الحقوق محفوظة لأصحابها

رمضان 1433

»

عمر صانع حضارة

»

11 - هدف إقامة حضارة إسعاد الناس


عمرو خالد
أهلا بكم فى عُمر صانع حضارة، والحضارة تعنى السعادة للإنسان والعيش في منظومة متكاملة بها أخلاق وروحانيات، فالبعض يظن أن كلمة حضارة تعني أناس تبنى وتزرع فقط.. سعادتنا الآن منقوصة لأنها تحت ظلال حضارة أخرى وهى الحضارة الأوربية والتى لا تتماشى مع قيمنا الأخلاقية، ولذا قد نضطر لارتكاب بعض الأخطاء لتقليد حضارات أخرى فنصبح موجوعين دينيا، فما بالك لو قيمنا تتماشى مع حضاراتنا.

ولأول مرة فى هذه الحلقة يصبح عُمر خليفة، وهو يعلم أن الهدف من الحضارة هو إسعاد البشر. فترى كيف سيبدأ ؟ فإنه سيبدأ بالاقتصاد فهو يريد عيشة كريمة جيدة للناس، حيث له مقولة رائعة: وددت أن المال قد جاء بين يدى لأعطى لكل مسلم ولكل من يعيش بيننا أربع آلاف درهم-وهذا رقم كبير فى ذلك الوقت- ألف لفرسه وألف لسلاحه وألف لأهله وأولاده وألف لملبسه وإنفاقه الشخصى. إنه يريد زيادة متوسط دخل الفرد ويتحدث بمنظور الدول الحديثة .

وسيبدأ عمر من أهل المدينة لأنهم الركيزة التى سوف تبدأ منها الحضارة فلابد أن يكونوا سعداء، و سيبدأ من أرض بطحاء.. حيث قال النبى صلى الله عليه وسلم : بارك لنا في أرض بطحاء وينزل بطحاء حيث يبدأ العمل والإنتاج كما بدأ النبى صلى الله عليه وسلم، ويضع خطة لزيادة مستوى دخل الفرد.

أول يوم لحكم عُمر بن الخطاب

أول خطبة لعمر بن الخطاب وسوف يضع فيها دستور حكمه وخطته للمستقبل –وقد سمعنا من قبل عن التجربة الماليزية والتجربة التركية واليوم نتحدث عن التجربة العمريَة – وقف على المنبر ثم نزل خطوة عن الموضع الذى كان يقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل خطوة أخرى عما كان يقف أبوبكر، وقال كإنما يحدث نفسه: ما كان الله ليرانى فى درجة النبي صلى الله عليه وسلم ودرجة أبى بكر الصديق، ما كان الله يرانى في منزلة النبي صلى الله عليه وسلم و أبى بكر الصديق-لقد بدأ كلمته متواضعا-أيها الناس إنى قد ابتليت بكم وابتليتم بى –الحكم امتحان للحاكم والمحكوم- ثم قال: أيها الناس إن الإسلام له حائط منيع وباب وثيق، فحائط الإسلام العدل وبابه الحق ولايزال الإسلام منيعا ماكان الحق والعدل أقوياء، فوالله لست أترك أحد يظلم أحد أو يعتدى عليه حتى أضع خده في التراب، ثم أضع قدمى على خده الآخر حتى أسترد الحق للضعيف وإن كانوا أولادى أو أهلىَ ، ثم إنى أضع خدى الآخر على التراب ليكون وطئاً لضعفاء المسلمين وفقراء المسلمين وأهل العفاف والتقوى-وهذا يعنى أن أول قاعدة هى العدل وهيبة القانون-

أيها الناس إن لى عندكم خمس خصال فحاسبونى عليها وخذونى بها..

1. إن لكم عندى ألا أخذ من أموالكم شيئا فإن أموالكم علىَ حرام كحرمة مال اليتيم على من يريد أن يأخذ منه إلا ما يقيم صلبي درهمين في كل يوم وليلة لى ولعيالى وحلة فى الصيف وحلة في الشتاء ودابة أركب عليها أنا وأولادى وليس لي في مالكم حق بعد ذلك.

2. وإن لكم على أن أصرف وأنفق أموالكم فما يحفظ دمائكم وأولادكم ومستقبلكم.

3. وإن لكم علىَ أن أزيد في أرزاقكم.

4. وإن لكم عليَ أيها الناس أن أحمى ظهوركم من أعدائكم وأكفل أمنكم.

5. أن أحمى رسالة نبيكم فأنشرها بين العالمين.

