الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1433

»

عمر صانع حضارة

»

12 - جمع الطاقات دون إقصاء


عمرو خالد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. حلقة جديدة من "عُمر صانع حضارة". حلقة اليوم هي بداية الفتوحات الإسلامية. سوف ينطلق عُمر بالجيوش الإسلامية إلى الشام، والعراق، وبلاد فارس.. كل البلاد التي فُتحت قد فُتحت بسبب خطة عُمر وتحركه.

هناك سؤال هام: هكذا يكون الإسلام قد انتشر بالسيف؟! أريد أن أقول أن فكرة القتال والحرب ليست أصل من أصول ديننا أبدًا. وسوف أستعين هنا بكتابات يقولها الإمام ابن تيميه، يقول في تعليقه على الآية: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]{البقرة:208}أن هذه الآية بمثابة الإعلان القرآني على وجود سِلم عالمي تندرج فيه الإنسانية كافة؛ فهذا هو الأصل. كما يقول ابن تيميه في رسالة القتال كلامًا هامًا وهو أن الحروب التي خاضها النبي (صلى الله عليه وسلم) ضد المشركين هي 27 غزوة، كان فيها المشركون هم المعتدين أو المتسببين في القتال وهذا يؤكد أن الأصل مع الكفار هو السِلم لا الحرب، ولو كان الأصل معهم الحرب لكان رسول الله هو الذي يبدأهم بذلك، والمتواتر عن سيرته انه لم يبدأ أحد بقتال". يقول الإمام بن تيميه هذا الكلام عن حقيقة ديننا. كما يقول أيضًا "أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يقاتل إلا دفاعًا أو لرد البغي وليس لإكراه الناس على اعتناق الدين لأن آية [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..]{البقرة:256} آية ناسخة لأي حكم آخر". ويعلق ابن تيميه أيضًا بقوله "وأن قول الله تعالي [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ]{البقرة:190} أن هذه هي الآية الناسخة والقول المُحكم".

هذا كلام واضح عن ديننا ويجب أن يكون واضحًا عند كل مسلم. لو سألتكم: ما هي أكبر دولة إسلامية الآن، ستكون الإجابة: "أندونيسيا"، فمن القائد الذي قام بفتحها؟ لا يوجد، بل هم التجار المسلمون الذين عملوا وتعاملوا هناك. إذًا، لماذا قام عُمر ابن الخطاب بتلك الفتوحات؟ السبب الأول هو أنه كانت هناك تحديات واقعة على المسلمين بأن الفرس والروم يريدون أن يهزموا الحضارة الجديدة الناشئة، فهم يخشونها، ومن هنا كان تحرك عُمر. صحيح أن عُمر هو الذي تحرك إليهم أولاً وذلك لأنه مبادر ويعلم أنهم سيلتهموه بدون شك حيث أن ذلك كان واضحًا منذ أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) أسامة بن زيد بعد غزوة مؤتة ليرد اعتداء الروم. فقد كانت هناك تجهيزات من الفرس والروم للقضاء على هذه الحضارة الناشئة. إذا اطلعت على الخريطة في ذلك الوقت فسوف تجد الروم والفرس، ثم المسلمون بينهما. أدرك عُمر ابن الخطاب برؤيته استعدادهما للقضاء على المسلمين إذا لم يتحرك مبكرًا إليهم.

السبب الثاني هو أن الشعوب التي كانت تعيش في هذه البلاد كانت واقعة تحت ظلم رهيب؛ فالأقباط في مصر كانوا مقهورين، ومثلهم أهل العراق وأهل فارس، وكان عُمر يرى أن حضارتنا حضارة إنسانية فلابد أن تنقذ هؤلاء. لذلك لم ينتشر الإسلام بالسيف، والدليل على ذلك أن عدد الكنائس في مصر بعد فتح عمرو ابن العاص لمصر أكبر من عددهم قبل فتحه لها، حتى أن الأنبا بنيامين، أنبا مصر ورئيس الكنيسة المصرية لم يكن معززًا ومكرمًا إلا في عهد عُمر بن الخطاب، وكان قبل ذلك مطاردًا وهاربًا في صحراء مصر.

