ويفتح خليج أمير المؤمنين وترسل مراكب من الفسطاط إلى المدينة والشام تحمل الأكل والطعام، فكانت أكبر عملية إغاثة عرفتها البشرية، وكان إنشاء أمةً يغيث بعضها بعضًا بلا شكوى أو طلب مال؛ فيا أمة محمد أين هذا التلاحم الآن؟

3- الناس بدؤوا اعتياد الغنى والأموال فخاف عليهم عمر من الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر خطبة له: (والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا فتنافسوها فتهلككم) فيقرر عمر عمل خطة تقشُّفية للأمة حتى تقوى ولا تكون مستهلكة، فيأمر ألا يأكل أحد اللحم في بيته يومين متتابعين، وكان إذا وجد رجلًا يشتري في السوق ضربه وقال له: أفكلما اشتهيت اشتريت؟، ويبدأ رضي الله عنه بتعليم النساء كيف يطبُخن الدقيق من غير إكثار، فيقول لإحداهن: اطبخي هكذا وضعي الماء هكذا لتقللي من الشعير، ويقول أيضًا للناس: يكفي أحدكم أن يأكل نصف قوته، أي يأكل في يوم ما اعتاد أكله في نصف يوم.

4- الناس أصبحوا حرفيين فلا يفكروا في مقاصد الشريعة، ولكنّ عمر كان أعظم من يتكلم بمقاصد الشريعة، وهو من أسس البحث عن الحكمة والقصد فيما أمرَ الله؛ فيجد مجموعة شباب يشتغلون عند الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة قد سرقوا ناقة فذبحوها وأكلوها، فأحضرهم عمر وأقرّوا بسرقتها فيقرر أن يقيم عليهم الحد ثمّ يتريث ويقول: إنما جُعل الحد لمن أكل وشرب ثم أراد أن يسرق فيفسد في الأرض أما هؤلاء سرقوا لأنهم جوعى فلا يقام عليهم الحد، ويتوقف حدّ السرقة طوال السنتين على كل الأمة؛ لأن الهدف أن ينقل الناس من الحرفية إلى مقاصد الشريعة.

5- قلّ إيمان الناس بسبب الأموال والفتوحات، فأراد عمر أن يعيد للأمة الإيمان فاستفاد من عام الرمادة، فقد كان يقول للناس: لا أرينّ أحدكم إلا يتقي الله، ويمشي بين الناس يقول لهم: استغفروا الله استغفروا الله فيقولوا: ولمَ الاستغفار يا أمير المؤمنين؟، فيقول: ألم تسمعوا قول الله تبارك وتعالى: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) ] {نوح}. فالاستغفار هو الحل لحالة القحط هذه، فيبدأ الناس بالاستغفار وينشرح صدر عمر بالرغم من الأزمة، وعندما اشتدت الأزمة كثيرًا ولم يجد الناس ما يأكلوه، يذهب عمر إلى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج به وبالأمة لصلاة استسقاء في مكان بين مكة والمدينة، ويقف في الصحراء ويرفع يديه ويقول: اللهم إنا نستشفع بك بعمّ نبيك -ويمسك يد العباس- اسقنا اسقنا، ويبكي ويبكي الناس لبكائه، وينزل المطر بسبب إنسان تحمل همّ الأمة ولأجل أمة أرادت أن تقيم حضارة رغم الأزمة.

وانتهت الأزمة وقامت الحضارة وكسب عمر فقد توحدت الأمة، وحُلّت مشكلة الأعراب، وفهم الناس مقاصد الشريعة، وتقشفوا وتركوا الرفاهية، وعادوا للإيمان.

في عام الرمادة في وسط المناخ الصعب والظروف الصعبة كتب عمر خطابًا آخر وأراد الله أن يُضرب به مثل عبر التاريخ، وهو كلمة القدوة، كن قدوة للناس الجوعى المتعبين، عمر رضي الله عنه من قريش أبيض اللون، تعتلي وجهه حمرة، يأكل السمن واللحم، عملاق قوي البنية ومرن، فقرر في عام الرمادة أن يكون قدوة للولاة وللمسؤولين الذين يعملون معه وللشعب ولنا، فيجوع أكثر من الناس؛لأنه ليس من العدل طالما أنه المسؤول أن يعيش في القصور بينما أمته جوعى، فيحرِّم على نفسه السمن واللحم ويكتفي بالخبز والزيت والخل لمدة سنتين، ولهذا يختلف وصف عمر في كتب التاريخ بين البياض والسمرة، فهو في الأصل أبيض ولكن لما حرَّم على نفسه اللحم والسمن أصبح أسمر.