وعُمر يريد أن يوجه الناس للعمل لأنها دولة فقيرة، فيقول: من ليس له حرفة سقط من عينى وسقط من عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يمشى بين الناس ويسأل معاذ بن جبل: احصى لي كم مرة ذكر العمل في القرآن؟، فيرد معاذ أكثر من 300 مرة يا أمير المؤمنين، فيرد عمر: اخطب بين الناس وذكرهم أن العمل ذكر أكثر من 300 مرة

ثم يسأل أبا هريرة لما لا تعمل؟ فيرد أبا هريرة: لا أحتاج للعمل-حيث إنه يمتلك المال- فيرد عليه عمر: أأنت خير من يوسف عليه السلام؟ ألم تسمع يوسف عليه السلام يقول: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)

ثم يرى سائل يقول: من يعيشينى؟ من يعيشينى؟ فيقول عمر: عشوَه. ثم يجده بعد ساعة يمشى في الشارع يقول: من يعيشينى؟ فيقول عمر: ألم أأمر أن تعشوه، فيردوا: عشيناه يا أمير المؤمنين.. فأتى به عمر وقال له: أنت ليس بسائل أنت بتاجر، فضربه وأقسم عليه بعدم تكرارها.

ويبدأ سيدنا عمر بالمشروعات الصغيرة: فيأتى بهند بنت عتبة زوجة أبو سيفان التى قتلت سيدنا حمزة وهى تريد أن تعمل فأعطاها قرض قيمته 4000 درهم، وكان يريد أن يرى الرجال إمرأة تعمل فيخجلون وكانت هذه بداية القروض.

لقد حدد عمر خطته لإسعاد الشعب فعند تشعر الناس بالراحة سوف تنتمى وتفكر ، فالانتماء ليس شعارات ولكن للأرض التى أعطت، لذا قام عمر بتطبيق أربع أفكار مبتكرة لم يأخذها من حضارات سابقة:

1. الوقف: الأراضى الزراعية يظل أصحابها الأصليين مالكين لها ولكن من الممكن الانتفاع بانتجاها عام او عامين للاستفادة منه فى مشروعات أخرى، وبدأ بنفسه كان لديه قطعة أرض في خيبر أوقفها لعلاج كل مريض –فكرة مشروع التأمين الصحى-. فبعد زيادة مشاركة الناس فى مشروع الوقف توافرت الفلوس فقرر توجيه فلوس الوقف للتعليم وأيضا تعليم الحرَف لبناء النهضة، ولذا أسس أول ديوان أى وزارة أوقاف في تاريخ المسلمين.

2. فرض الزكاة على الخيل التى يتم التجارة فيها-حيث لم يكن عليها زكاة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم- حيث إن الزكاة تفرض لتدخل فى مقاصد الخير وليست للأشياء التى في نطاق الاستخدام الشخصى,

3. من أحيا أرضاً فهى له، أى خذ أرض وعمرها فهى ملكك والدولة تأخذ جزء من انتاجها، ولكن لاحظ بعض الناس تأخذ الأرض ولا تستغلها فجعل وجوب استغلاها بحد أقصى خلال عامين. وذهب لبلال كى يزرع أرضه فرفض وقال أعطاها لى النبي صلى الله عليه وسلم قفال عمر إما تزرعها أو نأخذها منك.

4. الحمى، أول من حمى الحمى فهى أرض ملك الدولة للثروة الحيوانية لمن يمتلك إبل وماعز وجمال كى يقوموا بتغذيتها وعندما تلد تأخذ الدولة نصيب منها.

5. أنشأ بيت المال تمثل وزارة الخزينة وله خازن وفروع وسجلات عديدة. كما قام بعمل سجلات للمواليد، وللعائلات، الأنساب، للجند، للأرامل.

فلقد قام عمر بترشيد للأنفاق، وإنشاء الوزارت وجمع فلوس الدولة مع وضع أفكار جديدة

معايير توزيع المال فى عهد عُمر

زادت الفلوس مع عمر بن الخطاب وأصبحت الدولة غنية جدا، فرغم زهده على نفسه لكنه يريد توزيع الفلوس على الناس .

قسم الناس معياريين عند توزيع الفلوس: أهل السبق وهم حبايب النبي صلي الله عليه وسلم، وأصحاب الإنجاز: قيمة الإنجاز الشخصى والشعور بالذات تعنى أن هذا الشخص مقدرَ من الدولة وهذا له أثره في مزيد من العطاء، أحيانا من العدل ألا تساوى بين الناس وتعطى كل واحد حقه. ويوزع المال كالآتى:

أمهات المؤمنين : 10000 درهم كل عام لكل زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم يعطوا وينفقوا كثيراً كإنهم يمثلوا الجمعيات الخيرية التى تعطى الفقراء.

من شهدوا غزوة بدر: 5000 درهم

من شهدوا الحدبيبة: 4000 درهم

من أسلموا بعد الفتح: 2000 درهم.