سيبدأ عُمر في فتح البلاد، فسيقوم بفتح خمس قطاعات: الشام والعراق وفارس ومصر والجزيرة، في ثلاث أو أربع سنوات فقط. لينفذ ذلك، هناك شرط من شروط قيام الحضارات وهو "لا إقصاء لأحد بل مشاركة الجميع"، فقد جمع عُمر كل القبائل العربية للمشاركة وليس أهل المدينة أو الصحابة فقط، مستفيدًا في تواصله مع تلك القبائل بكونه سفيرًا إليهم قبلاً، كما جمع القادة العسكريين أمثال خالد ابن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم، حتى عند عزله لخالد أوصى أبو عبيدة على الاحتفاظ به في الجيش وأن النصر لن يأتي بدونه فقد كان يعلم عُمر قيمة خالد، وجمع عُمر الشباب فقد احتفظ لعلي ابن أبي طالب بمكان في مجلس الشورى حيث تتخذ القرارات وجمع عبد الله ابن عباس ذو الـ 18 أو 20 سنة، وجمع المرأة في مجلس الشورى أيضًا مثل الشفاء بنت عبد الله، وجمع عُمر أصحاب بدر لأنهم أهل الوزن والثقل، كما جمع القضاة أمثال شُرَيح في المجلس، وجمع المدرسون أمثال معاذ بن جبل لأنه أفضل من يعلم القراءة والكتابة.

بداية الفتوحات الإسلامية

رغم أن الفرس والروم كانوا على اختلاف في كل شيء إلا أنهم اتفقوا في تلك الفترة على شيء واحد فقط وهو القضاء على تلك القوة الجديدة والأمة الواعدة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فبدأوا في حشد كل قواتهم. هنا وجد عُمر نفسه مضطرًا إلى أن يحارب في جبهتان في الوقت نفسه وهذا دليل على أنه لم يبدأ الصراع لأنه لا أحد يقاتل في جبهتان في الوقت ذاته.

لننظر كيف كان يعيش الفرس وكيف كانوا يتحركون ولماذا كان يجب على عُمر أن يقاتلهم.

نحن الآن عند نهر الفرات، ولنتكلم عن أهل العراق حينها. قد كان أهل العراق مقهورين قهرًا شديدًا وكانوا يقعون تحت ظلم كبير، فقد وصلت الضرائب المفروضة على أهل العراق 150 مليون درهم سنويًا (يعادل هذا ميزانية بعض الدول) يقوم بدفعها الفلاحون الغلابة على ثلاث مرات متفرقة في السنة وليس فقط عند جني المحصول! هذا ذل وقهر ما بعده قهر، فقد كانوا يعملون فقط لدفع الضرائب للفرس. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك إنحلال خلقي رهيب صنعه الفرس حيث انتشر زواج المحارم بشكل مقزز حتى أن يزدجرد كسرى الفرس كان متزوجًا من ابنته وأعلن هذا الزواج ثم قتلها لاحقًا، وأصعب من هذا وذاك أن الفرس كانوا أول من طبقوا فكرة الشيوعية التي عرفناها في القرن الماضي بأن قالوا أن كل شيء ملكًا لكل الناس، فكان نتيجة ذلك أن القوي يدخل على الضعيف يقول له أنه شريكٌ له في امرأته وبناته وفي أولاده يعملون لديه وفي أرضه وفي بيته، فانتشر الظلم والقهر والفساد والانحلال الخلقي الرهيب. ومن هنا كانت الرسالة الواجبة على المسلمين فقد أرسل الله تعالى النبي (صلى الله عليه وسلم) لإصلاح أحوال الناس. لم يكن المسلمون يستطيعون الاكتفاء بموعظة أهل الفرس فقط وذلك لأن الفرس أصلاً يريدون وأد الأمة الجديدة حتى أنهم قاموا بتحريك وتحريض وتمويل 7 من إجمالي حروب الردة التي حدثت في عهد أبو بكر الصديق، فقد كانوا يقومون بتحريض القبائل العربية مثل اليمن، وهم السبب في تحريض الأسود العنسي الذي أشعل الفتنة وأدعى النبوة. لذلك لم يجد عُمر ابن الخطاب سبيلاً إلا محاربتهم، ليس اعتدءًا أو نشرًا للإسلام بالسيف وإنما ردًا للظلم والفساد والإنحلال الأخلاقي واحتمال محاربة المسلمين وصد عن مجال دعوة الناس. فأضطر عُمر إلى أن يشير بيده إشارة كبيرة إلى الفرس قائلاً: "الفتنة هاهنا! هنا قرن الشيطان!" أي أنه من هنا يتحرك الشيطان في الأرض للإفساد. لم يجد عُمر سبيلاً إلا التحرك فورًا تجاه بلاد فارس لايقاف الظلم ولايقاف الاعتداء على المسلمين وعلى الدولة الجديدة، لم يكن باستطاعة عُمر بناء حضارة قبل مواجهة الفرس. فبدأ عُمر في التحرك لبلاد فارس ونهر الفرات.