وكان الصحابة يقولون: والله لو لم ينتهي عام الرمادة لمات عمر من شدة الجوع، فهم يخافون موت عمر قبل موت الأطفال وكبار السن والفقراء وأهل البادية، وكان يقول: بئس الأمير أنا إذا أكلت أطيب الطعام وتركت الناس يأكلون أسوأه، وكان في كل يوم يذبح ويعد الوليمة للأعراب العشرة آلاف وكان يحصيهم – الرجال 7000 والنساء 2000 والأطفال 1000 - ولا يقرب الوليمة بل يكتفي بالزيت والخل والخبز، ورأى مرة ابنه يحمل بطيخًا فقال: ما هذا أتأكل الفاكهة وأمة محمد جوعى؟ والله ما كان لابن الخطاب ولا أبناء ابن الخطاب أن يأكلوا حتى يأكل الناس والله لا يهلك الناس قبل عمر، لقد كان يحب الإسلام كثيرًا وقد ادّخر الكثير من الحسنات للآخرة فكيف سيكون جزاؤه من الله تبارك وتعالى؟

وكانت دابته التي يركب عليها ليرى أحوال الناس تأكل الشعير لكي تستطيع المشي، فقال: أيركب عمر ودابته تأكل الشعير والناس جوعى؟ دعوها لا تأكل الشعير وأمشي أنا على قدميّ، فتعب مرة ورأى غلامًا صغيرًا على بغله فقال: هل تحملني معك؟ فدخل المدينة راكبًا خلف الغلام فتعجّب الناس أن أمير المؤمنين لا يملك شيئًا يحمله ويركب خلف غلام!

ويتعب عمر ويظهر أثر التعب على وجهه ويتقلص بطنه وتقرقر أمعاؤه (أي: تصدر صوتًا بسبب الجوع) فيقول: تقرقري أو لا تقرقري والله لا آكل الطعام وأمة محمد هزلى، فضرب رضي الله عنه قدوة عظيمة حيث أصبح الناس عندما يرون الجوع في أبنائهم يروا جوعًا أكبر في عمر فترتفع معنوياتهم.

وبالرغم من كل هذا؛ يخرج عمر في كل ليلة ليطمئن على الأعراب حول المدينة، فرأى مرة امرأة تضع الحصى في إناء وتصب عليه الماء وتشعل النار وكأنها تطبخ شيئًا، وأبناؤها يبكون داخل الخيمة، فيقول لها عمر: ما لأولادك يبكون؟! فتقول: لم أجد شيئًا أطعمهم إياه فألهمهم أني أطبخ حتى يناموا وهم بانتظار الأكل وعمر بن الخطاب ماكث في المدينة، فيقول لها: انتظريني، ويركض إلى بيت المال فلا يجد شيئًا ويذهب إلى بيته ويجد قليلًا من الشعير فيأخذه من زوجه ويحمله على ظهره، فيراه غلامه فيقول له: دعني أحملها عنك يا أمير المؤمنين، ويرد عليه: فمن يحملها عني يوم القيامة؟، ويأخذ الشعير للمرأة ويضعه في الإناء وينفخ فيه، فيصعد الدخان على لحيته، فتقول له: أنت أفضل وأعظم من عمر، فيقول لها: استغفري لي - لكي لا تسأله يوم القيامة – وإذا استيقظتِ غدًا تعالي إلى المدينة أعطيك شيئًا. فتذهب وتعلم أنه أمير المؤمنين، فتدعو الله له فيقول: الحمد لله لعلها لا تسألني يوم القيامة.

فيا ناس ستسألون عن كل فقير يوم القيامة وعن كل شخص في أي مكان لم يجد ما يأكله فابذلوا وعاونوا، واعلموا أن أمة محمد تموت وتهلك وأنتم ماكثون في القصور فابذلوا في رمضان لعل الله يعفو عنا ويغفر لنا.

إذًا هذا عام الرمادة الذي كان الناس يسألون الله فيه أن ينزل المطر كي يعيش عمر، فهل سمعتم يومًا عن حاكم يحكم نصف الأرض ويتضوّر جوعًا؟!

هذه الحكاية أقولها لكم في زمن الأزمات، وليس من الضروري أن نحذو حذوَ عمر تمامًا فلا نأكل، ولكن لنحيا كما عاش عمر لفكرته ولرسالته وللناس، فهل من الممكن أن تعيشوا للناس وتقلدوا عمر ولو قليلًا في البذل لهم؟ فالجوعى كثيرون في بلادنا.

وهل لك أن تعلم أن الله يختبر في زمن الأزمات الرجال المؤمنين؟ فإن عملتم هكذا في هذه الليلة فستدركون ليلة القدر، فيا من تبحثون عن ليلة القدر ابحثوا عنها بالعطاء والبذل للناس فتدركوها أسرع من ألوف يعيشون لأنفسهم وإن بكوا وصلوا طوال الليل، تعلموا من عمر كيف نعيش للناس في زمن الأزمة.

قام بتحريرها: قافلة التفريغ والإعداد بدار الترجمة

Daraltarjama.com©جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كأنت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخرى فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

للاستعلام:management*daraltarjama.com