التابعين (أولاد الصحابة) : 2000 درهم

وكان قد أعطى أسامة بن زيد أكثر من عبدالله بن عمر بن الخطاب وهما مثل بعض وشاركا في نفس المعارك، فذهب عبدالله لأبيه يسأله لماذا أخذ أكثر منه؟ فردعمر: لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أكثر منك وهذا حسب السبق. أما حسب الإنجاز فأعطى شاب أخر أكثر من عبدالله بن عمر، فسأله عبد الله بن عمر.. لماذا؟ فقال له: لأن أبوه ثبت يوم غزوة أحد أكثر من أبوك -يقصد نفسه-

بعد إتمام العطاء لأهل السبق والإنجاز قام بإعطاء كل إمرأة عجوز أو أرملة أو ضعيفة لها 500 درهم من بيت مال المسلمين، كل مولود يولد يأخذ 100 درهم وعندما يفطم يأخذ 200 درهم، كل أب وأم لديهما أطفال يأخذوا مال حسب عدد أولادهم وذلك عن طريق إقامة ولائم للعائلات وقام بحساب قدر ما أكلوا مرتين متتاليتين كى يحسب المتوسط فبالتالى يحسب متوسط الأرض التى يجب زرعها، فبالتالى مقدار المرتب الذي يصرف لهم كل شهر، بالنسبة لللقطاء ينشأ بيت لهم ويصرف 500درهم لكل واحد، وعجائز أهل الكتاب أى المسيحيين واليهود كل واحد يأخذ 300 درهم وتسقط الجزية عن العجائز والضعفاء، وويذكر أنه رأى شيخ يهودى يتسول كى يدفع الجزية فيقول عمر له: لا والله ما أنصفناك إذ أخذناها منك شاباً ثم ضيعناك فى كبرك، ثم يأمر له بعطاء. ثم يقول كلمته الشهيرة: لئن حييت لا أترك راعى فى صنعاء في اليمن ولا أترك قبطي في مصر ولا أترك عجوز في العراق إلا وجعلت له من هذا المال هذا حقهم وليس حق المسلمين وحدهم.. وهنا يتضح جلياً لماذا أسلم الناس.

ويقف بين الناس يقول: أيها الناس من أراد أن يتعلم الفرائض فليأتى لمعاذ بن جبل، ومن أراد أن يتعلم القران فليأتي للأبي بن كعب، ومن أراد أن يعرف المال ويعرف كيف يأخذ ويعطي المال فليأتيني فإن الله قد جعلنى خازناً وقاسماً لهذا المال.

وأخذ في فتح السجلات بشكل متزايد والناس تتوافد للتسجيل فيها حيث يعرفون أنهم سوف يأخذون من العطايا وبالتالي قضى عمر على القبلية واستبدله بنظام الدولة. وهذا دليل العبقرية التي سببها حب خدمة الناس.

وذات يوم يسأل عمر واحد يعمل عنده: كيف بك إذا جاءك سارق؟ قال له: إذا جاءنى سارق قطعت يده، فيقول له عمر: وأنا إذا جاءنى عاطل لم توجد له عمل قطعت يدك، ساعدوا الناس لتعمل كى لا تسرق.

وأدرك عُمر أن الحضارة ليست اقتصاد، بناء، معمار، أمن وعلوم فقط. ولكنها إيمان أيضا، فالإيمان يحافظ علي كل هذا، فالحضارة تحتاج إلي جانب روحانى إلي إيمان كي يحافظ على الحضارة حيث حضارة من غير إيمان تسقط سريعاً، فيقرر عمر أن يجمع الناس علي صلاة التراويح فقد كانت قبل ذلك تصلى فرادى أو فردين أو ثلاثة معاً في رمضان، فقد خاف النبى صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس التراويح حتي لا تفرض عليهم رحمة بهم. وبهذا كان يبغي أن يجمع الناس في صلاة التراويح وهذا يعتبر إنجاز حضارى حتى لا يصبح المجتمع متفكك وبهذا عمر يشارك الثواب كل من يصلي التراويح إلي يوم الدين.

وهو من أشار على أبو بكر بجمع القرآن ولذا كل من يقرأ القرآن حتى يوم القيامة يشاركه عمر الثواب وبهذا كل مسلم مدين لسيدنا عمر.

ولهذا كى تقوم الحضارة لابد أن يكون هدفها إسعاد الناس ثم نخلطها بالإيمان ، فلقد قام عُمر بخلط الاقتصاد مع الإيمان.

قام بتحريرها: قافلة التفريغ والإعداد بدار الترجمة

Daraltarjama.com©جميع حقوق النشر محفوظة

يمكن نشر ونسخ هذه المقالة بلا أي قيود إذا كأنت للاستخدام الشخصي وطالما تم ذكر المصدر الأصلي لها أما في حالة أي أغراض أخرى فيجب أن يتم الحصول على موافقة كتابية مسبقة من إدارة الموقع

للاستعلام:management*daraltarjama.com