نحن الآن في الأردن. من هنا من بدأ التحرك لمواجهة الرومان. ليس فقط في عهد عُمر وإنما في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) أيضًا. قد تغفلون عن بعض القصص التي حدثت في عهد النبي؛ يحكي عُمر ابن الخطاب في عهد النبي: "بينما أنا نائم فإذا برجل جاري من الأنصار يطرق عليّ الباب، فقلت: من؟ قال: أخوك من الأنصار. ففزعت (من شدة طرق الرجل على الباب) وفتحت له وقلت: أحاربنا الغساسنة؟ (أي مساعدي الرومان)، فقال الرجل: لا، فقلت: أغزانا الروم؟" فقد كانت المدينة يصيبها الشك منذ أيام النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الرومان سيحاربون المسلمين في عقر دارهم، لم يبدأ المسلمون في محاربة الرومان، بل تحرك الرومان لذلك. وقد حدت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) انطلق في غزوة مؤتة التي استشهد بها ثلاثة من الصحابة لأن الرومان كانوا يجهزون قوات على حدود الجزيرة يريدون أن يهاجموها، وللسبب ذاته أصر النبي قبل وفاته أن ينطلق جيش أسامة بن زيد لمواجهة الرومان، فقد بدأ هرقل في جمع 600,000 من قواته بالشام للتحرك في اتجاه الجزيرة والمدينة. كانت هناك معلومات لدى المسلمين أن هرقل ملك الروم قد اتخذ قرارًا بمحاربتهم. لم يعتدِ عليهم عُمر ابن الخطاب بدون سبب، بل لهذا السبب السياسي العسكري، بالإضافة إلى سبب آخر حضاري إنساني أقول لكم من أجله أنه يجب أن نبني حضارة وهو رفع الظلم. ألم يأمر الإسلام برفع الظلم عن المظلومين في الجزيرة العربية من عبيد ونساء، إلخ؟ حتى أن لرجل كان يلقي عباءته على أرملة أخيه مدعيًا هكذا أنه ورثها ضمن ورث أخيه، ومثل هذا الظلم كان بالشام، فالإسلام ليس دينًا عنصريًا يريد تحرير من بداخل مكة والمدينة فقط متغافلاً عن باقي المظلومين بالعالم، منهم المظلومين بالشام الذين أصبحوا لاحقًا من أكثر البلاد قيمة في تاريخ المسلمين، فقد مكَّن عُمر الفلاحين من امتلاك الأراضي الزراعية هناك. لهذان السببان تحرك عُمر لمواجهة الفرس والروم، فديننا دين سلام. أدرك عُمر ابن الخطاب أنه لن يستطيع مواجهتهم وحده وإنما يحتاج في ذلك إلى تعبئة رجال ونساء وكوادر جديدة لمواجهتهم.

بدأ عُمر في التجهيز لانطلاق فتوحات إسلامية وجيوش لتنطلق في الشام والعراق ومصر وفارس. هل تتخيل حجم الجيوش؟ وكيف سيتحرك عُمر؟ ومن سيرسل؟ يجب أن تكون هناك منظومة وطريقة للتحرك وتوليفة جديدة ودم جديد ونظام وشكل جديد للتحرك، هل سيشرك عُمر جميع الناس في هذا المشروع أم سيقصي بعضًا منهم؟ هذا هو مشروع الأمة كلها فقد أصبحنا جميعًا مسلمين بسبب هذه الخطوة. حاليًا السبب في جميع الانتصارات هو شخص واحد؛ خالد بن الوليد، ينظر إليه المسلمون على أنه البطل الوحيد في الصورة الذي يقوم بجميع الانتصارات، وخالد يدرك ذلك عن نفسه فهو يتحرك، لا أريد أن أقول بطريقة فردية، وإنما بطريقة من هو قادر على صنع النصر. على الجانب الآخر يشكل عُمر منظومة ليشارك بها الجميع فلا يصح أن يكون في الصورة شخصًا واحدًا لأنه يصنع مشروع أمة، فمثل هذا المشروع لا يقوم به شخصًا واحدًا أو فريقًا لوحده أو مجموعة وحدها وإنما يشارك به الجميع دون إقصاء.

يتمتع خالد بن الوليد خصال منها أنه عندما ينتصر في معركة فهو لا يرجع الأموال والغنائم مركزيًا إلى الدولة متمثلة في أبي بكر أو عُمر في عهديهما، وإنما يقوم بتوزيع الغنائم مباشرة على قادة الجيش لتقويته دون الرجوع في ذلك إلى أحد. وقد حدث أن أرسل عُمر إلى أبو بكر الصديق أثناء خلافة الأخير أن يأمر خالد ابن الوليد بأن يرد الأموال إلى الخليفة أولاً ثم يقوم الخليفة بتوزيعها بعد ذلك على الجنود وعلى الفقراء والضعفاء، فكتب أبو بكر لخالد يطلب منه ذلك، فرد عليه خالد: "إما أن تدعني وعملي، أو شأنك وعملك"، فقال أبو بكر: "لا، بل يبقى خالد بن الوليد سيف من سيوف الله". لن تصلح مع عُمر مثل منظومة خالد، فعُمر يريد أن يقيم دولة ويقيم حضارة لا تبنى على منظومة فردية، يريد عُمر أن تجمع الأموال وتحدد موارد الدولة وينشأ اقتصاد موحد ثم توزع الأموال. ففي خلافة عُمر، أرسل لخالد ابن الوليد يطلب منه أن يرسل له جميع الغنائم ".. فلا يدع عقال بعير ولا شاه إلا وأتيت بها إليَّ ثم أنا أوزعها"، فرد عليه خالد بالرد ذاته: "إما أن تدعني وعملي، أو شأنك وعملك"، فعزله عُمر.

السبب الثاني لعزل عُمر لخالد ابن الوليد أن عُمر يريد صنع فتح ووضع منظومة للأمة كلها بينما الناس تنظر لخالد على أنه صانع النصر وحده ويريد عُمر أن يثبت أن صناعة النصر سببها الأمة جميعها، فكتب عُمر للناس قائلاً: "إني لم أعزل خالد سخطًا عليه أو لخيانةٍ في مال، معاذ الله! إنما عزلت خالد لأن الناس ترى أنه صانع النصر وقد فتنوا به! والله صانع النصر" أي جميعنا يمكنه تحقيق النصر لأن النصر منظومة أمة. تلك كانت طريقة تفكير عُمر. ليس صحيحًا ما يقال أن السبب في الخلاف بين عُمر وخالد أن عُمر كان يغير منه أو أنهما تصارعا صغارًا...فلا يجوز هذا الكلام الساذج البسيط. نحن نتكلم عن إقامة أمة!

السبب الثالث لعزل عُمر لخالد ابن الوليد أن خالد تجاوز من العُمر الخمسون عامًا، فعُمر يريد أن يضخ دماءًا جديدة وجيل جديد من الشباب لعلمه أن مشروع بناء الأمة سيستغرق وقتًا طويلاً. لذلك يغير عُمر تلك الطريقة فيعزل خالد ويجعله القائد الثاني مع إبقائه في المعركة يديرها، وبذلك قد أعاد توظيفه داخل المجموعة، ثم يعين عُمر اثنان من كبار الصحابة المبشرون بالجنة وهما أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة وأحد المبشرين بالجنة، وسعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي يوم بدر "ارمِ سعد فداك أبي وأمي!" كلاهما في أوائل الأربعينيات من عُمرهما، وشاركا في حروب الردة، ولم يتخلفا عن معركة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكلاهما أشداء.

لم يكتف عُمر بكبار الصحابة فقد اتسعت الأمة وظهر جيل التابعين، فيشرك عُمر في توليفته اثنان قادة من قادة التابعين، ولأول مرة لا يُعَيَن القادة من الصحابة حتى أن الصحابة يسألون عُمر: "أستولي علينا من غير المهاجرين والأنصار؟"، فيقول عُمر: "سبقتم بنصرة هذا الدين فدعوا الفرصة لغيركم ينصرون هذا الدين". لا يصح عند عُمر مبدأ احتكار الفكرة ، فيرسل عُمر كلاً من المثنى بن حارثة وأبو عبيد الثقفي، أحدهما إلى العراق والآخر إلى فارس ويقول لهما: "لا تقطعوا أمرًا ولا تحاربوا عدوًا إلا بمشورة أصحاب رسول الله، ويعين من كانوا شبابًا بغزوة بدر وأصبحوا شيوخًا الآن كمستشارين للمثنى بن حارثة وأبو عبيد الثقفي فيضمن بذلك أن جيل التابعين هذا قد أثقلهم بأصحاب بدر". تلك هي عبقرية عُمر، انطلق بكل هذا من هذا المكان لتستعد الجيوش للانطلاق.

البقيع وشهداء الصحابة

أقف الآن وخلفي البقيع الذي يضم 10,000 صحابي، تشعر بداخل البقيع براحة نفسية عجيبة. إذا ما دخلت أية مقابر تشعر بانقباض القلب، إلا البقيع تشعر بداخله براحة نفسية وبأرواح الصحابة حولك. إذا ما نظرت للطيور وشممت هواء البقيع تهدأ. غالبًا ما تكون أسعار المساكن حول المقابر منخفضة إلا المساكن حول البقيع فأسعارها ترتفع لأنه قطعة من الجنة. عدد الصحابة 120,000 صحابي، يرقد هنا 10,000 منهم فقط، أما باقي الصحابة فقد أرسلهم عُمر يفتحون الأرض كلها. يرقد بمصر 4000 صحابي، وبالشام يرقد 8000 صحابي، وبالعراق يرقد 6000 صحابي، كلهم قد بنوا الحضارة في أذربيجان وفي العالم كله، فماذا بنيت أنت؟ قد أديت صلاتك وصيامك لنفسك، لكن ماذا صنعت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ ماذا صنعت لحضارته التي أقامها؟ ماذا صنعت في طريق عُمر؟ هل صنعت مثل صنع الصحابة الذين أعطوا وبذلوا؟ الـ10000 صحابي هؤلاء بالبقيع هم الذين احتفظ بهم عُمر بالمدينة كنواة فلا يخرجوا منها لتنطلق الحضارة من هذا المكان المركزي. هل تتمنى أن تكون معهم؟ هل تتمنى أن تدفن يومًا ما هنا في البقيع؟ اصنع مثل صنعهم لعل الله يختارك! قد دُفِن الشيخ محمد الغزالي هنا لأنه كان يعيش للإسلام وكان يريد أن يبني بناءًا حضاريًا. مهما كان مجالك، إذا كنت طبيبًا، أو مهندسًا، إذا كنت ربة منزل وتقومين بتربية أولاد، فقوموا بتربية من يبني حضارة.

شرط إقامة الحضارة هو أن يشارك كل المجتمع بدون إقصاء، فإقامة الحضارة ليست حكرًا على حزب أو مجموعة أو تيار، إقامة الحضارة هو دور الأمة كلها، رجالاً ونساءًا، كلٌ يجب أن يكون له دورًا ولو صغيرًا في بناء حضارة للإسلام. تذكر البقيع وأمعن النظر فيه لعل الله يرزقك بشهادة أو بوفاة ودفن هنا.

قام بتحريرها: قافلة التفريغ والإعداد بدار الترجمة

Daraltarjama.com©جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كأنت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخرى فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

للاستعلام:management*daraltarjama.com